بيوغرافيا

سيمون بوليفار تعرف على سيرة محرر قارة أمريكا الجنوبية

تمكن سيمون بوليفار (24 يوليوز 1783- دجنبر 1830) من تسيير شؤون البلاد أثناء الحرب الأهلية، وحرر العبيد، وحافظ على وحدة البلاد… فخلد التاريخ ذكره.

سنة 1492، اكتشف کریستوف كولومبس أراضي جديدة، بادرت البلاد الغربية إلى الاستيلاء عليها : أراضي الهنود بأمريكا. وفي أقل من خمسين سنة، كانت إسبانيا قد ضمت مملكة جديدة لسلطة ملك قشتالة. أصبحت بلدان أمريكا الجنوبية تحت سيطرة إسبانيا، باستثناء البرازيل، التي استولى عليها البرتغاليون.

سيمون بوليفار
تمثال سيمون بوليفار

في سنة 1535، مکن میندوزا سلطات مدريد من الاستيلاء على بوليفيا. هكذا أصبح سكان أمريكا منقسمين إلى جنسين : المستوطنون البيض، وهم قلة منعزلة، والهنود المغلوبون على أمرهم، والذين يشتغلون في المناجم. وقد تغيرت الأوضاع بسرعة، فرجال الكنيسة كانوا يصرون على أن يعتبروا أولئك العبيد كائنات بشرية، ويسعون إلى هداية أولئك «الضالين» وتنصيرهم.

وبهذا اندمج جزء من الأهالي في المجموعة التي يشكلها البيض. أكثر من ذلك، فإن اليسوعيين، خلال مهامهم التبشيرية في الباراغواي، حاولوا أن يقيموا نوعا من الحكومة «العادلة».

سميون بوليفار: المولدون والقادمون الجدد

سرعان ما أصبحت هذه البورجوازية المكونة من «المولدین» (criollos) أكثر عددا، كما أنها اكتسبت ثقافة، وأصبحت تناوئ مصالح إسبانيا. وقد تم تشكيل أربع حكومات يرأسها نواب للملك، من أجل الحفاظ على المصالح الإسبانية. وتم الاعتماد على الإكليروس وعلى رجال القضاء الجدد، من أجل السيطرة على السكان البيض بأمريكا، أي على أولئك الإسبان المولودين ببلاد الهنود.

وأصبحت المواجهة أمرا لا مناص منه، بين هذه البورجوازية المحلية، الغنية والمثقفة، وأولئك الأرستقراطيين القادمين من مدريد الذين استأثروا بالمناصب الإدارية والسلط العسكرية.

تأثيرات مباشرة كثيرة

إن أسباب الانتفاضة من أجل الاستقلال (1809) متعددة. فقد تأثر «المولدون» بأفكار فلاسفة الأنوار : فولتير، مونتسکیو، بایل، ثم جان جاك روسو بعد ذلك. وقد حاول أراندا أن يتفاوض مع الإسبان، بهدف الحصول على استقلال لا يؤدي إلى قطيعة مع إسبانيا. وكان رد فعل هذه الأخيرة على جانب كبير من العنف، فاعتقلت عددا من الفرنسيين المقيمين بالبيرو و بوليفيا، ووقعت انتفاضات محلية عديدة تم إخمادها. كان القمع رهيبا، وحشيا.

أما اليسوعيون الذين منعوا من التبشير، منذ 1767، فقد عملوا على تغذية التمرد، بطرقهم الخاصة. وكان میراندا، الذي نجا من أحداث الثورة الفرنسية، يحلم، مع أصدقائه الماسونيين الأمريكان، بأن يكون هنالك وريث للأنکا يحكم بلدا واحدا منقسما إلى مقاطعات. ولكن محاولاته باءت بالفشل. فحين حل بأمريكا اللاتينية، سنة 1807، وحاول أن ينظم حركة كفاح لتحرير أمريكا اللاتينية، كانت النتيجة هي هجوم الخلاسيين، والهنود والسود عليه، باعتباره غازيا، ومارقا على مستوى العقيدة، وأجنبيا. إذن، فالثورة كانت لا تزال في حاجة إلى زعيم.

سيمون بوليفار غني وثائر

إن سيمون خوسي أنطونيو بوليفار إي بالاثيوس كان ثوريا، رغم أنه، في الأصل، من ملاك الأراضي الأغنياء.

وقد قام، وهو في السادسة عشرة من عمره، بجولة في أوربا. وتزوج، في مدريد، بفتاة ماتت بضعة شهور بعد ذلك، فتركت لقضية الحرية رجلا حرا ويائسا. كان شديد الإعجاب ببونابارت، وبقي على إعجابه ذلك، إلى أن توج هذا الأخير نفسه إمبراطورا، سنة 1805. إذاك أخذ عليه بوليفار خيانته.

قضية إسبانيا

سنة 1807، أجبر جيش نابوليون الملك فردینان السابع على التخلي عن الملك، واستولى (ذلك الجيش) على ثلثي إسبانيا. وفي إشبيلية، كان هنالك مجلس للوصاية يمثل العرش لدى مستعمرات إسبانيا، التي بقيت مرتبطة بها رغم مساعي الإمبراطور، إذ إن «المولدين» والنبلاء القادمين من إسبانيا اتحدوا مرة أخرى ضد الهرطوقيين الأجانب. فقد أعلنوا عن إخلاصهم لملك لم يكونوا يعرفونه، وكانوا ينتظرون منه، بالمقابل، أن يمنحهم استقلالية.

رفض مجلس الوصاية ذلك، فأصبحت تلك المستعمرات سيدة نفسها. كان أهلها قد أدركوا أن وضع إسبانيا لا يبيح لها أن ترسل مزيدا من الجيوش إلى بلادهم، ولم يجدوا عناء في طرد الفيالق الإسبانية الضعيفة من هناك. لقد أثرت فيهم الثورة الأمريكية، واستلهموا أحداث الثورة الفرنسية، وتحمسوا لـ «إعلان حقوق الإنسان» (1792)، فقاموا بانتفاضتهم. وأصبحت البيرو حرة منذ يونيو 1809.

أما فنزويلا فأعلنت نفسها جمهورية منتمية إلى الفدرالية، في أبريل 1810. بعدها أصبحت هنالك طُغمٌ محلية تحكم كلا من بوليفيا وغرناطة الجديدة. وفي 18 شتنبر، كانت تلك البلدان كلها قد استقلت، دون معارك ضارية.

الحرب الأهلية

وإذ انتهت الحرب من أجل الاستقلال، بقي مشكل الحكم قائما بالنسبة لهذه الأوطان الفتية. فسرعان ما حلت الفوضى واستعاد النبلاء القادمون من إسبانيا بعض العنفوان.

وقد غير المزارعون والهنود موقعهم. وحاول سيمون بوليفار أن يفرض شيئا من الانضباط العسكري، ولكنه فشل في ذلك. فقد وجد نفسه في مواجهة الأهالي، المناوئين له، والمدعمين من قبل إسبانيا.

فميراندا الذي حل من جديد بالبلاد، بعث في الأذهان صورة الثورة الفرنسية «الملحدة والماسونية»، التي لم يكن أحد ليتعاطف معها. وقد اعتبر میراندا خائنا لكونه تخلى عن موقعه العسكري للإسبان، ولكونه قدم فدية لتخليص الأسرى من الضباط التابعين له، فألقى به بوليفار نفسه في زنزانة مظلمة بقلعة سقطت في اليوم الموالي بين أيدي العدو.

وهكذا مات میراندا دون أن يرى النور مجددا، إذ قدم إلى أولئك الذين كانوا يريدون قتله، مغلول اليدين والرجلين. وحدث زلزال 1812، الذي بلغ عدد ضحاياه 100.000 شخص، والذي لم يمس المدن الإسبانية بسوء، فأجهز على أحلام بوليفار، الذي لاذ بالفرار.

الاستقلال الوطني

عاد بوليفار من جديد، سنة 1817، عبر نهر الأورينوك، وتمكن من كسب تأييد الجماهير. بعد ذلك بثلاث سنوات، أعلن قيام الولايات المتحدة الكولومبية، في بوغوتا. ثم حرر جيش سان مارتين الشيلي. وفي 30 غشت 1821، أصبحت فنزويلا ثالث جمهورية مستقلة. والمكسيك وحدها بقيت تحت سلطة الدكتاتور إتوربید.

لقد تولى سيمون بوليفار الحكم سنة 1828، وكان يغذي في نفسه الأمل في تشكيل الولايات المتحدة لأمريكا الجنوبية. وكان لهذه الكونفدرالية أن تكسب من القوة ما لجارتها الشمالية، ولكن لا هذه الأخيرة، ولا أوروبا كانتا لتحبذا ذلك. وإذ وجد قائد حرب التحرير (EI Libertador : المحرر) نفسه في مواجهة شعب تنكر له، اضطر إلى الفرار من فنزويلا، ثم من كولومبيا. ومات منسيا من قبل الجميع، في 17 دجنبر 1830، تاركا خلفه مجموعة من الدويلات التي تجد عناء في المحافظة على وحدتها.

كرس سيمون بوليفار حياته لتحرير أمريكا اللاتينية من السيطرة الإسبانية، ومكنته عزيمته القوية من إنجاز مشروعه بشكل جزئي. ولكن أحواله الصحية تدهورت، ثم إنه شاخ قبل الأوان… فمات وحيدا، في منفاه الاختياري، يوم 17 دجنبر 1830.

من أجل إدراك أسباب الإخفاق الكبير لأمريكا الجنوبية في تحقيق وحدتها، علينا أن نأخذ الظروف الدولية بعين الاعتبار : فالمصالح الخاصة تغلبت، مرة أخرى، على العواطف الإنسانية النبيلة. إن الجميع كانوا يشيدون بالحرية والمساواة، ولكن ظهور دولة قوية أخرى لم يكن في صالح إنجلترا، ولا فرنسا، ولا الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كانت تلك الدولة ستشكل خطرا على المكانة الرفيعة التي تحتلها تلك القوى العظمى، في المستوى الاقتصادي، بل والسياسي.

يمكننا أن نستخلص نتيجتين مما سلف : أن الثورات لا تنجح، في الغالب، إلا بموافقة ضمنية من القوى الخارجية، ثم إنه يجب، في الكثير من الأحيان، أن تفرض هذه الثورات نفسها، بالقوة، في أوطانها.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق