التراثعادات وتقاليد

حكاية دار الجار تبقى للجار

ومما يحكي عن الجيران ويدعو للعجب والاستغراب ولا أقول الدهشة وعدم التصديق، أن أحد الناس اضطر لرهن بيته مقابل سلف أخذه من أحد المرابين بشرط التنازل والتخلي عن البيت في حالة عدم القدرة على تسديد دينه في الأجل المضروب والوقت المحدد بشهادة عدلين.

وتجر الرياح بما لا تشتهي السفن، ويحين وقت السداد ويعجز المديون عن أداء ما بذمته للدائن، فيجد نفسه وجها لوجه أمام بنود الاتفاق المبرم بينه وبين الدائن، إذن لا مناص من تسليم البيت المرهون.

وحتى لا يشيع خبر هذا الاضطرار بين جيرانه وتجنبا للبلبلة والأقاويل والفضيحة يقوم المديون العاجز عن السداد بعملية إفراغ الببت ليلا، ونقل رحيله إلى مكان آخر، في هدوء وتكتم وسرية مطلقة كما ينتقل الدائن الذي أل إليه البيت ليلا هو الآخر، ويأتي برحيله وأشيائه بغير ضجيج ولا عجيج.

حتى إذا ما جاء الصباح ألفي الناس كل شيء عاديا كما كان بالأمس ولم يتغير إلا وجه واحد، هو وجه الجار الجديد الذي عوض وجه الجار القديم.

وقد لا يثير هذا التغيير أي اهتمام أو حتى يلفت النظر في وقتنا الحاضر، ولكن الناس القدماء كانوا يتعايشون في ظل عادات وأعراف وتقاليد. وسرعان ما ينتبهون إلى أن ساكن اليوم الجديد ليس هو جار الأمس القديم، إذن ماذا جرى؟

نجدة الجار

يتساءلون ويسألون، وتبدأ عملية النبش إلى أن يقفوا على الحقيقة، ومتى اتضح أمامهم الأمر، وتعرفوا على سر الظروف التي بدلت جارا بجار هبوا جميعا للنجدة بكل الوسائل وتضافرت جهودهم لتجميع المساهمات والعطايا وسددوا الدين لصاحبه وأرجعوا جارهم لداره.

حي مغربي شعبي حيث الجار يحترم الجار
حي مغربي شعبي

وكانت عملية نقل الرحيل ليلا وبسرية تامة، تنم عملية إرجاع الأمور إلى نصابها بنفس الأسلوب وعين الطريقة، وهكذا لا يطول غياب الجار عن حومته وجيرانه أكثر من بضعة أيام وكأنه كان مسافرا لغرض ما، أو في نزهة خارج المدينة، حتى أن هناك من سكان الحي من كان يساهم ولا يعرف لصالح من. المهم عند أهل الحومة أن تبقى دار الجار في ملكه، وألا تمر بجار أزمة وجيرانه نيام غافلون أو متغاضون.

ويقال والعهدة على الرواة أن هذه الحكاية وقعت بمدينة فاس وبحي العدوة بالذات. إلى هذا الحد كانت أواصر المحبة تربط بين الجيران. إلى هذا الحد كان التكافل والتعاون والتعاضد قائما يوطد العلائق ويقوي حسن التساكن، والتعايش وإلى هذا الحد كان التفكير الأحادي يتحول إلى التفكير الجماعي فتذوب الفرديات والأنانيات، مشكلة جاري مشكلتي، وما يعنيه يعنيني.

أو ليس في هذه الحكاية ما يدعو لأكثر من العجب، وأكثر من الاستغراب وأكثر من الدهشة!

المصدر
الطيب العلج: الأعراف والعادات في المغرب

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق