الفن

الفن الروماني.. تاريخ الفن المعماري في الإمبراطورية الرومانية

تأسست روما في القرن الثامن ق.م، على الضفة اليسرى من نهر «التيبر». وتضم التلال السبعة التالية: الكابيتول، بلاطين، إسكويلين، كوبرينال، أفينتين، فيمينال، وكايليوس. فما هي خصائص المنشآت العمرانية الرومانية ؟ وما هي مميزات فنون المعمار المعمار الروماني؟

التاريخ المعماري لمدينة روما

خلال الهيمنة الأترورية بنى الملوك المعبد الثلاثي، المهدى إلى جوبيتر (إله الرعد) وجونون (زوجته) ومنيرفا (إلهة الحكمة)، فوق رابية الكابيتول. وجهزوا المدينة بسور وبشبكة من المجاري. ومع ذلك فإن هذه التجهيزات لا تدل على وجود تصميم معماري متفق عليه.

وفي عهد الجمهورية (503 – 30 ق.م) حصل نفس الشيء: أنشئت العديد من البنايات دون أن تتحول روما إلى تجمع متجانس، وأصبح الميدان الروماني العام الواقع بين الكابيتول والكويرينال يجمع بين أربع وظائف: دينية وسياسية وقضائية واقتصادية. ووزعت المزارات على الموقع بمحض الصدفة.

وبتتويج القيصر، ونهاية الجمهورية، أصبحت روما، الغنية بغزواتها الإقليمية، هي مركز العالم. إذ عمل القيصر على تحويل المدينة إلى عاصمة وأعيد بناء الميدان العام: تم بناء كنيستين من جديد، لترسما حدودا واضحة للساحة، ولتضفيا عليها تماثلا محوريا. كما أعاد بناء “كورية” حتى يتماشى وضعها الجديد وجمالية الساحة. ثم ابتكر فضاء عمرانيا كاملا قريبا من الميدان الروماني: ميدان القيصر.

وأحيطت الساحة (160م × 75م) بأروقة من الجوانب الثلاثة. وفي الوسط أقيم التمثال الفروسى للقيصر. وكان معبد فينوس يحتل عمق الساحة. والمنحوتات تظهر فينوس، أم إينياس، برفقة أعضاء لوليا. هكذا ربط القيصر عائلته بالمؤسس الأسطوري لروما (إينياس) مشيرا بشكل ضمني إلى أصله الإلهي (فينوس).

روما: ساحة الكابيتول يتوسطها تمثال الفروسي للقيصر ماركوس Marcus Aurelius

والميدان ، كما تصوره القيصر، مكان يخلو من أية دلالة رمزية أو تاريخية. لم يعد هو ذلك السوق المتحرك الذي تتمازج فيه كل أنواع الأنشطة.

أصبح الميدان العام مكانا مغلقا تعبر هندسته عن وجود سلطة قوية ووحيدة: إنه مقام الدعاية. واقتدى العديد من الأباطرة بالقيصر، فبنوا بدورهم ميادين عامة مستوحاة من هذا الميدان.

ويقع معبد مارس يولتور، المنتقم من قتلة القيصر، في أقصى ميدان أغسطس. وساحته (125×118) مستطيلة الشكل، مزودة بمصطبتين نصف دائريتين. وقد شيد تراخان ميدانه على نفس الطراز. إذ أن المدخل التذكاري يفضي إلى ساحة مستطيلة (300م × 85) تنتهي ببعض المصطبات. وهي عبارة عن معبد يسد الساحة، وبجوارها مكتبتان إحداهما إغريقية، والأخرى لاتينية، تحيطان بالعمود التراخاني الذي تروي نقوشه فصولا من الحملة العسكرية، ومن الانتصار الذي حققوه على الداشيين.

تقنية جديدة في البناء

تحققت البرامج العمرانية الرومانية الكبرى بفضل امتلاك تقنيات البناء. ورغم امتلاك الرومان لتقنية استعمال كتل الحجر، فقد كانت هذه التقنية تتطلب منهم الكثير من الدقة والجهد. إذ أنها تستوجب نحتا دقيقا للكتل، وآليات رفع كثيرة وقوية، وموازنة جيدة.

هذه المشاكل تم حلها باستخدام الإسمنت. وكان البناء يتكون من خليط من الملاط (ثلاثة أرباع من الرمل، وربع من الجبس) وقطع من الدبش والصلصال والحجر المذوب، للحصول على مادة ذات وزن أخف. ويقذف بهذا الخليط بين جدارين من الفليس والقرميد، أو فوق سقوف خشبية لبناء القباب. وتوفر هذه المادة مرونة كبرى للاستعمال: جدران وقباب من كل الأشكال. وتسمح بتشييد مبان هائلة وتشغيل يد عاملة قليلة الكفاءة. وكان الإسمنت هو المادة المفضلة في العمران الروماني، بحيث إنها أتاحت إمكانية إنشاء بنايات كبيرة في روما الإمبراطورية.

المباني الرومانية الدينية

صمم المعبد الروماني على الطراز الأتروري، أكثر مما أخذ عن المعبد الإغريقي. والمزار الأتروري (معبد جوبيتر) جبهي: له واجهة رئيسية ذات أعمدة وجبهية واحدة. وبه درجات تؤدي إلى المعبد. وقد يكون محدودا بهيكل (معبد مارس).

وغالبا ما يكون المزار محاطا بصف من الأعمدة، التي تلتصق أحيانا بالجدران، ولا تكون لها إلا وظيفة تزيينية. ويتميز البانثيون (مجمع الأرباب) الذي أعيد بناؤه من طرف هادريانوس في ما بين 118م و 125م، بتصور روماني خالص. وقد أهدي لكل آلهة العالم الروماني. وبنيته من أكثر الأشكال كمالا في فن المعمار الروماني.

view of ancient Pantheon church at dawn in Rome Italy
معبد البانثيون Pantheon (مجمع الأرباب) بروما. إيطاليا

والمعبد يفتتح بمسلك ذي ثمانية أعمدة وثلاثة أجنحة. وهو مستدير ومغطى بقبة. وأبعاده من الكبر بحيث تكفي لتطويق منطقة قطرها 43 م.

المنشآت العمومية الرومانية

إن الكنائس فضاءات رحبة مغطاة، تحتضن جميع أنشطة الميدان العام: محكمة، معاملات اقتصادية من كل الأنواع، وهذا ما تطلب تشييد بناية كبيرة جيدة الإضاءة، سقفها محمول بصفين من الأعمدة الداخلية التي تؤطر ثلاثة أجنحة. والجناح المركزى الأعلى لأحد الطوابق به نوافذ كبيرة. وهذا النموذج العمراني هو أقدم الكنائس المسيحية.

وربما كانت الحمامات الحارة من أهم الأمكنة في الحياة العامة. ولذلك كان الرومان يترددون عليها لا ليستحموا فحسب، بل لممارسة الرياضية أيضا واكتساب المعرفة ولقاء الأصدقاء. والحمامات الإمبراطورية هي أرقى ما في هذه البنايات المعدة لتزجية الفراغ.

وبحكم أنها مخصصة لاستقبال العديد من الأشخاص في نفس الوقت، ولكونها بنايات جذابة وهبها الإمبراطور للشعب، فقد كانت شاسعة الأطراف. وأكبرها حمامات «كاراكاياود يوكليتيان». وتطلب بناؤها وقتا قصيرا: خمس سنوات بالنسبة لكاراكايا (من 212م إلى 217 م) وثماني سنوات بالنسبة لديوكليتيان Dioclétien (من 298 إلى 306م).

وتتوفر على مزار كبير يحيط ببناية مركزية تضم حمامات كبيرة: 220م × 114م. و 250م × 180م. وتنقسم قاعات الاستحمام إلى أجنحة وفق محور مركزي: المسبح الكبير البارد، الحمام الدافئ، ثم الحمامات الحارة التي يتم تسخينها من أسفل. وتحف بكل الجوانب مستودعات الملابس وأماكن التريض وقاعات التدليك. وفي داخل البناية توجد مكتبات وقاعات للمطالعة. وكانت الحمامات مزينة بشكل (صفائح من المرمر، فسيفساء وتماثيل) وجامعة بين تنشيط البدن وتنشيط الذهن.

الفن الروماني.. أماكن الفرجة

استلهم الرومان المسارح من النموذج الإغريقي، لكنها تختلف عنه كثيرا. إذ أن المسارح الإغريقية كانت دائما تقام فوق التلال. وأول مسرح حجري في روما شيد سنة 55 ق.م، من طرف بومبيوس الأكبر في ميدان مارس. وهو عبارة عن أرض مستوية، لذلك لم يكن ممكنا ترصيص المراقي فوق منحدر ناتئ. وكان المهندسون يسندون المقاعد إلى كتلة من بناء تنتهي بواجهة مقوسة تحتوي مجموعة من الأروقة والممرات. وكانت هذه الأخيرة تؤدي إلى ردهات يعبرها المتفرجون للوصول إلى صفوفهم مباشرة.

Ancient Theatre of Fourviere roman
مسرح روما القديم

وقد بنيت المسارح الرومانية، فيما بعد، على هذا النمط.وكان التعبير عن ميل الشعب إلى الألعاب (مبارزات المصارعين، قنص الوحوش المفترسة، والمعارك الحربية) يتجلى في ضخامة المدرجات، المكونة من حلبة وسطى بيضوية الشكل، تحيط بها المقاعد. وبدءا من العام 80 ق.م، امتلكت بومبي مدرجها الخاص.

وكانت هناك ممرات خارجية توصل إلى المقاعد. وقد دشن مسرح الكوليزي – الذي بناه « دوميتيان » سنة 80م – بتنظيم ألعاب دامت مئة يوم. وتتكون واجهته البيضوية الشكل من ثلاثة صفوف، بها أروقة متراصة وطبقة سطحية. وأروقة الدور الأرضي مرقمة، وكل مدخل يتيح للمتفرج أن يمر عبر الدهاليز والأدراج، المقامة تحت المقاعد، إلى مكانه المحدد، المرقوم على قطعة معدنية. وفوق المبنى ستار كبير يحمي المتفرجين من الشمس. وكانت كل المدن الرئيسية تملك مدرجا خاصا بها.

أما السيرك فقد كان مخصصا لمباريات الخيول الأربعة المقرونة، ويبلغ حجم «سيركوس ماكسيموس» بروما مساحة ثلاثة ملاعب ونصف ويتسع لـ 115.000 متفرج. وفي الوسط من الحلبة خط مركزي تدور حوله العربات. والمتفرجون يجلسون فوق مقاعد حجرية تحيط بالحلبة.

وتقترن فكرة إنشاء هذه الأماكن العمومية الكبرى برغبة الإمبراطور في أن يوفر للشعب وسائل الترفيه وإثراء الذهن. وذلك بتشكيل روما على صورة المدينة النموذجية، كعاصمة للعالم الخاضع لها. وهكذا أصبحت روما ببهائها مدينة مثالية.

المباني الرومانية الخاصة

ثمة نماذج كثيرة للمساكن الرومانية: الدارات، المنازل الخاصة الممتدة بشكل أفقي، والشقق المتراصة في بعض البنايات. والدارات مصونة، بعناية فائقة، في مدن كامبانيا: بومبي، هيركولانوم، وستابييس. ويشتمل المنزل على فناء وساحة وسطى وحوض مائي وصهريج، أعدت حوله بعض غرف المنفعة (كالمطبخ) وقاعات الجلوس وقاعة للأكل وكلها مفتوحة على داخل البيت. وهذا النوع من السكن البسيط سيتحول إلى نموذج أكثر بذخا، حيث سيكبر المنزل بإضافة حديقة محاطة بممر يفضي إلى قاعات أخرى للجلوس، وإلى شقق صغيرة.

وتكثر الدارات المزخرفة بالرسوم والفسيفساء والآثار في بومبي. كما توجد أيضا في هيركولانوم، إلى جانب بنايات صغيرة للإيجار، تتكون من ساحة وسطى وصهريج وبيوت، مستأجرة ضيقة، تحتوي على غرفة أو غرفتين بأحد الطوابق.

ويوجد النموذج الأفضل للمساكن الجماعية المؤجرة في «أوستيا Ostie». وهي مدينة بحرية على مصب نهر التيبر، وهذه البنايات التي يبلغ ارتفاعها عشرين مترا، في الحد الأقصى، كلها مبنية بناءا خفيفا. وفي الدور الأرضي تنتظم بعض الدكاكين، وفي الطوابق شقق من ثلاث أو خمس غرف. وثمة خدمات يستفيد منها سكان هذه المجموعات: نافورة مشتركة وحمامات ومراحيض غالبا ما تستعمل كمغاسل للثياب.

وكانت البنايات تعرف إقبالا متزايدا في روما: حوالي 45.000 بناية، مقابل 1.800 في بداية القرن الرابع الميلادي. ورغم ذلك فقد كانت هذه المنازل المتواضعة تنال نصيبها من الزينة كانعكاس باهت لزخارف المباني الأكثر ترفا. ديكور البنايات

كان ديكور المباني العامة والخاصة متعددا ومتنوعا، وغنيا بالنقوش والألوان في أغلب الحالات. وفي الدارات كان الأثرياء الملاكون يهوون جمع الآثار الفنية الرومانية: تماثيل رخامية أو برونزية إغريقية الأصل، أو مجرد نسخ رومانية. وكانت بعض الدارات أشبه بمتاحف، مثل دارة «بابيروس» في هيركولانوم.

من جانب آخر، كان بإمكان النحت والهندسة أن يدعما الإيديولوجية الإمبراطورية. لذلك كان مذبح السلام، المهدي في القرن التاسع ق.م، من قبل أغسطس، يحتفل بإحلال السلام في الأقاليم الغربية من الإمبراطورية، وكانت بعض النقوش تذكر بأصول روما. أما الإفريز فقد كان يجمع أكابر القوم في الإمبراطورية، حيث يبدو أغسطس وعائلته ملتثمين للاحتفال بتدشين الهيكل المنذور لإله السلم. وهو يشير إلى مرحلة الانتقال من الغزو إلى بسط السلام: هكذا يتحول المحتل إلى مبشر بالحضارة.

بعد ذلك واصل الأباطرة رغبتهم في تخليد انتصاراتهم بمآثر تذكارية: أقواس النصر.

وكان داخل البنايات، كالأرض والحيطان والسقوف، يزين بكيفية جميلة. وكانت الرسوم، ومعجون المرمر والفسيفساء، تخفي مواد البناء الخام. وذلك بمحاكاة التصفيح، أو بنقش أشكال رمزية أو أسطورية وكانت الجدران مصبوغة حسب تقنية اللوحات الجدارية. إذ أن الرسام يدهن جزءا من الحائط بالملاط الرقيق الطري، ثم يبدا في الصباغة مباشرة، فتجف الأصباغ في نفس الوقت الذى يجف فيه الملاط. وبذلك يتعذر انمحاء الصباغة.

وتتنوع مختلف أنماط التزيين تبعا للموضة. وجميعها تشترك في حجب الجدار. لقد كانت الرسوم تحاكي الرخام الملون، وتصمم أشكالا هندسية غير واقعية، أو تصور مشاهد أسطورية على الإفريز أو على اللوحة. وتكتمل هذه التكوينات الملونة بأفاريز من الجص الناتئ، وأحيانا يكون ديكور المبنى مجصصا بأكمله، كما هو الحال في الكنيسة النفقية للبوابة العظمى.

وتزين الأرضيات بمرصعات مرمرية أو فسيفسائية. وتصبغ الفسيفساء في إيطاليا بالأسود والأبيض، ويتشكل من نماذج هندسية أو زهرية. وفي العالم الروماني، في الشرق أو في إفريقيا، دأبت بعض المدارس الأصيلة على تطوير أسلوب لزخرفة القباب، بإعطاء الأسبقية للتزيين المتعدد الألوان. وكانت المدرسة الإيطالية، بدورها، متأثرة بفسيفسائيي العالم الروماني.

ورغم أن الفن الروماني، في الأصل، وقع تحت تأثير النماذج الأترورية والإغريقية، إلا أنه استطاع أن يستقل بذاته، ويتجاوزها على المستوى التقني، من أجل أن يبتكر أشكالا هندسية جديدة، وطرازا زخرفيا متميزا.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق