قضايا ساخنة

سياسة القروض.. كيف سقط المغرب في أحضان الحماية الفرنسية

كلما طال العجز مالية دولة ما، إلا وفكرت في البحث عن موارد مالية جديدة، لسد العجز وتحقيق التوازن المالي المطلوب. وتتنوع الوسائل والسبل التي قد تلجأ إليها كل دولة في التعامل مع عجزها المالي، لكن المدخل الضريبي يعتبر أول حل يتم التفكير فيه لعلاج داء الخزينة.

في هذا الإطار تختلف الاجتهادات المقترحة لتوسيع الوعاء الجبائي، و استحداث عائدات ضريبية قد تمس قطاعا معينا وقد تتعداه لتطال قطاعات متنوعة. لكن متي فشلت هذه المحاولات، قد يكون أخر العلاج الكي كما يقال، وهو في هذه الحالة الاقتراض من الخارج، مع ما يستتبعه من شروط المؤسسات المانحة، والتي قد ترهن سيادة البلاد. ذلك كان حال المغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين.

إذ نضبت الموارد، وتكالبت المحن والشدائد على البلاد، وتعمقت الجراح المالية، بالهزائم العسكرية، والغرامات التي تلتها، مثلما حدث بعد حرب تطوان، التي فتحت أول باب لاختراق السيادة المغربية من خلال وضع ثمانية مراسي مغربية تحت وصاية إسبانية – إنجليزية لاستيفاء واجبات الغرامة والقرض لمدة ربع قرن.

حدث كل هذا في زمن كانت فيه البلاد أحوج ما تكون إلى موارد مالية، كفيلة بترميم وإصلاح واقع كان متداعيا ومعرضا لمزيد من الاهتزاز والتفسخ، خاصة بعد المعاهدة التجارية المغربية البريطانية لسنة 1856م، التي أضرت بالمداخيل الجمركية للبلاد، وأدخلت المغرب قسرا في منظومة رأسمالية لم يكن قادرا ومستعدا على مجاراتها.

من تطوان إلى مدريد

يرجع بيير كيلين الوضعية المالية الحرجة للمغرب ومأزق التورط في الاقتراض إلى البنيات التقليدية المسؤولة عن اختلال التوازن الهش بين المداخيل والمصاريف في أول اصطدام مفاجئ بأوربا. فأهم المداخيل المتمثلة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة ظلت هزيلة بسبب غياب تنظيم عصري، وفساد الجهاز المشرف على تحصيلها، يضاف إلى ذلك ما سماه كيلين بقلة المادة القابلة للضريبة الناتجة عن عدم خضوع جميع القبائل، وكثرة المعفيين، وهشاشة الاقتصاد، مع كل هذا، يرى كيلين أن هذه المداخيل كانت كافية إلى حد ما، لأن النفقات كانت متواضعة.

لكن المتغير الذي حصل مع النصف الثاني من القرن 19 أخل بهذا التوازن الهش بسبب استفادة التجار الأجانب وأغنياء المغرب من الحماية، وتملصهم من الجبايات، هذا في وقت تفاقمت فيه نفقات المخزن بسبب الشروع في بعض الإصلاحات على عهد المولى الحسن، إضافة إلى كثرة شكايات المحميين وغرامات التعويض التي طالبت بها المفوضيات الأوربية بسبب ذلك.

وانتهى الأمر إلى خزينة فارغة بعيد وفاة باحماد، يضاف إلى هذه المتاعب المالية مشكل انهيار العملة والعجز في الميزان التجاري، الذي قدره كيلين بثلاث وثمانين مليون من الفرنكات خلال الفترة الممتدة من 1889 إلى 1899 والذي زاد بدوره من حدة تفاقم انهيار العملة المغربية، وبالتالي تأزيم الوضعية المالية أكثر.

يبدو أن الخلل سابق عن هذه الفترة، فحرب تطوان، كما قال الناصري، أزالت فعلا حجاب الهيبة وعرت المستور، يوم عجز المغرب عن أداء الغرامة للإسبان كاملة، لأن خزينته المالية كانت عاجزة. ورغم أن السلطان توجه برفق وحذر للقبائل يطلب مساهمتها الجبائية، فإن جواب الضريبة لم يف بالغرض. فكان الحل قرضا بريطانيا، فتحت طريق تحصيل مستحقاته، إلى جانب أقساط الغرامة الاسبانية، الباب مشرعا لانتهاك السيادة المغربية.

في هذا الصدد، يتفق كل من جون كلود آلان وشارل أندري جوليان وإدموند بورك على أن مقدمات الأزمة تعود إلى ما قبل فترة حكم السلطان مولاي الحسن، التي توقف عندها بيير كيلين. فبورك يرى في حرب تطوان منعطفا حاسما في تاريخ مغرب القرن 19، فمن خلال تداعياتها يمكن فهم الكثير من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية لمغرب كان على حافة الانهيار مع نهاية القرن 19م.

أما شارل أندري جوليان فقد أشار إلى مسألة مهمة في هذا الصدد، إن شئنا التأصيل للاقتراض، عندما تناول موضوع القرض الإنجليزي الذي جاء إثر حرب تطوان متبنيا الطرح القائل بأن المال هو الذي يقود السياسة، وهذا موضوع سنعود لمعالجته لاحقا، لكنه نبه أيضا إلى ما سبق أن أشار إليه إدموند بورك من كون البلاد أصبحت مثقلة بالديون مما يعني أن الحديث عن أي إصلاح عميق في هذه الظروف على المستوى الاقتصادي والإداري يبقى مجرد وهم.

أما جون كلود آلان فقد كان أكثر إلحاحا على ربط الموضوع بتداعيات حرب تطوان، إذ يرى أن عواقبها على مالية المخزن كانت وخيمة كما أن تطبيق وصاية أجنبية لمدة ربع قرن كانت حساسة جدا بالنسبة للإرادة المغربية في صيانة استقلال البلاد. هذه الوضعية التي قد تبدو مرحلية خلقت، حسب نفس الباحث، دينامية من الصعوبة معاكستها، حيث عملت على التأكيد المتزايد للانفتاح التجاري الواسع الذي ارتبطت به الأقساط المالية السنوية، وعلى الإدماج المتزايد للمغرب في المبادلات والعلاقات الدولية، وهو ما قاد نفس الباحث إلى طرح سؤال له أكثر من دلالة مفاده:

هل النزيف المالي المترتب عن حرب تطوان سنة 1860 هو المسؤول المباشر عن الوضعية التي أفرزت قرض 1904؟

ويجيب: «يمكن اعتبار أول قرض مغربي من الخارج بمثابة نذير لغزو أوربي مبني على الرأسمال المالي، وإذا كانت سنة 1861 لم تدخل البلاد في نفس دوامة تونس ومصر إلا أنه بعد أربعين سنة عرف المغرب نفس المصير».

يختم جرمان عياش دراسته المعنونة بـ «جوانب من الأزمة المالية بالمغرب بعد الغزو الاسباني سنة 1860»، بالقول:

«فليس هناك دليل يشير أحق إشارة إلى استحالة الأمور، وفي الواقع أثر انهزام تطوان في حياة البلاد تأثيرا أبعد أن يترتب تدارك الاقتصاد على التدارك السياسي. لقد كثرت القبائل التي صارت تدفع الضرائب، ولكن هذه الضرائب كانت تستعمل لتسديد ديون الدولة. كان المخزن يستريح بعض الشيء، أما الرعية فلا تمضي إلا في زيادة الفقر. لم تكف، إذا شخصية مولاي الحسن الفاضلة لترتفع الأضرار المتعاقبة لحرب تطوان، إنها سترت في عهد هذا السلطان الحازم ولكن لم يزل اتساعها كما تبين ذلك بعد وفاته بقليل في عهد مولاي عبد العزيز»

غير أن دفع الضرائب بعد حرب تطوان لم يكن عاما، إذ تزايد المتملصون، من محميين وأجانب، مما زاد في إفقار الرعية الخاضعة للأداء، وهو ما قاد السلطان الحسن الأول إلى قبول الصيغة التي جرى اقتراحاها في مؤتمر مدريد سنة 1880، أي الإقرار بأحقية الأجانب في تملك العقار مقابل التزامهم، إلى جانب من هم تحت حمايتهم، بأداء الواجبات الجبائية.

هكذا منحت مقررات هذا المؤتمر الأجانب، ولأول مرة، حق تملك العقار بشكل رسمي (البند 11)، مقابل أدائهم للجبايات (البند 12)، لكن بعد تعميمها على جميع رعايا السلطان (البند 13). ولما كان مطلب التعميم مستحيلا، بسبب عدم القدرة على إخضاع كل القبائل، وكذا كثرة المستفيدين من ظهائر التوقير والاحترام، تذرع به الأجانب والمحميون للتملص من أداء الواجبات الجبائية. فأفرغ الإصلاح الجبائي الموسوم بالترتيب من محتواه، ذلك أن قانون 30 مارس 1881، المنظم له صيغ بدهاء دبلوماسي، مكن للأجانب والمحميين في الأرض المغربية، دون تحقيق طموح توسيع الوعاء الجبائي ليشمل موارد هذه «النخبة الاقتصادية».

بنك باريس والأراضي المنخفضة في الموعد

جاء في البند السابع من قانون 30 مارس 1881 أن السلطان جعل التقويم مؤقتا، ولكن إذا ظهرله ضرورة إجراء أي تبديل فيه فعليه أن يطلب اجتماعا لنواب الأجناس للبث فيه. وهو ما يعني انتقاصا من سيادة التشريع في المجال الجبائي، من خلال رهن أي تعديل فيه بموافقة الدول الأجنبية. أما البند الأخير من نفس القانون فجاء للفصل في حال حدوث أي اختلاف في الأداء أو إجراء القانون كما يلي:

«إذا حصل اختلاف فيما بين الحكومة المراكشية وبين أحد نواب الأجناس في شأن أداء العشور والزكاة أو بخصوص إجراء القانون المقدم ذكره ففصال الاختلاف يكون بالموافقة فيما بين وزير الأمور البرانية لحضرة السلطان وبين نواب الأجناس الموقعين على معاهدة مدريد»

تفيدنا هذه النصوص في الانتباه إلى التحول الذي حصل في مجال التشريع الجبائي الذي كان إلى حدود هذه الفترة يستمد مشروعيته من مرجعية دينية بيد العلماء، والذين يعملون على تزكية أو معارضة ما يعرض عليهم من نوازل في شكل مقترحات جبائية. وإذا كان السلطان قد حاول من خلال تكليف وزير خارجيته بالأمر، تجاوز سلطة الرقيب التي مارسها العلماء، فإنه سرعان ما سقط في رقابة أشد وطأة وإحكاما، أبطالها غرباء عن البلاد، تحولوا بين عشية وضحاها إلى شركاء في تدبير شأنها الجبائي، وألزموا السلطان بالتشاور معهم والأخذ برأيهم في كل ما يريد إحداثه أو تعديله من تشريعات جبائية، يتعلق الأمر بالقوى الأجنبية التي أدركت الأثر النوعي والعميق لأي مشروع جبائي يجعل لهم يدا في التشريع.

سبق لجرمان عياش أن أشار إلى قدرة المولى الحسن على الحفاظ على التوازنات، رغم هشاشتها، وهو ما حاول باحماد أن يضمنه خلال الفترة الأولى من حكم المولى عبد العزيز. لكن، كما أشار إلى ذلك بيير كيلين، ازداد الأمر سوءا واستفحالا مع وفاة باحماد. فمن جهة، هناك ميل العاهل الشاب عبد العزيز إلى المخترعات الأوربية، وتبنيه لآراء الجناح الداعي إلى الإصلاحات داخل مخزنه.

بيد أن ما عمق الأزمة أكثر هو إقرار ضريبة الترتيب سنة 1901، التي قوبلت برفض شديد من أوساط المحافظين والمستفيدين من الوضع السابق. خاصة وأن هذه الضريبة سوت بين الجميع (شريف ومشروف، قوي وضعيف، مغربي وأجنبي)، ورامت العدل الجبائي، وسعت لحل الضائقة المالية للمخزن، لكن فشلها كان نذير شؤم على صاحبها، فارتبطت باسمه كرمز للفشل في التدبير الناتج عن سوء التقدير.

خص إدموند بورك هذه المسألة بتحليل عميق؛ فتحت عنوان عصر الوكلاء التجاريين (The Era Of The Traveling Selesmen) سجل أنه يجري الحديث كثيرا عن كون الفشل في التدبير الحكومي لما بعد سنة 1900 يعود بالدرجة الأولى لانعدام الكفاءة لدى السلطان الشاب عبد العزيز، هذه النظرة تقدم عبد العزيز في صورة الشخص عديم التجربة، والذي كان ضحية عديمي الذمة من السماسرة والمحتالين الأوربيين، الذين كانوا وراء توريطه في تبذير خزينة الدولة لاقتناء مختلف المخترعات الأوربية غير المجدية.

فكون عبد العزيز، يضيف بورك، كان ضعيفا ومبذرا أمر لا اختلاف حوله، لكن هذه القراءة تبدو تبسيطية ومختزلة جدا، والكلام دائما لنفس الباحث، الذي يؤكد أن التيارات الكبرى للعصر: الإمبريالية، والتغلغل التجاري الأوربي، والصراعات السياسية، وتأثير الأفكار الإصلاحية التي تزايدت بالمغرب هي التي ساعدت على تقهقر الكيان المغربي بعد سنة 1900، التي كان يحافظ على توازنه قبل هذا التاريخ. ولذلك، يضيف بورك، لم يكن الوقت مناسبا بالمرة لإطلاق برنامج إصلاحات شامل على المستوى الداخلي.

في هذا السياق، نفهم كيف أن فرنسا كانت الوحيدة بين الدول الأجنبية التي تمترست خلف البند السابع من قانون 1881 السالف الذكر، لتعلن عدم موافقتها على ترتيب 1901، بمبررات مختلفة، يكشف حقيقتها بيير كليين بالقول:

« أما بخصوص الأجانب والمحميين، فكان لابد من موافقة كل الأقطاب الموقعة على اتفاق مدريد، وقد بادرت كلها بالموافقة على الترتيب باستثناء الحكومة الفرنسية التي كانت تسعى إلى تمديد مالها على المخزن من وسائل الضغط والتهديد، واستعملت كل الذرائع لتأخير موافقة لم تتم إلا في 26 نونبر 1903 بعد أكثر من سنتين على إعلان الإصلاح، وهكذا حالت العرقلة الفرنسية من سنة 1901 إلى 1903 دون جباية ضريبة الترتيب من الأجانب والمحميين، علما بأن ذلك كان من شأنه أن يوفر في الحين بعض المداخيل للمخزن بعد أن توقف عن جبايتها من القبائل»

صراع المال والسياسة. من يحكم من؟

رغم ما بدا من اختلاف في قراءة الوضع واقتراح الخطط، لاختراق المغرب بين المال والدبلوماسية، بيد أنه مع بداية 1904 ظهر أن ما يجمع بينهما أكثر من أن تعصف به خلافات في التدبير، أساسها موقع كل منهما ودوره في تطور الأحداث، إذ اتفقا أن يفرضا على السلطان عقدا يضعه تحت الوصاية المالية الفرنسية حالما تسمح الحكومة البريطانية للحكومة الفرنسية بحرية التصرف، وهو ما حصل فعلا بعد 8 أبريل 1904 إثر الاتفاق الودي بين الدولتين.

لكن ذلك لا يعني أن الخلافات سويت نهائيا بين المال والدبلوماسية، فلكل منهما طريقته في حسم الموقف وتحديد طبيعة القرض، أو كما قال سانت أولير أحد مساعدي ديلكاسي في إبرام قرض 1904:

«منذ أول لقاء لاحظت كما كان متوقعا، اختلاف وجهت النظر: الأبناك ترغب في منح القليل من المال والحصول على الكثير من الامتيازات، ونحن نطلب منهم الكثير من المال مقابل منحهم القليل من الامتيازات»

ورغم أن كيلين يؤكد على قيام الجانبين بتنازلات متبادلة على حساب المغرب، الذي فرضت عليه في آن واحد شروط مالية مجحفة وشروط سياسية خطيرة على سيادته، فإنه يصر في آخر فقرة من كتابه على القول بأنه « في الحالة الخاصة بالاقتراضات المغربية سنوات 1902 – 1904 يلاحظ شيء واحد وهو أن الكي دورسي بقيادة ديلكاسي بالرغم مما أثارته هذه القروض من لهفة الأبناك الكبرى ومن تنازلات لجشعها، فرض أولوية السياسة على المالية، وأجبر أوساط الأعمال على الوقوف طوعا أو كرها تحت مظلته، وعلى العمل لصالح أهداف الدبلوماسية الفرنسية قبل كل شيء». وهو طرح يختلف عما ذهب إليه شارل أندري جوليان، الذي سجل قيادة المال للسياسة منذ القرض الإنجليزي لسنة 1861م.

غير أن جون كلود آلان يرى أن السؤال حول تفوق أحدهما على الأخر يفقد واقعيته لأنه أثناء الممارسة تتداخل العناصر المحركة الأتية من المصدرين المشار إليهما (الاقتصاد والسياسة) لذلك يصير البحث في هذا الموضوع مصطنعا، لأن التقدير يبقى قابلا للتحول والانعكاس حسب الاختيار المتخذ في مركز القرار، فـ «سلاح المال» بالنسبة للدبلوماسية يمكن أن يكون «سلاح الدبلوماسية» بالنسبة للمال، حسب من نمنحه الأولوية في العملية المالية هل القنصلية أم البنك ؟

الشلل التام لمالية المخزن المغربي

إذا ظهر السبب بطل العجب، كما يقال، ففرنسا كانت لا تريد لهذا الإصلاح الجبائي أن يمر، قبل أن يتذوق المخزن حلاوة نوع جديد من الأموال تصله دون احتكاك بالقبائل ولا انتظار محاصيلها، بل في شكل قروض تقدمها مؤسساتها المالية. لذلك جرى التحفظ على ضريبة الترتيب سنة 1901، وتقديم أول قرض تجاري بدون شروط بمبلغ 75 مليون فرنك من طرف بنك باريس والأراضي المنخفضة سنة 1902، قبل أن توافق الحكومة الفرنسية على الترتيب سنة 1903، وهي تدرك أنه صلاحيته قد انتهت.

فكان قرض 1904 بمثابة الضربة القاضية للسيادة المالية للمغرب، ذلك أن أحد بنوده أكد على احتكار بنك باريس والأراضي المنخفضة لكل تعامل مالي للمغرب، الذي لم يعد من حقه أن يطلب أي قرض من أي مؤسسة مالية أخرى.

في الواقع، وجدت الخارجية الفرنسية نفسها، حسب بيير كيلين، بين مؤسستين قويتين:

  • المؤسسة الأولى مالية خالصة يقودها بنك باريس والأراضي المنخفضة الذي ترجع أولى اهتماماته بالمغرب إلى سنة 1886، والذي كان طموحه أكبر من قرض تجاري يمنحه للمغرب، بل كان يتطلع إلى إقامة بنك فرنسي مغربي يضع المغرب تحت الوصاية المالية الفرنسية، مع أن قوة هذا البنك خلقت عدة أتعاب للكي دورسي إذ لم يكن مجرد مؤسسة مالية تنقاد بسهولة لتعليمات السياسة.
  • المؤسسة الثانية كانت صناعية، إذ تابعت الصناعة الفرنسية الكبرى، ولا سيما النقابة المنجمية التي كان يترأسها شنيدر، أحداث المغرب عن كتب، ولا شك أن الجانب المالي الصرف من المسألة المالية المغربية، والأرباح العائدة من القروض الممنوحة للسلطان لم تكن غايتها، بل ما كان يهمها بالأساس هو مبيعات العتاد الحربي، وصفقات الأشغال الكبرى، واستغلال المعادن، وكان إنجاز كل هذه المشاريع يتطلب أموالا ضخمة، سيحظى من يستطيع توفيرها بامتيازات في السوق الاقتصادية المغربية إن لم نقل احتكارها كليا.

لذلك انكب شنيدر بعناية كبرى على قضية القروض المغربية، كما أنه حاول استغلال مكانة وكلائه داخل البلاط للظفر بمختلف العمليات المالية الممهدة لسيطرته على اقتصاد البلاد، وأظهر ما يكفي من المرونة والتجاوب مع الكي دورسي (Le Quai D’Orsay) حتي ينال ثقة ودعم الحكومة الفرنسية. وهوما حصل عليه فعليا في البداية، الأمر الذي لم يستسغه غريمه بنك باريس والأراضي المنخفضة الذي لم ينس لوزير الخارجية ديلكاسي هذه الإهانة، وجعل مهمته شاقة في إبرام القرضين معا، وفرض في نهاية المطاف نفسه مانحا للمغرب ومستفيدا من مختلف العمليات المالية.

ودفع ديلكاسي إلى القول:

ليس لنا إلا مصلحة واحدة وهي أن يشتد ارتباط السلطان بنا. إن نتائج القرض السياسية تعلو في نظرنا على أي اعتبار آخر، فلا عبرة بالوسيط إلا من جهة نجاعته.

بين اختيار الإصلاح من الداخل والقدرة على تحمل أوجاعه وتجرع مراراته، ودخول دوامة المنح والقروض من الخارج بشروطها، بعد أكل الطعم الذي قد يبدو شهيا في البداية قبل أن يصير مزمنا وفاتكا لاحقا، ضاعت سيادة البلاد مع مطلع القرن العشرين. فقد أدى فشل الإصلاح الجبائي سنة 1901 عمليا إلى طلب أول قرض من فرنسا سنة 1902 بقيمة 7.5 مليون فرنك، ولو بدون بشروط تمس سيادة البلاد.

لكن نفس المؤسسة المانحة لهذا القرض، أي بنك باريس والأراضي المنخفضة، سرعان ما عادت سنة 1904 لتمنح المغرب قرضا أخر قيمته 62.5 مليون فرنك، بشروط قاسية جعلت مصيره ومستقبله المالي رهينة بيد هذا البنك الذي وضع يده على %60 من مداخيل المراسي المغربية لأداء مستحقات القرض. معلنا الشلل التام لمالية المخزن ونهاية تحكمه في أموره المالية. وبعد مرور ست سنوات على طلب هذا القرض كان على السلطان المولى عبد الحفيظ أن يعود لنفس “المانح” ليطلب قرضا جديدا فاق 110 مليون فرنك.

وهو ما أشّر حسب المؤرخ شارل أندري جوليان على نهاية مقومات السيادة المغربية.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق