التراثالحكايات الشعبية

حكاية أونامير.. أسطورة أمازيغية مغربية

منذ القدم وعبر قرون، كان الإنسان يشاهد المخلوقات والظواهر الطبيعية، وقد تكونت في فكره الجمعي العديد من التساؤلات والتخيلات، التي تحولت خلال سنوات طويلة إلى أساطير وحكايات، يتم من خلالها خلق مخلوقات أسطورية أو إيجاد حكايات أسطورية تعلل وجود بعض الظواهر الطبيعية، مثل حكاية أونامير الأمازيغية.

فالحكايات الشعبية تعد جزأ من موروثنا الشعبي، وخلاصة إفرازات لتفاعلات الإنسان مع ظروف الحياة التي عاشها. والحقيقة أن الميثولوجيا الأمازيغية غنية بالحكايات التي تمكننا من فهم جزئي على الأقل لطبيعة الإنسان والمجتمع الأمازيغي وبنيته الفكرية.

ولما كانت الميثات (الحكايات الأسطورية) تعكس أسس الثقافة المغاربية الضاربة في القدم، فيمكن أن نستخلص منها طبيعة العلاقة التي جمعت الإنسان الأمازيغي بالطبيعة والكون والظواهر من وحوله، ونظرته إلى الفضاء والزمان والمجهول بالنسبة له، وصلته بالمجتمع والبشرية عموما..

فالسماء في المخيال الأمازيغي القديم تشكل مأوى لكائنات سامية كالألهة والأرواح والحوريات.. مثل تانيرت في الحكاية الميثية الأمازيغية المعروفة بـ حكاية أونامير، التي سوف نتعرف عليها في هذه المقالة.

حكاية أونامير

بطل الحكاية هو أونامير أو “حمو أونامير” فتى وسيم جدا يدله الطالب أي الفقيه على كيفية الإمساك بمن يخضب يديه ليلا بعد أن وبخه كثيرا لملاحظته أنه يحضر إلى الكتاب في الصباح موشوم الكفين في الليل بالحناء، مما يجعل ذكورته موضع سؤال من طرف زملائه، ويتمكن أونامير بعد أن تظاهر بالنوم من القبض على تانيرت الفاتنة الحسناء القادمة من السماء السابعة (ويس سا يكنوان) التي اشترطت عليه للزواج منها أن يبني لها بيتا من سبع حجرات يفضي كل باب منها إلى باب الحجرة الموالية، وتكون الأبواب من حديد، وتقفل بمفتاح واحد (رمز يعيد إنتاج السماوات السبع الممتنعة على الأرض).

كما حصلت على عهد منه بأن يكتم سرها على أهله (أمه)، لكن حدث أن سافر للاقتناص غزال يلبي به لها آخر شهوة، فسعت الأم بإيعاز من نساء القرية إلى الإطلاع على سر زوجة ابنها أونامير. وبواسطة الديك الذي عثر على المفتاح حققت مبتغاها وكشفت سر تانيرت وشتمتها جدا، ولما عاد أونامير فوجئ بالحجرات مقتحمة، وقد امتلأت ماء يتدرج علوه كلما دنا من الحجرة السابعة حيث تانيرت التي وبخته على عدم التزامه بشروطها، وطلبت منه أن يشق لها في السقف شقة صغيرة للتنفس من خلالها، وما كاد يفعل حتى تحولت تانيرت إلى حمامة! طارت الحورية وهي تردد فوداعا يا أونامير، وتركت له خاتما في يده.

فهام على وجهه بحثا عن حل للالتحاق بها في السماء السابعة، حتى اهتدى إلى نسر (إيكيدر) عرض عليه أن يحمله إليها اعترافا له بالجميل لأنه كان يطعم صغاره في عش فوق شجرة شريطة أن يذبح فرسه (وكان يحبه جدا)، ويهيئ من لحمه سبع قطع ومن دمه سبع قوارير فيناوله في كل سماء قطعة وقارورة، وهكذا فعل على مضض، غير أنه في السماء السابعة سقطت من أونامير قطعة لحم فاقتطعها من ساعده، وذلك ما يفسر لماذا تبدو سواعد البشر في منطقة تمفصلها بالعضد كما لو اقتطع منها جزء، فانتبه النسر لمذاقها الآدمي، وكاد أن يلقي به لولا أن رق لحاله.

لما التحق أونامير بتانيرت في السماء السابعة آوته في قصر زوجها الثاني، ومكنته من كل ما يريد إلا أن يطلع على ما تحت حجر، لكنه بعد مدة أزاح ذلك الحجر فأبصر من خلال كوة أمه عمياء تناديه باكية، وهي تمسك أضحية لا تجد من يذبحها فألقي بخنجره فلم يصل، فألقى بنفسه وتفكك وتمزق بين السماء والأرض، فلم تصل منه إلا قطرة واحدة من دمه ذبحت كبش الأضحية، واستعادت بها أمه بصرها.

فتانيرت في حكاية أونامير الأمازيغية السوسية كائن سماوي سام يقع على النقيض تماما من الكائنات التحت أرضية (الأقزام أو الغيلان أو أرواح الموتى ) السفلية والعقيمة، ولذا كانت تحتل موقعها في السماء السابعة (ويس سايكنوان)، ولما هبطت إلى الأرض كان عليها أن تعيد إنتاج السماوات السبع رمزيا من خلال مسكنها (سبع حجرات مقفلة بباب حديدي) تمنعها من الاتصال بالبشر.

وأبطال الحكايات يحتلون موقعا وسطا في هذه التراتبية (الأقزام أبعدوا إلى الدرك الأسفل، والإنسان في العالم الممدن المؤنسن، وتانيرت في العالم العلوي (السماء السابعة). وهذه التراتبية تحمل بلا شك أبعادا ودلالات اجتماعية، كان تمثل إسقاطا رمزيا لطبقية اجتماعية.

وتعبر أسطورة أونامير عن الارتباط والتشاكل بين الأمومي والأرضي، فالبطل أونامير لا يقوى على تحمل منفاه الاغترابي في السماء، وشعر بالحنين إلى أمه، فارتمى نحوها، فكان سقوطه التراجيدي تضحية من أجل الأرض والأم أو الأرض الأم.

لقد نشأ أونامير في الأرض فهو ابن للأرض الوطن / الأم ( إيويس ن تمازيرت، ميس ن تمورت)، وارتفع إلى السماء، لكن قدره أن يعود إلى الأرض، يجتذبه إليها حنين صوفي، ونوسطالجية لا تقاوم، فقد ضحى أونامير بفرسه (أييس) وبقطعة من ذراعه ليصل إلى محبوبته تانيرت في السماء السابعة، لكنه ليعود إلى الأرض فقد ضحى بنفسه كلها، وتمزق في الفضاء، ولم تصل منه إلا قطرة من الدماء (رمز التضحية). التي أعادت البصر لأمه.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق