التاريخ الاقتصادي

صناعة الزجاج.. تعرف على تاريخ تطور فن صناعة الزجاج

الاشتغال على الزجاج من أقدم الصناعات. بل إن هذه الممارسة أي صناعة الزجاج قد أسهمت تحقيق التقدم لبني الإنسان. فالزجاج يقاوم الضغط، شأنه في ذلك شأن الحجر. وهو عازل للحرارة، مثل الخشب. ويمكن الاشتغال عليه بدقة كبيرة جدا، كما يمكن لحمه بالمعادن. وهو لا يتأكل بسهولة. والألماس هو وحده الذي يحززه.

إن للمواد الزجاجية حضورها في حياتنا اليومية.. وقبل أقل من قرنين، كان امتلاك تلك المواد يعد دليلا على الترف…

صناعة الزجاج : أصلها وفصلها

علينا أن نبتدئ بالكلام على العصر الحديدي… فلا شك أن أسلافنا قد لاحظوا، خلال تلك الأيام الموغلة في القدم، أن ثمة طبقة من الخبث السائل تتشكل على سطح مادة معدنية معينة، وهي في الفرن : تلك طبقة شبه شفافة، يكسوها لون ما. وهي تغطي الركاز المحتوي على الحديد، إذ يكون في حالة انصهار. وكان ذلك «الخبث»، الذي يتبدى على شكل قطرات يحول إلى حبات تشكل منها عقود وأسورة تتحلى بها النساء.

تاريخ صناعة الزجاج

وعلى امتداد وقت طويل، كانت تقنية الاشتغال على الزجاج شديدة التدني. فقد كان يعالج مثلما المعادن، نعني أنه كان يتم تسييله. وهنالك رسوم جدارية في «بني حسن» بمصر، تظهر فيها كل مراحل نفخ الزجاج، بالصورة التي كان يمارس بها قبل أربعة آلاف سنة. وهكذا يتضح لنا أنه كانت تتبع إذاك طرائق ملائمة في الاشتغال على الزجاج. أما أوائل المدن التي شهدت الاشتغال على الزجاج، في تلك الأزمنة، فكانت هي طيبة. أولا، ثم صيدا (صیدون قديما) وصور بلبنان حاليا. بعد ذلك انتشر هذا الضرب من الصناعة في بلاد فارس، ومنها انتقل إلى الهند، حيث كان المشتغلون به مهرة إلى حد أنهم صنعوا من الزجاج ما يشبه الأحجار الكريمة.

حسب أرسطوفانیس، فإن الإغريق قد أخذوا فن التزجيج عن المصريين القدامى، كما أنهم كانوا، فيما يبدو، على علم بخصائص العدسات اللامة. ذلك أن الشاعر المذكور قد أشار إلى وجود جسم يتميز بكونه إذا وضع بين الشمس وأسطر مكتوبة، فهو يجعل تلك الأسطر تحترق.

واستقى الرومان بدورهم تقنيات الاشتغال على الزجاج من المصريين. وقد اكتشفت بيوت لم تزل نوافذها تحمل قطع زجاج، بـ «پومپيي Pompeii» وبـ «هیرکولانوم». كما تم العثور على كؤوس وأباريق في السراديب التي كانت مخصصة للأموات بروما. وفي قعر تلك الكؤوس والأباريق تتبدى رسوم مشكلة بالذهب. كما أن الزجاجين الغاليين كانوا معروفين بالمهارة.

وبعد سقوط الإمبراطورية الغربية (476م)، لجأ الزجاجون الأوربيون إلى بيزنطية، حيث كانت معامل الزجاج تعرف نشاطا متزايدا. وذلك كان أيضا حال مصانع الزجاج ببلاد الشام، وفي اليونان والإسكندرية. أما البلدان الأوربية، عدا اليونان، فقد أهملت فيها صناعة الزجاج إلى حد بعيد. وهكذا لم يعد هنالك زجاج بالنوافذ في أروبا خلال العصر الوسيط… فتلك النوافذ الضيقة كانت تكسي بالرقوق أو بورق يتم نقعه في خلاصة التربنتين TURPENTINE (صمغ البطم) إلى أن يصبح شبه شفاف. ولم تكن هنالك نوافذ بها زجاج إلا في الكنائس إذ كانت نوافذها مزينة بصفائح من الزجاج الملون يشدها إلى بعضها بقضبان من رصاص.

فن صناعة الزجاج بأوربا

خلال القرن الثالث عشر للميلاد، استقدم الأمراء بفنيسيا (البندقية) زجاجين من بیزنطية، وجعلوهم يستقرون بجزيرة مورانو، حيث لا تزال معامل الزجاج قائمة إلى أيامنا هاته. كان هناك تكتم شديد على أسرار تلك الصناعة. ولم يكن بإمكان العارفين بها من الصناع أن يرحلوا إلى بلد آخر، وإلا تعرضوا لأصناف رهيبة من التنكيل.

وفي فرنسا، توصل فیلیب کاکراي إلى صنع ما سمي أنذاك (1330) بـ «الأطباق الزجاجية»، وهي صفائح رقيقة من زجاج. وقد أنعم عليه فیلیپ الرابع بأن مكنه من إقامة معمل تزجيج في «بيزو» بنورمانديا. وتم الاعتراف الفعلي بجمعية الزجاجين الرسامين سنة 1467، إذ قبلت القوانين المؤسسة لها من طرف لويس الحادي عشر. ثم إن فرنسوا الأول -استعدادا منه لاستقبال الإمبراطور شارل الخامس– أمر بتوسيع نوافذ قصر اللوفر لتصنع لها صفائح زجاجية جديدة.

وفي نهاية القرن الخامس عشر تقريبا، أصبح الزجاجون الألمان ينافسون أقرانهم الإيطاليين. وقتها تأسست معامل التزجيج الأولى في بوهيميا Bohemia، وبها كانت تصنع أشياء بديعة حقا. وقد كتب مونتيني في مذكراته ما يلي (إثر رحلة قام بها إلى أوغسبورغ سنة 1561) :

إن ما يجعل زجاج نوافذ الألمان يلتمع بشدة هو أن نوافذهم ليست مصنوعة حسب التقليد السائد عندنا، فبمقدورهم تحريك أطرها متى شاؤوا ذلك، كما أنهم يلمعون باستمرار زجاجها المزخرف.

وفي سنة 1698، فکر زجاج من شيربورغ، هو لوكادي نيهو، في إحلال عملية تسييل الزجاج محل النفخ فيه، من أجل صنع المرايا.

وطبقت هذه الفكرة في معمل سان غوبان، الذي كان قد أسس قبل ذلك بثلاث عشرة سنة. وفي 1815، أقيم أول معمل للبلوریات بفرنسا (في «باکارا Baccarat» تحديدا.

لكن، ما هو الزجاج؟ ومن ماذا يصنع؟

إنه جسم صلب وشفاف، يتم الحصول عليه بصهر الرمل الصواني الذي يخالطه البوتاس وكربونات الصوديوم. إنه أيضا من الأجسام التي ينعتها الكيميائيون بـ «الزجاجية والشبزجاجية» أي أنها أجسام لا تتبلر حين تتصلب بعد الصهر. والزجاج الخالص إلى أبعد الحدود ينعت خطأ، في اللغة الفرنسية بـ “الكريستال” (البلور)، والحال أن “الكريستال” أو المرو (الكوارتز) هو جسم یکتسي أشكالا هندسية، ويعثر عليه بين العديد من الصخور.

أما عن الطرائق المعتمدة في مجال التزجيج، فهي كثيرة… وهي معطيات تتعلق بصناعة الكرات الزجاجية التي تسمى في إيطاليا Millefiori. نفتتح الكلام عليها بالحكاية التالية :

في عهد الإمبراطور تيباريوس – يروي بترونيوس Petronius في مؤلفه “ساتیریکون” – صنع أحد العمال كرة من زجاج غير قابلة للانكسار. وقد سُمح له بأن يقدمها للإمبراطور. وبعد أن أخذها العامل بيديه، ضرب بها الأرضية المبلطة. تخوف السلطان مما قد يترتب عن فعلة العامل، لكن هذا الأخير التقط کرته الزجاجية التي كانت قد طعجت مثلما وعاء من برونز. إذاك أخرج العامل مطرقة كانت معلقة بحزامه، وبهدوء أعاد الكرة الزجاجية إلى حالتها الأولى (…) – هل هنالك شخص غيرك يعرف سر هذا الضرب من تشکیل الزجاج؟ سأله الإمبراطور. وإذ أجاب العامل بالنفي، أمر الإمبراطور (القيصر) بقطع رأسه، فقد فكر أنه لو ذاع سر هذه الصناعة، لأصبح للذهب نفس قيمة الوحل.

كيف تصنع الإعمال الزجاجية بتقنية مليفيوري

وفي الواقع، فإن صناعة هذه الكرات المسماة «مليفيوري» Millefiori ظهرت، بادئ ذي بدء، في فينيسيا (البندقية) بإيطاليا. ويتطلب هذا الضرب من الصناعة مهارة وحذقا كبيرين، إضافة إلى الذوق الفني والخيال المبدع. فعلى الزَجَّاج أن يبدأ بصنع مجموعة من أنابيب الميناء – كل منها مكون بدوره من أنابيب صغيرة – وذلك باستعمال أداة شبيهة بالملحام. وبعد أن تسخن تلك الأنابيب، يتم وضعها بداخل كتلة من البلور المنصهر إلى حد كاف، بحيث يغلفها دون أن يغير شكلها.

إثر ذلك، تتم إدارة الجسم المحصل عليه، فوق طاولة من فولاذ، إلى أن يكتسب شکلا أسطوانيا. وبعد أن يسخن هذا الجسم الأسطواني، يمنح شکلا کرويا، وتستعمل من أجل ذلك صفيحة حديدية. ثم توضع الكرة بداخل وعاء خاص، مبلل، وتدار بداخله إلى أن يكتسي شكلها الكروي طابع الكمال. ثم توضع الكرة داخل فرن وتترك فيه، أحيانا، لأيام عديدة (إذ ترتبط المدة التي تترك خلالها داخل الفرن بحجمها). وأخيرا يجب أن تتم عملية تقويم شكل القعر بحذق وحرص. ويستعمل من أجل ذلك، مسن يجعل القعر مستویا تماما.

حوالي سنة 1845، شرع في صنع هذا الضرب من الكرات بفرنسا. كان ذلك يتم في معامل توجد ببکارا وكليشي وسان لويس. ومصانع الزجاج بکارا وحدها هي التي لا تزال تنتج، إلى اليوم، هذا النوع من الكرات (بأعداد قليلة). وبالإضافة إلى الكرات الزجاجية الشبيهة باليشب، والمتعددة الألوان أو المزينة بباقة أزهار (توجد بداخلها طبعا)، هنالك كرات زجاجية تحمل (بداخلها دائما) صورة نابليون الثالث أو الملكة فيكتوريا، أو صورتي ملك وملكة إنجلترا. وقبل حوالي ربع قرن، كانت الكرات الزجاجية المسماة «میلفيوري» millefiori تصنع أيضا في معمل الزجاج الموجود في مونتي، بسويسرا .

صناعة الزجاج في العصر الحديث

انطلقت التكنولوجيا الميكانيكية لإنتاج الزجاج بالجملة في المراحل الأخيرة من الثورة الصناعية مع اختراع مايكل جيه أوينز لآلة نفخ الزجاجات الأوتوماتيكية في عام 1903 حيث أحدثت هذه التقنية ثورة في صناعة الزجاجات والتي تمكن من إنتاج 2500 زجاجة في الساعة.

في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، قدم السير أليستر بيلكينغتون Alastair Pilkington طريقة إنتاج الزجاج المسطح والتي لا يزال يتم تصنيع ٪90 من الزجاج المسطح بواسطتها حتى يومنا هذا.

بعد عام 1890، ازداد تطوير وتصنيع واستخدام الزجاج بسرعة. لقد تطور الزجاج من خلال التقنيات المتقدمة ويستمر التطور التكنولوجي بشكل طبيعي. إلى اليوم. صناعة الزجاج هي صناعة حديثة عالية التقنية. فمصانع الزجاج الحديثة قادرة على صنع ملايين العبوات الزجاجية يوميا بألوان مختلفة وقد تم تطويرها للإنتاج الدقيق المستمر لأنابيب الألواح الزجاجية والحاويات والمصابيح والأواني ومجموعة من المنتجات الزجاجية الأخرى.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق