التراثعادات وتقاليد

حكاية العباسية.. ماذا تعرف عن هذه العادة المغربية

عندما كنا أطفالا صغارا كانت تستهوينا وتأخذ بألبابنا “حلوة العبادي” الذي كان يتجول في أزقة مدينة فاس وهو ينادي على حلوته: « جبان كول وبان » أو يقول: «أولادي يا ولادي هادي حلوة العبادي» وكان يمسك بقصبة خيزران، ويلف حولها حلوته البيضاء الناصعة، والتي كان يزينها بحبات السانوج.

وكانت هذه الحلوة تسمى أيضا “جبان بالسانوج” ومن الناس الكبار الظرفاء أصحاب الشقشقة والتعاليق وإطلاق العنان للسان من كان يستعمل: “الحلوة بالسانوج” كناية لوصف ساق المرأة الناصع البياض وقد رصعه شعر أسود فاحم، إذا مرت أمامه وهي لا ترتدي جوارب، همس في أذن صاحبه وهو “يبحصص” في ساقها.

أنظر، أنظر، أليست هذي هي “الحلوة بالسانوج”؟ أرجوك تأمل!

العبادي والعباسية

وأعود للعبادي صاحب الحلوة مع أطفاله، وهم زبنائه في الغالب فقد كان هناك من الأطفال من باستطاعته أن يشتري الحلوة، كما كان منهم من لا يستطيع، فأما الذي يشتري فيطبق عليه العبادي مقولة مشهورة، مسلم بوجاهتها وهي: “اعطيه يعطيك” أي على قدر ما تصرفه للعبادي من الدراهم يعطيك من الحلوة.

والعبادي عينه ميزانه، وأما بالنسبة للأطفال الذين لا يستطيعون الشراء، فهم لا يملكون إلا أن يطلبوا من العبادي: «العباسية» فيعطي لكل طالب شظية بالمجان.

وتلك “الشظايا” المجانية هي العباسية، وطلبها مباح من الطفل الذي يشتري، والذي لا يشتري. ولا يملك العبادي إلا أن يستجيب لطلب العباسية من أي مصدر أتي.

ولكن ما هو الأصل في هذه العباسية؟ وكيف كان ميلادها؟

من العادات المغربية الجميلة الرائعة، والتي اتسمت بالتبرعات الخيرية الإنسانية والتي لم يعد لها ذكر، أو يكاد، ولم يعد يعرفها أحد، خصوصا من أطفالنا وشبابنا، وحتى بعض كهولنا عادة: العباسية.

والعباسية حسب ما تقول الرواية الشعبية الشفوية، وهي المرجع الوحيد الذي اعتمدته في هذه الحكاية التي تقول: عندما كان العالم الجليل الفقيه الولي الصالح سيدي بلعباس السبتي يشتغل بالحسبة في مدينة مراكش لاحظ تفشي ظاهرة الشحاذة وتكاثر المتسولين، والمتسكعين من المحتاجين، وحتى من غير المحتاجين، فأصدر أمره لكافة المشتغلين بتحضير المواد الاستهلاكية الغذائية بأن يجعلوا أول إنتاجاتهم -باكورة الانتاج- صدقة.

وقال لهم في اقتراح يشبه الأمر: لو تصدق الخباز بالطرحة الأولى، والسفاج بالقلية الأولى، والحسَّاء بالطنجرة الأولى، وكل من يشتغل بالمواد الاستهلاكية الأولية، لو تصدق بدفعتها الأولى لخفت حدة التسول والشحاذة. فلماذا لا نجرب تطبيق هذه العملية؟

ومنذ أن بدأ الناس يطبقون هذا الأمر الذي جاء على شكل اقتراح خفت وطأة التسكع، والتسول، وشعَّ في المدينة نوع من التعاضد والتكافل والتآزر، وسادت فضيلة التعاون بين الناس، وتحقق نوع من التشارك والتكافل، وتقبل الناس هذه المبادرة بالتأييد العملي، والمساهمة الفعلية من أكبر كبير، إلى أصغر صغير.

حتى أن بائعات الخبز، وهن فقيرات، لا يكاد رأسمال الواحدة منهن يتجاوز العشرين خبزة، فقد كانت كل واحدة منهن تتصدق بخبزة، « خبزة سيدي بالعباس » ولا تشرع في البيع إلا بعد أن تشق الخبزة على أربعة وتقول: هذه خبزة “العباسية”.

بائعة الخبز من مدينة شفشاون المغربية

وامتدت هذه العادة حتى شملت العديد من مرافق الحياة وصار كل من يجهز أي بضاعة للبيع، يتصدق بباكورة إنتاجه، وأصبح لابد لكل شيء من: العباسية 🙂

وأذكر في هذا الصدد وأنا طفل صغير بمدينة فاس أن السفاج – على سبيل المثال – كان يفتتح العمل بتحضير مقلاة كاملة من الاسفنج الصغير، ويتصدق بها قبل البدء في البيع، وخلال فترة عمله، كان أطفال الكتاب -المسيد- لا يتحرجون في طلب نصيبهم من العباسية، وحتى أبناء الميسورين والأعيان، والوجهاء، ولم يكن السفاج يبخل أو يتلكأ، بالرغم من أن الطلبات تأتي في غالبيتها الساحقة من أبناء غير المحتاجين، وكذلك كان يفعل «الحلوي» مع الأطفال فهم رواده، وزبناؤه. ولكن العباسية، أولا.

العباسية في البوادي المغربية

وانتقلت هذه السنة من المدن إلى البادية. فلدى جمع الحصيدة كانت تبتدئ بأمداد سيدي بلعباس، فلا بيع ولا شراء، ولا توزع بين المالك و”الرباع” أو “الخماس” إلا بعد سحب: “حق سيدي بلعباس” العباسية وقد استعملت هذه العبارة، “العباسية” في بعض الأحيان حتى كإضافة، علاوة زيادة أو كما يقول العامة في الدارجة المغربية: “وفاية”.

فقد يحدث أن يشتري الواحد منا خمسة قطع من بضاعة ما، فيعطيه التاجر البائع السادسة قائلا: وهذي القطعة السادسة عباسية، أي زيادة “وفاية” وقد يطالب بها المشتري على هذا النحو: هذي بضاعة اشريتها بدراهمي، فأين العباسية؟

وتعممت حسنة العباسية وانتشرت، حتى شملت أشياء كثيرة، وكثيرة جدا. وشاعت حتى وصلت للمداشر والقرى المغربية وأصبحت القاعدة المثلى، وأصبح التخلي عنها أو نسيانها هو الاستثناء، وحتى حفلات الأعراس، أو المناسبات المشابهة، كانت تسبقها ولائم تقام لإطعام الفقراء، ومنهم من كان يسميها: الصدقة، ومنهم من كان يقول عنها: إنها حفلة سيدي بالعباس “العباسية”.

وبرغم النسيان والتجاوز والتطور الذي أتي على بعض العادات المغربية وأدخلها في خانة: كان في قديم الزمان، مازلت تجد في بعض الأحياء الشعبية بالمدن المغربية العتيقة، من إذا اشتريت منه أعطاك العباسية وإذا بعت له شيئا طالبك بها.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق