عين على التاريخمقالات

حكومة أحمد بلافريج.. الحكومة المغربية الثالثة

اقرأ في هذا المقال
  • ظروف تشكيل حكومة أحمد بلافريج
  • تركيبة حكومة أحمد بلافريج
  • برنامج عمل حكومة بلا فريج
  • أسباب استقالة حكومة أحمد بلافريج

ظروف تشكيل حكومة أحمد بلافريج

ظروف التشكيل

تشكلت الحكومة المغربية الثالثة، التي قادها أحمد بلافريج بعد فشل حكومة البكاي في تجاوز الأزمات السياسية والاقتصادية التي حلت بالبلاد مباشرة بعد نيله الاستقلال في 2 مارس 1956. بحيث لم يجد جلالة الملك محمد الخامس من أمر عدا أن يقبل باستقالة حكومة البكاي الثانية في 16 أبريل 1958، والبدء في مشاورات جديدة مع الأحزاب السياسية والجمعيات المهنية والنقابية الممثلة في المجلس الوطني، من أجل تشكيل حكومة جديدة.

وعلى إثر هذه المشاورات، صرح حزب الاستقلال يوم 20 أبريل 1958، بأنه لن يشارك إلا في ظل تشكيل حكومة منسجة، يمكن من خلالها تطبيق البرنامج الذي حددته الجمعية الاستشارية التي تضم أنصار النقابة الاستقلالية والمقاومة المغربية، الأمر الذي قبله السلطان محمد الخامس، بشرط تكوين الحكومة المنسجمة على ضوء العهد الملكي الذي أصدره في 8 ماي 1958.

ابتداء من 8 ماي 1958، شرع السيد أحمد بلافريج في اختيار أعضاء الحكومة، إلا أنه تفاجئ بكون الملك لا يزال يتمتع بكامل السلطات التشريعية والتنفيذية، بعدما كان يعتقد أن له الحرية المطلقة في اختيار أعضاء الحكومة، وأقر بهذا الأمر صراحة أمام أعضاء حزب الاستقلال قائلا :

” كلفني جلالة الملك برئاسة الوزارة، وقد وقع لبس في مقررات اللجنة السياسية، حيث كنا نظن أن للرئيس المعين أن يشكل الحكومة، كما يريد، لكن في الواقع، إن جلالته يرى أنه ما يزال يتمتع بالسلطات التشريعية والتنفيذية، ولا يريد أن يتخلى عن السلطات إلا في المستقبل وبالتدريج .. “

الملك محمد الخامس رئيس الحكومة أحمد بلافريج
الملك محمد الخامس و أحمد بلافريج سنة 1958

مما ولد داخل حزب الاستقلال نوعا من الانشقاق وعدم الرضا، إذ احتج كل من المحجوب بن الصديق ومحمد البصري وعبد الله إبراهيم عن ضم لائحة الأسماء المقترحة لتأليف الحكومة الجديدة، عناصر غير منتمية لحزب الاستقلال.

تركيبة حكومة أحمد بلافريج

تشكلت حكومة أحمد بلافريج بمقتضى الظهير الشريف رقم 152-58-01 بشأن تعيين أعضاء الوزارة الصادر بتاريخ 22 شوال 1377 موافق 12 ماي 1958، والظهير الشريف رقم 182-58-1 بشأن تسمية وكلاء الوزارة عدد 2387، وضمت 17 حقيبة، حصل حزب الاستقلال على أغلبها باستثناء أربعة مقاعد عادت إلى المستقلين وهي: الصحة العمومية ووزارة الشغل والشؤون الاجتماعية بالإضافة حقيبتين كوكلاء وزارات وهما: وكيل وزارة في المالية ووكيل وزارة في التجارة والصناعة والصناعة التقليدية والملاحة.

وبالرغم من وجود هؤلاء المستقلين إلى جانب أعضاء حزب الاستقلال، اعتبرت الحكومة حكومة انسجامية، نظرا للميولات السياسية للمستقلين نحو حزب الاستقلال.

برنامج عمل حكومة بلا فريج

البرنامج الخارجي

نظرا للأهمية البالغة التي أولاها حزب الاستقلال في برنامجه الداخلي لعمل الدبلوماسية الخارجية، ونظرا للتجربة الكبيرة التي راكمها السيد أحمد بلافريج في عمل وزارة الخارجية، باعتباره أول وزير مغربي يتولى منصب وزير الشؤون الخارجية، فقد جاء برنامجه الخارجي متضمنا للنقط الأتية:

  • مواصلة تشبث الحكومة في الدفاع عن تحرير كل المناطق المغربية
  • المطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن التراب المغربي
  • المطالبة بضم إقليم موريتانيا للأراضي المغربية
  • العمل على انضمام المغرب إلى منظمة الجامعة العربية في فاتح أكتوبر 1958
  • إرساء علاقات التعاون والتضامن مع الدول المغاربية
  • دعم الشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال
  • تدعيم فكرة إقامة منظمة الوحدة الإفريقية ومجموعة دول البحر الأبيض المتوسط الغربي
  • احترام ميثاق منظمة الأمم المتحدة
  • تبني سياسة الحياد، ونهج سياسة التوازن في العلاقات ما بين الدول العظمى
  • تنويع العلاقات الخارجية

لم يخرج البرنامج الخارجي لعمل حكومة أحمد بلافريج، عن ما تجسد في برنامج الحكومات السابقة. باستثناء مطلب ضم موريتانيا إلى الأراضي المغربية، حيث اعتبرها حزب الاستقلال جزء لا يتجزأ من الأراضي المغربية.

البرنامج الداخلي

حاولت حكومة أحمد بلافريج وضع برنامج داخلي، يكون كفيلا بتجاوز الأزمات الحادة التي استجدت بالبلاد، حيث تبنت مباشرة بعد انتهاء مدة المخطط الرباعي الذي وضعته الإدارة الفرنسية سنة 1954، مخططا للعمل امتد لسنتين (1958-1959).

وكان من بين أهم ما أدرجته حكومة أحمد بلافريج في برنامجها الداخلي ما يأتي:

الميدان الاقتصادي

  • إقامة اقتصاد وطن مستقل
  • مطالبة فرنسا بالاستمرار في تقديم القروض للمغرب قصد إنجاز المشاريع التنموية وتشجيع الاقتصاد الوطني
  • مواصلة سياسة الإصلاح الزراعي
  • إعطاء الانطلاقة لحرث مليون هكتار في إطار ما يسمى ب (عملية الحرث operation labour)
  • تنويع الأسواق الخارجية

الميدان الاجتماعي

في هذا الميدان، ركز المسؤولون اهتمامهم على تحسين الأوضاع الاجتماعية في ميادين التربية والتعليم والصحة العمومية والسكن، خصوصا ميدان التعليم الذي لقي اهتماما كبيرا من طرف الوزير الجديد السيد عمر بن عبد الجليل الذي عمل على إنزال التوصيات التي صاغتها اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1958. وكانت على الشكل الآتي:

  • الرجوع إلى نظم الست سنوات
  • اعتماد اللغة الفرنسية في تدليم الحداب والعلوم
  • إعطاء الأولوية في تكوين الأطر وليس لتعميم التمدرس
  • إقرار التعريب الجزئي لمستويات التعليم الإعدادي والثانوي (15 ساعة بالعربية و 15 ساعة بالفرنسية).

أما على مستوى الصحة والسكن والتعمير والشغل والشؤون الاجتماعية، فإن برنامج حكومة السيد أحمد بلافريج، لم يخرج عن نطاق البرامج الإصلاحية التي سطرتها الحكومات السابقة.

الميدان الإداري والقضائي

  • قرار ديمقراطية سياسية، تمكن المواطنين من تسيير شؤونهم بأنفسهم في إطار الملكية الدستورية
  • الإعداد لإجراء الانتخابات البلدية والقروية وإرساء اللامركزية
  • تحديد الاختصاصات المسندة للمجالس المحلية
  • تأسيس مجلس وطني تقريري، يحل محل المجلس الوطني الاستشاري
  • تعريب الإدارة
  • إصلاح منظومة القضاء

يظهر من خلال تتبع المحاور التي سطرتها حكومة أحمد بلافريج، أن البرنامج الحكومي بشقيه الخارجي والداخلي، لم يخالف في شموليته الأولويات التي سطرتها الحكومات السابقة، كما أن مصيرها لم يختلف عن سابقاتها من الحكومات، حيث عجلت الظروف السياسية الداخلية التي صاحبت تشكيلها باستقالاتها بعد مضي سبعة أشهر على تاريح تشكلها.

أسباب استقالة حكومة أحمد بلافريج

ترتبط أسباب استقالة حكومة بلافريج، بالوضع الذي كانت تعيشه البلاد. جراء حالة الإحتقان السياسي والتطاحن وعدم التعايش الذي ميز الساحة السياسية المغربية، ما بين حزب الاستقلال والنزعة الأمازيغية التي مثلتها الحركة الشعبية بزعامة كل من المحجوبي أحرضان وعبد الكريم الخطيب من جهة، والأزمة السياسية التي برزت دخل حزب الاستقلال من جهة أخرى.

إلا أن السبب الحقيقي الذي عجل باستقالة حكومة أحمد بلافريج، يعود أساسا إلى الملابسات التي سبقت مرحلة تشكيل الحكومة المنسجمة، حيث أن ثلاثة أعضاء من اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وهم المحجوب بن الصديق، احتجوا على الأسماء المقدمة لأجل تشكيل الحكومة بعدما تبين لهم أن اللائحة قد أقصت كل من المهدي بن بركة ومحمد البصري وعبد الله إبراهيم وعوضت بأسماء غير مرغوب فيها وتنقصها الكفاءة مثل أحمد اليزيدي وعمر عبد الجليل وامحمد بوستة.

وقد جسدوا احتجاجهم هذا بالامتناع عن التصويت، الأمر الذي أجج الصراع داخل الحزب بعد مرور أسبوع واحد على تشكيل الحكومة، إذ شن المعارضون حملة هوجاء ضد عمل الحكومة، ونظم عبد الله إبراهيم عدة لقاءات ثقافية أوضح من خلالها للمنتمين إلى الحزب والنقابة العمالية، أن حزب الاستقلال قد ابتعد عن القاعدة والفئة الشعبية وانحاز إلى جانب الطبقة البورجوازية.

وهكذا تلاحقت الإضرابات في عدة مدن مغربية، وشل معا الاقتصاد الوطني، وتدخلت الشرطة بشكل عنيف لأجل تفريق المظاهرات، واعتقلت على إثرها عبد الله إبراهيم، مما ولد نوعا من العصيان لدى بعض أعضاء حزب الاستقلال الذين رفضوا حضور أشغال اللجن التنفيذية، كتعبير منهم عن انزعاجهم من تصرفات الحكومة اتجاه الوضع القائم في البلاد.

وأمام هذا الوضع، برزت داخل حزب الاستقلال نزعتين متعارضتين، نزعة تقليدية تزعمها علال الفاسي، وساندها عمر بن عبد الجليل ومحمد اليزيدي وعبد العزيز بن إدريس وأبو بكر القادري ومحمد الطاهري وامحمد بوستة، ونزعة تقدمية بقيادة المهدي بن بركة وزملائه عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق والفقيه محمد البصري، نتج عنها وضعا مضطربا مهددا بالانشقاق، لم تفلح معه كل المحاولات التي قام بها عبد الرحيم بوعبيد من أجل لم شمل الحزب، بل إن محاولاته زادث الطين بلة خصوصا بعد تقديم استقالته من الحكومة، بعدما رفض السيد أحمد بلافريج اقتراحاته من أجل إصلاح الحكومة، وإطلاق سراح عبد الله إبراهيم.

وبتعنت أحمد بلافريج في الاحتفاظ بالحكم، تشبث المعارضون النقابيون بمواقفهم المنددة لعمل الحكومة، وأصر عبد الرحيم بوعبيد على تقديم استقالته الثانية إلى جلالة الملك محمد الخامس في 22 نونبر 1958.

وقد أذن له جلالته بنشرها على العموم. والدخول بها في حيز التنفيذ، وكانت سببا في دفع السيد أحمد بلافريج رئيس الحكومة إلى تقديم استقالته.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق