التراثعادات وتقاليد

سلفونا طاجينكوم.. أصل الحكاية

عندما قرأت بعض حكاياتنا مع جيراننا القدامى على بعض الأصدقاء. لم يصدقوا ما جاء فيها من معاني الجورة، الجورة المثالية فقط، بل أخذ كل واحد منهم يقص علي حكايات مماثلة مشابهة، ومنها حكاية «سلفونا طاجينكم» أي أعيرونا طاجينكم للنجدة بالدارجة المغربية، ومضمونها أنه كان من المتعارف عليه والمعمول به تبادل استعارة الطواجين الجاهزة بين الجيران في حالة الطوارئ، وهذه العادة الجميلة الرائعة والتي تحمل كل معاني التآزر والتعاضد والمساندة كانت تتجلى في تطبيق عملية : « سلفونا طاجينكم ».

حكاية سلفونا طاجينكوم

 وبعض تفصيل ذلك أنه كان يحدث أن تقرر أسرة ما، ولسبب ما، وفي يوم ما، أن لا تجهز طعاما وأن « تقضي وتعدي» ومعنى تقضى وتعدي هنا أن الأسرة قررت أن تتغذى ذلك اليوم بما تيسر فقط، بما هو موجود في البيت من زيت أو زبدة أو سمن أو تين أو زيتون أو “خليع” وهو لحم مصبر، – تفنن المغاربة في تحضيره وإعداده – أو يتغذون بأي طعام أخر مما لا يحتاج إلى أي وقت أو جهد في تهييئه وتحضيره، وقد يكون الخبز والزيتون، وقديما قال المثل المغربي “الخبز و الما ما يخلي على القلب غمة”، أي بوسع الإنسان إذا تحلي بالقناعة وتسلح بالصبر أن يسد الرمق بقليل القليل، ويقمع جوعه بالخبز الحاف أو بالخبز والماء.

وهذا ما كان يحدث في حكاية: « سلفونا طاجينكم »، فإذا فوجئت الأسرة في يوم تقشفها بالضيوف. إذا أقبل عليها ضيوف هادفون، لم تكن تنتظر مقدمهم ولم تستعد، ولم يكن عندها استعداد لاستقبالهم والحالة أنها في يوم تقشف و “قضي وعدي”: إنه فعلا مأزق والضيوف قد هدفوا. وهدف الضيف تعني مجازا في اللغة العامية المغربية : أقبل، جاء فجأة وعلى غير انتظار أو توقع.

فما العمل؟ وكيف تتصرف هذه الأسرة وبأي سلاح تواجه هذا الضيف؟ ويجب ألا يغيب عنا، أننا نتحدث عما كان يحدث في فترة ما قبل وجود الثلاجة أو المجمدة، أو أي وسيلة أخرى مما يمكن أن تحفظ فيه الأطعمة أو تذخر اللحوم والمأكولات. أو حتى ماكينات طحن الكفتة لم تكن موجودة. الكفتة التي أصبحت فيما بعد طعام النجدة وطبق الإغاثة في مثل هذه الحالات، اعتبارا ليسر وسرعة إعدادها، حتى سماها بعضهم:

“فكاكة الوحايل منّاعت الرحايل”

نعم حتى تحضير الكفتة كان معقدا إلى حد ما فقد كانت تدق وتفرم في القرطة بواسطة معلمين وساطورين وكانت عملية دقها تستغرق وقتا طويلا وجهدا لا بأس به، لذا فما العمل والضيوف قد “هدفوا” ؟

الحل الوحيد الذي كان متفقا عليه، ومعمولا به -ضمنيا- في هذه الحالة بين الجيران هو: « سلفونا طاجينكم »، و “اليوم علينا وغدا عليكم” والخير بين الناس “سلوفات“. يا جيراننا الكرام أعيرونا طاجينكم، فقد جاءنا ضيوف وليس لدينا مما يؤكل ما نقدمه لهم. النجدة يا جيراننا وقديما قال أجدادنا :

” اللي ما عنده نار يسلفها من عند جاره “

وهذا هو الحل الأمثل في مثل أو شبه هذه المواقف، ونلتمس منكم أن تحمروا، وجوهنا وترفعوا رؤوسنا.

الطاجين المتنقل!

في مثل هذه الظروف كان الجيران يهبون لنجدة جيرانهم بالطنجرة برمتها كاملة غير منقوصة، ليكون في وسعهم أن يقدموا لضيوفهم الهادفين طعاما مناسبا وكأنه أعد بمحض الصدفة للحفاوة بهم واستقبالهم.

وهكذا ينتقل التقشف من أسرة استعدت له إلى أسرة لم يكن في حسبانها. نعم لقد انتقل الطاجين من شقة إلى شقة، أو من منزل إلى منزل، مهما تباعدت أو تقاربت المسافة الفاصلة بينهما.

وتتم هذه العملية في جو يطبعه الحماس والرضى. وعلى الرغم من أنها نجدة اضطرار فلم تكن مغلفة بأي نوع من الحرج أو التأفف والضجر الذي يفرضه سيف الحياء الذي هو كسيف الغصب، وإنما هي نجدة تودد متطوعة، مجيبة، متحمسة، سخية، كريمة، تطبعها روح الإيثار ويمليها جود مغربي متأصل نبيل عريق. يجل الواجب ويقدسه، ويجعله فوق كل اعتبار.

 وهكذا كان الطاجين يشد الرحال من سكن إلى سكن أو من دار إلى دار بطريقة عفوية، بسيطة تلقائية، وكان الذي يتفضل بإعارة طاجينه يتقشف – مُكرهاً – فيكتفي أحيانا بالخبز والماء، إلا أن أهم ما في عملية: « سلفونا طاجينكم »، هي أنها كانت تتم في سرية تامة 🤫 أو كما يقولون من “تحت ستة وستين قدم”، وبعيدا عن كل مَنٍّ وأذى، ومن يناصر جاره بطاجين “عاقل” وقت الحزة ينتظر طبعا أن ترد له المناصرة بأفضل منها. والطاجين العاقل هو ذاك الذي يطبخ بمهارة، وينفق على لَمِّ عناصره بكرم وسخاء. وطاجين “بعقله” في عرف الذوقية من رواد الزردة -أي الوليمة- المغاربة هو ذاك الذي جمع فأوعى أو هو الذي اجتمع فيه ما افترق في غيره مما لذا وطاب 😋.

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق