أعلام وشخصيات

رحلة ابن بطوطة.. الرحالة العظيم الذي قضى 25 سنة من الترحال

 “كان خروجي من طنجة مسقط رأسي يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة، معتمدا حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، منفردا عن رفيق آنس بصحبته، وراكب أكون في جملته (…) فحزمت أمري على هجر الأحباب، من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور. وكان والداي بقيد الحياة، فتحملت لبعدهما وصبا، ولقيت كما لقيا من الفراق نصبا، وسني يومئذ اثنتان وعشرون سنة”

اقتباس من رحلة ابن بطوطة

كتاب ابن بطوطة تحفة النظار

بهذه العبارات يفتتح الرحالة المشهور ابن بطوطة كتابه المسمى «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» وهو الكتاب الذي يصف فيه وقائع ومشاهدات أسفار دامت زهاء ربع قرن، قطع خلالها هذا الرحالة المغربي ما يقرب من مائة وعشرين ألف كيلومتر، وزار مصر والشام والحجاز والعراق وفارس وتركيا والهند والصين وسيلان والبنغال وباكستان!

ومعلوم أن ابن بطوطة لم يقم بتأليف كتاب تحفة النظار، بالمعنى الشائع للتأليف، وإنما أملاه على ابن جزي الكلبي، الكاتب في بلاط السلطان المريني أبو عنان فارس، بإيعاز من هذا الأخير.

ابن بطوطة المغربي

ومن جانب آخر، فإن هذا الرحالة ابن بطوطة قد استند إلى ذاكرته، أساسا، حين كان يملي وقائع رحلاته. وهو ما جعل بعض الدارسين يشككون في عدد من التفاصيل الواردة في تحفة النظار ومع ذلك، فإن هذا الكتاب يبقى معلمة فريدة بحق، في أدب الرحلات. وهي معلمة تتجلى فيها شخصية الرجل، وإقدامه، وتوقه الدائم إلى استكشاف المجهول.

نبدة مختصرة عن ابن بطوطة

من هو ابن بطوطة ؟

ولد محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، في سنة 703 للهجرة 1304 ميلادية. وقد نشأ في كنف أسرة محافظة، ذات أصول أمازيغية وكان من الطبيعي بالنسبة إليه، هو الذي ينحدر من بيت فقهاء وقضاة، أن يدرس اللغة وعلوم الدين، إضافة إلى فنون الأدب والشعر، وما خلا هنا فنحن لا نكاد نعرف شيئا عن طفولته وصباه.

ابن بطوطة الفقيه

والحق أن المعلومات الأساسية عن شخصية هذا الرحالة إنما تتبدى من خلال ما يحكيه عن وقائع أسفاره، وعن الأحداث والمغامرات التي عاشها، أيام كان يجوب الأفاق، وهكذا، فإن من يقرأ كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، سوف يلاحظ مدى تعلق ابن بطوطة بالعلوم الدينية فهو يولي أشد الاهتمام للمسائل الشرعية والفقهية، في مختلف بلدان العالم الإسلامي التي أقام بها، بل إنه تولى القضاء في دلهي بالهند، وكذلك في جزر المالديف.

كما أنه لبس الخرقة الصوفية ثلاث مرات، أثناء ترحاله الطويل، وكان يحرص، في كل بلد يحل به، على الاستقصاء عن كرامات الأولياء، وزيارة قبور الأنبياء والشهداء، وزوايا الصوفية.

وبالموازاة مع ذلك، لم يكن يفوته لقاء العلماء والفقهاء والقضاة، من أجل الاستماع إليهم، والتذاكر معهم في مختلف القضايا.

ابن بطوطة المنفق بسخاء

إن السمة المشار إليها. أنفا، في شخصية ابن بطوطة لم تمنعه من الإقبال على الحياة، فهو ينفق بسخاء، وأحيانا بنوع من الإسراف، إلى حد أن سلطان الهند قد نهاه عن التبذير، مذكرا إياه ببعض آيات القرآن الكريم، التي تنهي عن ذلك.

كما أنه تعرض لبعض المتاعب، في الهند، بسبب الديون التي تراكمت عليه، من جراء ميله إلى التبذير وهو يحكي، مثلا، كيف أن أحد رجال سلطان الهند قال لهذا الأخير، يوما، “إن فلان المغربي (يقصد ابن بطوطة) متغير”.

فلما سأله السلطان عن السبب، أجابه قائلا: “بسبب الدين الذي عليه، وغرمائه يلحون في الطلب”. ومما أورده ابن بطوطة، كذلك. في تحفة النظار عن مشاكل ديونه بالهند قوله:

وكنت، حسبما ذكرته، قد استندت من التجار مالا أنفقته في طريقي، وفي ما صنعت به الهدية للسلطان، وما أنفقته في إقامتي، فلما أرادوا السفر إلى بلادهم ألحو علي في طلب ديونهم، فمدحت السلطان بقصيدة طويلة (…) فقدمتها بين يديه، وهو قاعد على الكرسي…

مؤلف تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار

وفي هذه القصيدة يطلب ابن بطوطة من سلطان الهند أن يعجل بقضاء الديون التي عليه، لأن الغرماء يتعجلون ذلك.

ابن بطوطة المزواج

ثمة خاصية أخرى في شخصية هذا الرحالة تتجلى في زيجاته المتوالية، بمختلف الأمصار التي اجتازها أو أقام بها. وبعض هذه الزيجات من صنف زواج المتعة. وهكذا، فهو بمجرد ما وصل إلى صفاقس – في المرحلة الأولى من رحلته – تزوج بنت أحد أمناء تونس، و”بني عليها بطرابلس”، على حد تعبيره. ثم وقعت بينه وبين صهره مشاجرة أوجبت فراق ابنته.

وتزوجت بنتا لبعض طلبة فاس – يقول ابن بطوطة – وبنيت عليها بقصر الزعافية بليبيا و أولمت وليمة حبست لها الركب يوما، وأطعمتهم.

وفي معرض حديثه عن الشريف ابراهيم، صاحب الكاغد والأقلام، بدار السلطان (بدولة آباد) يقول الرحالة:

“وكنت متزوجا بأخته حور نسب. وكانت صالحة تتهجد بالليل، ولها أوراد من ذكر الله عز وجل، وولدت مني بنتا ولا أدري ما فعل الله فيهما”

زوجة ابن بطوطة

وفي جزر المالديف، اعتزم ابن بطوطة الزواج من بنت الوزير سليمان ماناياك، لكنها رفضته مما جعل الوزير المذكور يقترح عليه أن يتزوج بربيبة السلطانة. وعن هذه الزوجة يقول الرحالة ابن بطوطة:

كانت من خيار النساء، وبلغ من حسن معاشرتها أنها كانت، إذا تزوجت عليها تطيبني، وتبخر أثوابي، وهي ضاحكة، لا يظهر عليها تغير

وفي هذا السياق، يتحدث ابن بطوطة، بنبرة من المباهاة، عن مؤهلاته المتميزة في ما يتصل بمعاشرة “نسائه”، وفي معرض الكلام على جزيرة ملوك يقول الرحالة وأقمت بهذه الجزيرة سبعين يوما، وتزوجت بها امرأتين، وهو يحكي كيف أنه قام، قبل ذلك، بالطلاق من زوجتين اثنتين إحداهما حامل،

“ثم سافرت ووصلت إلى جزيرة الوزير علي، فأصابت زوجتي أوجاع عظيمة وأحبت الرجوع، فطلقتها وتركتها هنالك (…) وطلقت التي كنت ضربت لها الأجل وهي الحامل، وبعثت عن جارية، كنت أحبها، وسرنا في تلك الجزائر من إقليم إلى إقليم…”

مغامرات رحلات ابن بطوطة

في السطور الأولى من تحفة النظار ينبئنا ابن بطوطة أن الدافع الأساسي إلى سفره من طنجة كان هو أداء فريضة الحج، وحج بيت الله الجرام، غير أنه سرعان ما وجد نفسه مدفوعا إلى الترحال في الأمصار النائية، حتى صار جديرا بلقب “رحال هذه الملة”.

لقد كان الترحال يمارس عليه جاذبية خاصة، وهو ما فطن إليه العديد ممن عرفوه. فقد قال له سلطان الهند مرة:

“إنني أعلم حبك في الأسفار والجولان”

وخاطبه برهان الدين الأعرج الإسكندري بقوله: “أراك تحب السياحة والجولان في البلاد”. وما من شك أن قوته البدنية قد ساعدته على تحمل مشاق السفر. يضاف إلى ذلك جرأته، وقوة شكيمته، وصبره على البلاء، وإقدامه في المواقف العصبية.

ويحفل كتاب تحفة النظار بالشدائد والأهوال التي عاشها الرحالة ابن بطوطة الذي كثيرا ما وجد نفسه معرضا للهلاك.

فهو قد أشرف عدة مرات على الغرق، وجرب الأسر على أيدي الهندوس وتعرض لسطو القراصنة، وتاه طويلاً في الفيافي دون زاد، وبلغ به الإجهاد، مرة أنه لم يعد مباليا حتى بالقتل:

“وقعدت إلى الأرض وجاء أحدهم بسيف مسلول، ورفعه ليضربني به، فلم ألتفت لعظيم ما بي من الجهد”

وهو يحكي في موضع آخر من تحفة النظار عن المحنة التي عاشها، حين كان هاربا من أعدائه، فاضطر إلى قضاء الليل بدار خربة، يقول:

فدخلتها، ووجدت داخلها مفروشا بالتبن، وفيه حجر جعلت رأسي عليه ونمت. وكان فوقها طائر يرفرف بجناحيه أكثر الليل، وأظنه كان يخاف، فاجتمعنا خائفين..

وبالموازاة مع هذه التجارب القاسية، كان ابن بطوطة يتعرض، بين حين وآخر، لمتاعب ذات طبيعة مختلفة، ترتبط بإبائه وأنفته، وبرفضه لأي سلوك يحط من كرامته الشخصية، فهو لا يتردد، مثلا، في التعبير عن غضبه على أحد الوزراء بالهند، غير مبال بالعواقب التي قد تترتب عن ذلك:

فكلمني الوزير فصعدت وقعدت بموضع أقابله فيه، وجاوبته أغلظ جواب..

إلى حد أن الوزير المذكور قد علق على هذا الموقف بقوله: “ها أندا طلبته لأغضب عليه فغضب علي!”، وعن هذا الوزير نفسه يقول ابن بطوطة:

كان الوزير خائفا مني يقول للناس: لابد لهذا أن يأخذ الوزارة، إما في حياتي، وإما بعد موتي. وكان يكثر السؤال عن حالي، ويقول: سمعت أن ملك الهند بعث إليه الأموال ليثور بها علي. وكان يخاف من سفري لئلا آتي بالجيوش من بلاد المعبر…

وفي موضع آخر، نجده يعرض نفسه لغضب السلطان محمد شاه بن تغلق، المعروف بقوة بطشه، وذلك بسبب زيارته لشيخ هندي من المنبوذين، هو الشيخ شهاب الدين. وفي تحفة النظار، مواقف عديدة أخرى، يجازف فيها ابن بطوطة مجازفات غير محمودة العواقب، دفاعا عن وجهة نظره، وصونا لإبائه.

في وصف مصر

جاء في رحلة ابن بطوطة ما يلي:

ثم وصلت إلى مدينة مصر، وهي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد. ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة. المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر. وبها من شئت من عالم وجاهل، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف. تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها. شبابها يجد على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد. قهرت قاهرتها الأمم وتمكنت ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل الذي أجل خطرها، وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها. وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة، مؤنسة لذي الغربة.

ويقال أن بمصر من السقائين على الجمال اثني عشر ألف سقاء، وأن بها ثلاثين ألف مكار وأن بنيلها من المراكب ستة وثلاثين ألفا (…) وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو. شاهدت بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده، فزين كل أهل سوق سوقهم، وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير، وبقوا على ذلك أياما.

يعترف ابن بطوطة في تحفة النظار، أن سفره من طنجة كان الغرض أداء فريضة الحج وزيارة بيت الله الحرام. لكنه ما لبث أن وجد في نفسه نزوعا إلى الترحال وارتياد أمصار نائية، رغم ما تعرض له من سطو القراصنة وأهوال البحر التي كادت أن تودي بحياته استمرت رحلة ابن بطوطة ربع قرن زار خلالها مختلف بقاع العالم. ولعل استقراره بالهند، زهاء ثماني سنوات، مكنه من معرفة الكثير من التفاصيل التي يحبل بها كتابه “تحفة النظار”.

ابن بطوطة: ربع قرن من الترحال

غادر ابن بطوطة مدينة طنجة، مسقط رأسه عام 725 للهجرة، وبعد خمس وعشرين سنة من الترحال، عاد إلى فاس:

“فوصلت يوم الجمعة في أواخر شهر شعبان المكرم من عام خمسين وسبعمائة إلى حضرة فاس..”

وهكذا فإن الشاب، ابن الثانية والعشرين، الذي حزم الرحال لأداء فريضة الحج، لم يعد إلى موطنه إلا بعد أن أصبح كهلا في السابعة والأربعين!

رحلة ابن بطوطة
استمرت رحلة ابن بطوطة ربع قرن قرن زار خلالها مختلف بقاع العالم

خلال هذا الترحال، الذي استمر ربع قرن، زار الرحالة ابن بطولة مصر والشام، والحجاز، والعراق وفارس، واليمن، وعمان، والبحرين، وبلدان آسيا الصغرى، والقسطنطينية، وخوارزم وسمرقند، وخراسان، والهند، وجزر المالديف وجزيرة سيلان، والبنغال، والصين !

ولم يكد يستقر به المقام في بلده حتى اعتزم الرحيل من جديد، فسافر من فاس إلى الأندلس ثم من فاس إلى مالي، قبل أن يلقي عصا التسيار بالمغرب، في كنف السلطان المريني أبي عنان المريني.

إثر ذلك شرع في إملاء ذكرياته عما شاهده وما عاشه من أحداث، خلال أسفاره، وقد لاحظ المهتمون بعض التشوش في ذاكرته، مما أدى به، أحيانا إلى الخلط بين الوقائع، أو بعض المواقع. كما أن العديد من المهتمين قد عابوا عليه سذاجته الفكرية، التي جعلته يصدق الكثير من الظواهر اللامعقولة ويرويها، زاعماً أحيانا أنه شاهدها أو عايشها.

غير أن هذه الهفوات تبقي يسيرة، بالمقارنة مع ما أورده الرحالة من وقائع لا يرقى إليها الشك، وذلك إلى حد أن الكثيرين يعتبرون كتابه “تحفة النظار” بمثابة مرجع رئيسي عن تاريخ بعض البلدان، وخاصة منها الهند، التي أقام بها ابن بطوطة زهاء ثماني سنوات، وأفرد لها مكانة مهمة في كتابه.

اقرأ أيضا ماركو بولو: سيرة ورحلة مستكشف الشرق الأقصى..

وتتضح قيمة هذا المرجع الفريد أكثر، إذا ما عرفنا أن الرحالة قد اهتم اهتماما شديدا بوصف مواقع المدن التي زارها، أو أقام فيها وبالحديث عن طقسها ومياهها، وحماماتها ومقابرها، وأوليائها، ومدارسها، وفقهائها، وتحصيناتها، وعادات سكانها وأوضاعهم وحرفهم، إلى غير ذلك من المعطيات المهمة. هذا دون إغفال النزعة الغرائبية لدى هذا الرحالة. وهي النزعة التي جعلته ينكب على العديد من التفاصيل المثيرة للفضول والاندهاش.

وفاة ابن بطوطة

وقد فرغ الكاتب ابن جزي الكلبي من “تقييد” ما أملاه عليه ابن بطوطة في شهر صفر من عام 756 للهجرة. وعاش الرحالة ثلاث عشرة سنة بعد ذلك التاريخ (أو ربما ثلاثا وعشرين سنة، إذ هناك اختلاف حول تاريخ وفاته: 769 أو 779 للهجرة).

وقد قضى الفترة الأخيرة من حياته قاضيا بتامسنة. وكان وقتئذ، وحيدا من دون أهل، هو الذي سبق له أن تزوج عددا كبيرا من النساء، في مختلف بقاع الأرض .

المصدر
ابن بطوطة، تُحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار المعروف باسم رحلة ابن بطوطة
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق