التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

تاريخ دولة المرابطين في المغرب والأندلس

اقرأ في هذا المقال
  • نشأة حركة المرابطين
  • دولة المرابطين في المغرب والأندلس
  • تجند يوسف بن تاشفين للجهاد بالأندلس وضمها لـ دولة المرابطين
  • الدولة المرابطية بعد وفاة يوسف بن تاشفين

اجتمعت القبائل الصنهاجية المستقرة بالصحراء الغربية، حول “عبد الله بن ياسين”، المصلح الديني وذلك منذ منتصف القرن 5هـ/11م، واتجهت دولة المرابطين، في عهد يوسف بن تاشفين للجهاد ونشر الإسلام والتوحيد شمالا وجنوبا عبر الصحراء، وتشكلت في عهده الأسس المادية للدولة المغربية القائمة، وعمل المرابطون على نشر الإسلام السني المالكي حتى أعماق الصحراء وبلاد السودان، وربطها بـ المغرب الأقصى وبلاد الأندلس، في إطار وحدة دينية وسياسية واقتصادية.

وتخلى خلفاء يوسف بن تاشفين، تدريجيا، عن الأسس السياسية والمذهبية التي قامت عليها الدولة المرابطية، وتعرضوا لإنتكاسات عسكرية بالأندلس، فانزلقت دولتهم نحو الإنحلال.

نشأة حركة المرابطين

الحركة المرابطية بقيادة عبد الله بن ياسين

انطلقت حركة المرابطون من منطقة شنقيط داخل الصحراء الغربية، وذلك عند منتصف القرن 11م، واستندت الحركة الناشئة على قبائل جدالة ولمتونة ومسوفة ولمطة، التي كانت من أهم فروع مجموعة صنهاجة الأمازيغية المقيمة بالصحراء.

وكانت هذه القبائل ترعى الإبل وتنقل البضائع التجارية بين بلاد السودان وجنوب المغرب الأقصى، وتفرض إتاوات على البضائع المارة عبر مواطن استقرارها، فجنت من ذلك كله موارد مادية هامة، تمكنت بواسطتها من التوفر على مؤهلات حربية من جند وسلاح.

وتأهلت القبائل الصنهاجية الصحراوية بحكم دورها التجاري وتموضعها داخل الصحراء الغربية. للربط بين شمال افريقيا وبلاد السودان، وتشكيل حلف فيما بينها، والسيطرة على الطرق التجارية العابرة لمناطق استقرارها، والهيمنة على الأقاليم الصحراوية التي تحتوي على الموارد والمراكز والأسواق التجارية الكبرى.

فأصبحت ممهدة للقيام بدور تاريخي غير بلاد الغرب الإسلامي وجنوب الصحراء الكبرى. وكانت على اتصال ودراية بالظروف السياسية والإقتصادية التي يمر منها، وقتئذ، كل من المغرب الأقصى، المجزأ إلى إمارات محلية، وبلاد السودان الغربي الذي تتعرض فيه مملكة غانا للتقلص والضعف.

وكانت القبائل الصنهاجية الصحراوية قد اعتنقت الإسلام، منذ القرن 3هـ/9م، إلا أنها لم تكن قد استوعبت بعد المبادئ الإسلامية، وفي سنة 1048م، وأثناء عودة يحيى بن ابراهيم الجدالي، زعيم قبيلة جدالة من الحج، اتصل في القيروان بالعلامة المغربي أبي عمران الفاسي، وطلب منه إرشاده إلى من يتولى مهمة إصلاح دين القبائل الصنهاجية بالصحراء، فوجهه أبو عمران الفاسي إلى الفقيه “وجاج بن زلو اللمطي“، المقيم ببلاد سوس بالمغرب الأقصى، والذي اختار له “عبد الله بن ياسين الجزولي“.

وينتمي “عبد الله بن ياسين” إلى قبيلة جزولة، أحد فروع صنهاجة. فكان بذلك ذا قرابة لقبائل صنهاجة الصحراوية. وكان فقيها متضلعا في الدين وأصوله، ينبذ البدع والتشيعات ويدعو لنشر الإسلام السني المبني على الأخذ بما جاء في القرآن والسنة، وبداً “عبد الله بن ياسين” محاولاته الأولية وسط القبائل الصنهاجية، إلا أنه لم يجد منها، في البداية، ما يلبي تطلعاته.

فانتقل إلى جزيرة ببلاد شنقيط حيث أسس رباطا جمع فيه ألفا ممن أخلصوا لدعوته، وفي هذا الرباط تفرغ أنصار عبد الله بن ياسين للعبادة والتفقه في الدين، وتوافدت عليه جموع من أنصار حركته فكان يفقههم في الدين، ويعلمهم حمل السلاح وخوض المعارك، وسمى عبد الله بن ياسين أنصاره بـ ” المرابطين”. ومن هنا جاءت تسمية الحركة الناشئة بـ المرابطون، وشبه “ابن ياسين” عمله هذا بالهجرة النبوية إلى “يثرب”.

ثم تحالف عبد الله ابن ياسين مع زعيم قبيلة لمتونة “يحيى بن عمر المتوني“، وانتقلت دعوته الإصلاحية إلى حركة دينية وسياسية.

“فكان يأمرهم (القبائل الصنهاجية) بالصلاة والزكاة وأداء العشر. واتخذ لذلك بيت مال يجمع فيه ما يرفع إليه من ذلك، ثم أخذ في اشتراء السلاح وإركاب الجيوش من ذلك المال. وجعل يغزو القبائل حتى ملك جميع بلاد الصحراء ودلل قبائلها”

شرع الحلف الصنهاجي، بقيادة عبد الله بن ياسين، في نشر الإسلام عبر الصحراء بين القبائل الزنجية المستقرة على ضفاف نهر السينغال، والقيام بالجهاد ضد مملكة غانا الوثنية واحتواء تجارة التبر والعاج القادمة من السودان.

وتوغلت القوات المرابطية داخل مملكة غانا سنة 1055م، حيث تمكن أتباع عبد الله بن ياسين من توسيع مناطق انتشار الإسلام بين القبائل الزنجية، خاصة بين “قبائل الطوكرور” التي اعتنقت هذا الدين الحنيف وتخلت عن أوثانها، وأصبحت حليفة قوية لحركة المربطين، سواء أثناء قيامها بالجهاد في بلاد السودان، أم أثناء انتقالها نحو المغرب الأقصى.

توحيد عبد الله بن ياسين لجنوب المغرب الأقصى

وفي اتجاه الشمال، دخلت القوات المرابطية مدينة سجلماسة سنة 1057م، وأخضعت قبائل بني خزرون لحكمها ووضعت حدا لإمارتهم. ووسع المرابطون مناطق نفوذهم جنوب المغرب الأقصى بأن احتلوا تامدولت ومنطقة سوس الأقصى، حيث معادن الأطلس الصغير المستعملة في صناعة الأدوات والأواني والأسلحة.

تم توجهت الحملات العسكرية المرابطية بقيادة “عبد الله بن ياسين” و أبي بكر بن عمر اللمتوني – منذ وفاة أخيه “يحيى بن عمر اللمتوني” – فيما وراء الأطلس الكبير باتجاه السواحل الأطلنتية المغربية. فتم إخضاع مدينة أغمات، ووضع حد لحكم مغراوة بها، وذلك بحكم اهتمام المرابطين بالهيمنة على طرق التجارة الصحراوية، والتي تمر أحد خطوطها الرئيسية عبر مدينة أغمات.

وهم (يعني سكان أغمات) تجار مياسير، يدخلون إلى بلاد السودان بأعداد الجمال الحاملة لقناطير الأموال من النحال الأحمر والملون، والأكسية وثياب الصوف والعمائم والمآزر وصنوف النظم من الزجاج والأصداف والأحجار وضروب من العطر وآلات الحديد المصنوع .. ولم يكن في دولة الملثم (يعني المرابطون) أحد أكبر منهم أموالا ولا أوسع منهم أحوالا ..

الشريف الادريسي: نزهة المشتاق في اختراق الأفاق

وواصلت القوات المرابطية توسعها نحو الشمال فاصطدمت بإمارة برغواطة وأصيب عبد الله بن ياسين في إحدى المعارك ضد البرغواطيين. ولما أحس بدنو أجله، جمع أشياخ صنهاجة وترك لهم وصية :

“يامعشر المرابطين … إياكم أن تحنثوا وتفشلوا وتذهب ريحكم. كونوا ألفة على الحق وإخوانا في الله، وإياكم والمخالفة والتحاسد على الدنيا، وإني ذاهب عنكم، فانظروا من ترضونه لأمركم، يقود جيوشكم ويغزو أعداءكم ويقسم فيكم زكاتكم وأعشاركم”

لسان الدين بن الخطيب: أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام

فتولى أبو بكر بن عمر اللتوني قيادة الجيش المرابطي، إلا أنه ما لبث أن تنازل لابن عمه “يوسف بن تاشفين” عن المغرب الأقصى، وعاد إلى الصحراء ليضمن استمرار خضوع القبائل للسلطة دولة المرابطين، ويقوم بإخماد ثورات القبائل الزنجية بالسودان الغربي.

دولة المرابطين في المغرب والأندلس

كان يوسف بن تاشفين حازما في تسيير شؤون الحكم، وقائدا عسكريا محنكا، وعرف عنه بأنه بسيط العيش في مختلف مظاهر حياته من ملبس ومأكل ومشرب ومقام. وامتاز بتشبته بالمذهب المالكي، ومشورته المستمرة للفقهاء والعلماء.

وشرع يوسف بن تاشفين في تدعيم السلطة المرابطية باتخاذه مراكش عاصمة لحكمه، وأمر بالإستمرار في بنائها؛ بعد أن كان سلفه أبو بكر بن عمر اللمتوني قد أسسها سنة 1070م. فبنى يوسف بن تاشفين بمراكش دارا لإقامته، ومسجدا للصلاة، وحيا يحتوي على مساكن لأمراء المرابطين وقادة الجيش، وقصبة لإيواء الجنود وخزن السلاح وحماية المدينة، ومراقبة قبائل المصامدة المقيمة بجبال الأطلس الكبير الغربي.

كما أقام نواة لأحياء سكنية وتجارية للوافدين على المدينة، وجلب إليها الماء بواسطة الخطارات انطلاقا من سفوح الأطلس الكبير، وتم استصلاح الأراضي المجاورة لمدينة مراكش وزراعتها وسقيها من أجل تغذية السكان وتوفير حاجياتهم الضرورية.

تألف الجيش المرابطي في فرقه الأساسية من أبناء قبائل الحلف الصنهاجي، وألحقت بهم فرق مساعدة من الزنوج الأفارقة، ومن بعض قبائل المغرب الأقصى من جزولة ومصمودة، من بقايا الفرق العسكرية التي كانت تحت سلطة إمارات بني خزرون ومغراوة.

وبذلك تمكن يوسف بن تاشفين من تشكيل جيش وضع على رأسه قوادا ينتمون إلى مختلف القبائل الموالية للمرابطين. وكان كلما تقدم بقواته في اتجاه الشمال والشرق، كلما حسن تسليحها ودقق خططها الحربية، فأصبح الجيش المرابطي يتوفر على تجربة وخبرة كبيرتين في الحروب.

ووجه يوسف بن تاشفين حملاته العسكرية في اتجاه الشمال والشرق، فدخل فاس سنة 1069م وقضي على حكم مغراوة بها، ثم ضم على التوالي تازة ووجدة وتلمسان ووهران، وبلغت جيوشه مدينة الجزائر بالمغرب الأوسط 1082م، فتمكن بذلك من ضم الأطراف الغربية لدولة بني حماد القائمة بالمغربين الأدنى والأوسط، والتي كانت تهدد بالتوسع في المغرب الأقصى.

وتم ليوسف بن تاشفين توحيد المغرب الأقصى والقسم الغربي من المغرب الأوسط تحت سلطته وامتدت أراضي الدولة المرابطية من البحر المتوسط شمالا حتى ضفاف نهر السينغال والنيجر، عبر الصحراء.

تجند يوسف بن تاشفين للجهاد بالأندلس وضمها لـ دولة المرابطين

كانت سلطة الدولة الأموية بالأندلس قد اضمحلت، منذ بداية القرن 5هـ/11م، وتفككت البلاد إلى إمارات أطلق عليها إسم إمارات “ملوك الطوائف”، فسهلت هذه الوضعية على تدخل الممالك الإيبيرية المسيحية (قشتالة وأراكون وكطلانيا)، حيث احتلت قوات قشتالة مدينة طليطلة سنة 1085م.

فاستنجد ملوك الطوائف بـ يوسف بن تاشفين، الذي استفتى الفقهاء في هذا الشأن فأجازوا له الجهاد بالأندلس فاجتاز مضيق جبل طارق على رأس قوات مرابطية، وانضمت له قوات ممالك الطوائف من اشبيلية وغرناطة وملقة وألمرية. وانتقلت القوات المسلمة المتكتلة نحو شمال الأندلس، حيث اصطدمت بالقوات المسيحية بقيادة ألفونسو السادس ملك قشتالة بالقرب من مدينة “بداخوص” الحالية في معركة الزلاقة سنة 479هـ/1086م.

” ثم إن ابن تاشفين، ومن معه، قصدوا الزلاقة. فلما وافاها المسلمون، نزلوا تجاه الفرنج بها … وخذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين، واستحر القتل فيهم … فغنم المسلمون من أسلحتة وخيله وأثاثه ماملأ أيديهم خيرا”

ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان -ج 7-

وعلى إثر هذا الإنتصار، تسمى يوسف بن تاشفين، باسم أمير المسلمين وناصر الدين دون أن يدعي الخلافة لنفسه، بل احتفظ بعلاقات ودية مع الخليفة العباسي بالمشرق.

وفي سنة 1089م، عاد المسيحيون لمناوشة الأطراف الشمالية الشرقية من الأندلس والهجوم على جزر البليار الحالية، فاجتاز أمير المسلمين يوسف بن تاشفين المضيق، من جديد، حيث رد الهجمات المسيحية، لكنه لم يتمكن من إخضاع قلعة “أليدو”، بسبب خيانة ملوك الطوائف، الذين وجد أنهم قد تمادوا في حياة البذخ والترف، وبأنهم يتقلبون بين التحالف مع الممالك الإيبيرية المسيحية آونة، والإستنجاد بالمرابطين آونة أخرى، وبكونهم يكرسون روح التفرقة بين المسلمين بسبب المنازعات والمشاحنات القائمة بينهم.

لذا وفي سنة 482 هـ / 1090 م، انتقل يوسف بن تاشفين للأندلس، للمرة الثالثة، للقضاء على حكم ملوك الطوائف، فدخل إمارة غرناطة ومالقة وإشبيلية، التي نفي أميرها “المعتمد بن عباد” إلى أغمات بالمغرب الأقصى، ثم توالى يوسف بن تاشفين ضمه لباقي الإمارات الأندلسية ما بين 1090 و1094م، فوحد جل بلاد الأندلس تحت سلطته.

يوسف بن تاشفين ينشر المذهب المالكي عبر امبراطوريته

أصبح المذهب المالكي، الأساس العقائدي والسياسي للدولة المرابطية أيام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فتمت الدعوة للزهد والإرشاد والإصلاح الأخلاقي وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، وعمل الفقهاء على الوقوف في وجه المذاهب المتطرفة ومحاربتها كالشيعة والخوارج والبرغواطية. ونظمت الحياة السياسية والاجتماعية بأن تم إصلاح ضرائبي مبني على الشرع الإسلامي؛ ألغيت بموجبه أية إتاوة خارج ما يحدده الشرع، وتم تطبيق كل ذلك على المناطق المفتوحة.

واستند القضاء في الأحكام على ما أتى به المذهب المالكي:

“كان مالك بن أنس ناهجا في الأصول مناهجها، مرتبا لها مراتبها ومدارجها مقدما كتاب الله ومرتبا له على الآثار، ثم مقدما لها على القياس والاعتبار، تاركا منها ما لم يتحمله عنده الثقاة العارفون بما يحملوه، أو ما وجد الجمهور والجم الفقير من أهل المدينة، قد عملوا بغيره وخالفوه”

وشيدت مجموعة من المساجد في عديد من الحواضر والبوادي، فكان من أهم ما تخلف منها، مسجد تلمسان المشهور بزخارفه البديعة، والذي كان مركزا للإشعاع الديني بالمغرب الأوسط، إلى جانب توسيع بناء جامع القرويين بمدينة فاس، وكانت هذه المساجد مراكز للإشعاع الديني السني المالكي.

الدولة المرابطية بعد وفاة يوسف بن تاشفين

تكتلت الممالك الإيبرية المسيحية للقيام بـ حركة الاسترداد للأندلس، وفتحت العديد من الجبهات ضد القوات المرابطية الموجودة بها. وتزايد الضغط المسيحي على الأطراف الشمالية من الأندلس، مما أدى إلى استنزاف قوى المرابطين وضعف مواردهم.

ونتج عن ضعف موارد الدولة المرابطية، في المغربين الأقصى والأوسط، فرضها لضرائب غير شرعية مثل “القبالات” التي كانت تقتطع من مدخولات الأنشطة الفلاحية والصناعية والتجارية وذلك إلى جانب الأعشار والزكوات. وتزايدت مقادير ضريبة القبالات بشكل تدريجي، وبتوالي خلفاء يوسف بن تاشفين.

ملوك دولة المرابطين المغربية الدولة المرابطية
أنفوجرافيك : أمراء الدولة المرابطية

وقام المرابطون بفرض ضرائب جديدة، غير شرعية، على سكان المدن بالأندلس، كانت أبرزها “ضريبة التعتيب” فقد كان من المفروض أن يخصص دخل هذه الضريبة لترميم مدن الأندلس وبناء أسوارها التي تهدمت، بفعل الغزوات التي قامت بها القوات المسيحية، إلا أن نسبة كبيرة من دخل الضريبة كانت تتعرض للتبدير والإختلاس.

وتكلفت فرق عسكرية مسيحية بجمع هذه الضريبة، وكانت هذه الفرق المسيحية من سجناء الحروب ومن المرتزقة، ووفرت لهم الدولة المرابطية امتيازات كبيرة منها أنهم يقومون بجمع الضرائب والجبايات مقابل أخذ نصيب منها، فكانوا يرفعون من قيمة الجبايات على السكان ليوفروا لأنفسهم أكبر قدر ممكن من المداخيل.

وبذلك ظهرت حركات معارضة وانتفاضات ضد السلطة المرابطية سواء بالأندلس أم بالمغربين الأقصى والأوسط. فكانت الفرق المسيحية تقوم بإخمادها بالقوة بمساعدة الجيش المرابطي، وهذا ما جعل الدولة تفقد مصداقيتها السياسية.

الفقهاء المرابطون وكتاب أبي حامد الغزالي

شكل الفقهاء المرابطون شريحة اجتماعية ذات وزن كبير داخل المخزن المرابطي؛ فكانوا يتقاضون مرتبات عالية، ويشاركون في مجلس استشاري يملي على الأمراء المرابطين ما يمكن العمل به في الميادين الدينية والسياسية والثقافية والمالية، ومارسوا حق الرقابة على محاضر الأحكام الصادرة عن القضاة المحليين، وكانوا يصدرون أحكاما فقهية متصلبة، وغير مستندة على أصول الشريعة.

“لم يكن يُقرَّبُ من أمير المسلمين (علي بن يوسف) ويحظى عنده، إلا من عَلم الفروع، أعني فروع مذهب مالكي. فنفقت، في ذلك الزمان، كتب المذهب، وعُمِل بمقتضاها، ونبذ ما سواها. وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الإعتناء”

عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب

ولم يعد الفقهاء المرابطون يهتمون إلا بتدعيم مراكزهم الدنيوية، وتخلوا عن التعمق في أصول الدين، وابتعدوا عن الإجتهاد في النوازل والمستجدات التي أصبحت الإمبراطورية المرابطية تعرفها، وأدى الإعتماد على الفروع دون غيرها، إلى تجريد الدراسة الفقهية من روح الإكتشاف والتجديد، فانساق الفقهاء وراء التقليد، ولمس الناس عجز الفقهاء عن مسايرة واقعهم الجديد، فسقطت هيبتهم وتم التخلي عن اتباعهم.

وكان العلامة المشرقي “أبي حامد الغزالي” قد تعرض في كتابه “إحياء علوم الدين” لنزعات الفقهاء المسلمين في الحرص على المناصب العليا وجمع الثروات. وبين بأن العلم لم يكن أبدا حرفة أو مهنة دنيوية تعود على صاحبها بالربح العاجل.

“ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي المغرب، أمر أمير المسلمين (علي بن يوسف) بإحراقها سنة 303هـ بايعاز وتحريض من الفقهاء المرابطين، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها، واشتد الأمر في ذلك ”

عبد الواحد المراكشي،المعجب في تلخيص أخبار المغرب

وكانت فترة يوسف بن تاشفين من أبرز الفترات التي عرفها الغرب الإسلامي، سواء من حيث التوحيد السياسي أم من حيث القيام بالجهاد. إلا أن تصرفات خلفائه جعلت الدولة المرابطية تفقد مشروعيتها الدينية فوجدت الدعوة الموحدية بقيادة المهدي بن تومرت أرضية ملائمة للتنديد بالتجاوزات المرابطية. وكان ذاك نهاية دولة المرابطين في المغرب والأندلس، وايدانا بميلاد دولة الموحدين.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق