التاريخ المغاربي

عبد الكريم الخطابي.. قائد جيش تحرير المغرب العربي

تستعصي على المؤرخين مسألة، تصنيف ” ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي “ (1921-1925). فهي بالأساس ثورة مسلحة، وبالتالي فلها ما يجمعها مع “حركة الجهاد” الممتدة في المغرب من 1903 (انتفاضة فكيك ضد مناورات الجيش الفرنسي في الجزائر) إلى 1936 تاريخ انطفاء آخر المساندين لحركة جهاد أحمد الهيبة ماء العينين في إداوتنان جنوب المغرب.

كما أن هذا الرابط، أي مقاومة الأجنبي بالسلاح، يجمع “ثورة الخطابي” بحركة المقاومة المسلحة داخل المدن والقرى ما بين 1949 و 1956. إلا أنها تختلف جوهريا عن حركة الجهاد في كونها حاملة لبرنامج سياسي وغير مستند فقط على البعد الديني، كما أنها في فعلها الميداني تتميز بتنظيم محكم ذي قيادة موحدة. هاتان الخَاصيتان انعدمتا في “حركة الجهاد”.

حمل عبد الكريم الخطابي مشروعه التحرري للمنفى

تختلف، أيضا، “ثورة عبد الكريم الخطابي” عن “حركة المقاومة المسلحة” (1956 – 1949)، في كون هذه الأخيرة تندرج ضمن مشروع “الدولة الوطنية المستقلة”، أي الدولة القطرية على تراب ما كان يسمى “المغرب الأقصى” أو مراكش، بينما “الثورة الريفية” كانت تطمح لكيان أوسع من الدولة القطرية. حتى أن نعت الجمهورية لم يكن إلا إشارة مؤقتة لإقليم أو قاعدة انطلاق لبناء دولاتي أوسع لا في مجاله ولا في فعله وتوقعه في عالم النصف الأول من القرن العشرين.

لم ينحصر طموح الخطابي في منطقة “الريف الشرقي”، ولا حتى في عموم التراب المغربي، بل كان تصوره يعانق الفضاء المغاربي ويرنو إلى العالمين العربي والإسلامي. إن طبيعة “الوطنية” التي يحملها الخطابي، كما يؤكد ذلك المؤرخ الفرنسي روني كاليصو، كانت قومية وإسلامية وتحررية. فلأنها كذلك لم تجد أي مجال للتفاوض مع القوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، فهذه الأخيرة، بالرغم من تشبثها بتواجدها داخل المستعمرات، والقتال لتحصين نفودها، فإنها كانت عند الضرورة مستعدة للحوار حول صيغة التعامل، وربما الاستقلال، في إطار تصور لكيانات قطرية وفق خريطة تضمن على الأقل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الاستعمارية.

تصور الخطابي كان خارج أفق الحلول الاستراتيجية المحتملة لقوى المهيمنة دوليا مؤقتا. فراديكالية مشروع عبد الكريم الخطابي فرضت على القوى الاستعمارية الاتحاد لمقاومته بشراسة وبكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوية.

وبالرغم من ملحمته الخالدة، اضطر إلى الاستسلام وإلى قبول النفي والإبعاد. هكذا سيبعد بطل الريف عن الفعل السياسي المغربي والمغاربي من 1927 إلى 1947. وسيحمل معه للمنفي مشروعه التحرري.

ستشهد المنطقة المغاربية، خلال العقدين اللذين غيب فيهما عبد الكريم الخطابي في جزيرة “لارينيون“، أحداثا سياسية مهمة، على رأسها تأسيس وانطلاق الحركات الوطنية الاستقلالية في شمال افريقيا. كان أفق هذه الحركات، تحرري، إلا أنها تشكلت كأحزاب سياسية علنية، تشتغل في الفضاءات العمومية بشكل مدني وسلمي، في إطار القانون الجاري به العمل، لذلك تمحورت برامجها السياسية على المعارضة والتنديد بواقع الدونية الذي وضعت فيه الجماهير المغاربية التي سجنت في وضع “الأهالي“.

كما أن سقف هذه البرامج لم يتجاوز المطالب بإصلاح أنظمة الحسابات أو نظام المستعمرة، في الجزائر سيصطدم المسعى المدني السلمي للحركات الوطنية المغاربية بالاستبداد الاستعماري وببطش مصالحه الأمنية وجيوشة المحتلة، هكذا ستشهد مدينة تونس يوم تاسع أبريل 1938 أحداثا دامية إثر مظاهرات سلمية مطالبة بالعدل والإنصاف والعيش الكريم للتونسيين، فتدخلت القوات الأمنية المسلحة وقتلت بدون تمييز العشرات من المواطنين العزل.

من العريضة إلى البندقية

سنوات بعد ذلك، وعند نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن كانت الجزائر الحاضنة للبرلمان والحكومة الفرنسيتين المؤقتين، أي ما كان يصطلح على تسميته خلال الحرب ب “فرنسا الحرة” التي كانت يقودها الجنرال دوغول، ستقترف الجيوش الفرنسية الرابضة بالجزائر، يوم 8 ماي 1945 مجزرة كبيرة بمدينة سطيف، وبذلك ستكون الرسالة الموجهة للجزائريين هي أن الحرية والمساواة والحضارة التي حارب من أجلها الحلفاء وأبناء المستعمرات المغاربية، لا يستحقها إلا الأوربيون، أما المغاربيون فلا زالوا تحت الحجر والوصاية.

أما في المغرب، وفي ظل حكم مقيم عام مدني وليبرالي، إيريك لابون، فقد دبرت إدارة الشؤون السياسية والأهلية، بتوجيه من فيليب بونيفاس، حاكم الدار البيضاء، مجزرة وحشية ضد سكان حيين شعبيين، الدرب الكبير، وبنمسيك، يوم سابع أبريل 1947، الحادثة معروفة باسم “دقت ساليكان” لكون منفذيها جنودا في “جيش إفريقيا” الفرنسي وأصلهم من افريقيا ما وراء الصحراء، جزء منهم من السينغال تزامنت هذه الأحداث مع الزيارة التاريخية للسلطان سيدي محمد بن يوسف إلى طنجة وشمال المغرب يومي 9 و 10 أبريل 1947. كان الهدف من هذه المجزرة هو إرهاب الوطنيين لإلغاء الزيارة السلطانية وتقويض مجهودات التفاهم السياسي مع المقيم العام الليبرالي، تمت الزيارة بالرغم من هول المجزرة.

ستؤسس هذه الأحداث الثلاثة، في كل من تونس والجزائر والمغرب، لصدمات عنيفة ستعتصر قواعد الحركات الوطنية المغاربية. ففي كل بلد من بلدان شمال إفريقيا، ستتسائل أجيال من الوطنيين حول جدوى العمل السياسي السلمي في ظل أنظمة استعمارية لا تتردد في سفك الدماء وقطع الرؤوس، وستنطلق وفق ذلك سيرورة شرعنة العنف الوطني مقابل العنف الاستعماري.

وبالتدريج ستتأسس سريا خلايا لإعداد تنظيمات المقاومة المسلحة ضد المستعمر وقواته ومصالحه. طبعا، هناك اختلافات بين تجارب الوطنيين في شمال إفريقيا، إلا أن السيرورة واحدة. فبعض أطر الأحزاب الوطنية، وجزء لا بأس به من قواعدها والمتعاطفين معها، سيقتنعون بضرورة الانتقال من العمل السياسي السلمي إلى المقاومة المسلحة.

هكذا سيتطور اختلاف الرأي والتقدير إلى شرخ وتعارض بين حملة “العرائض والأقلام” و “حملة البندقية والسلاح”، ولن يسلم أي حزب وطني من الجدال والمواجهات، لا حزب الدستور التونسي، ولا حزب الشعب الجزائري، ولا حزب الاستقلال المغربي. وسيشكل هذا هرسا لم يجبر لحد الساعة.

بين القاهرة وباريس

ستتأسس “جامعة الدول العربية” في بحر سنة 1945، في جو يمتاز بترعرع الفكر القومي العربي. سيفتح هذا التأسيس أفقا أخر من النضال ضد الاستعمار. داخل العالم العربي، وستتداخل مفاهيم الأمة العربية والأمة الإسلامية والأمم القطرية المحورية التونسية المغربية، العراقية.. وستصبح القاهرة مقر الجامعة العربية، مثلها مثل نيويورك مقر هيئة الأمم المتحدة، وجهة ممتازة تقصدها الشخصيات والأحزاب الوطنية العربية الطامحة للاستقلال والتحرر من القيود الاستعمارية.

لن تشد أحزاب شمال إفريقيا عن هذه القاعدة، وستبعث ممثليها للجامعة العربية ملتمسة الاعتراف والدعم السياسي والمادي، هكذا، سيتشكل داخل الجامعة العربية يوم 22 فبراير 1947 “مكتب المغرب العربي”، وسيهدف إلى تنسيق وتوحيد نضالات الحركات الوطنية الاستقلالية المغاربية بدعم من الجامعة العربية. إلى حدود هذا التاريخ، كانت المنطقة المغاربية تسمى “شمال إفريقيا”، فبرز اسم “المغرب العربي” في القاهرة واسم “ماغريب” Maghreb في باريس، وكل منهما حامل لمضمون متميز للوحدة المغاربية.

مصطلح “المغرب العربي” ولد في خضم تبلور الفكر القومي ومقابله “المشرق العربي” وكلاهما يجسد، مرحلة انتقالية نحو كيان عربي واحدة قاعدته أمة عربية واحدة. لكن هذا المصطلح الذي ظهر في سياق نمو الحركات التحررية ومقاومة الاستعمار.. وقد أصبح اليوم متجاوزا وتم تعويضه بمصلح المغرب الكبير الذي يتسع لجميع أبناء الدول المغاربية على اختلاف انتماءتهم الإثنية.

أما مصطلح “ماغريب Maghreb” فينطلق من وجود بلدان ثلاثة (تونس) الجزائر، المغرب)، ويهدف انطلاقا من تنسيق عمل الأحزاب الثلاثة (حزب الدستور الجديد، حزب الشعب الجزائري، وحزب الاستقلال المغربي) إلى استقلال كل بلد، ثم تأسيس كيان جامع في شكل فيدرالية أو كونفديرالية. سيتعايش التصوران للوحدة المغاربية داخل كل حزب وكل قطر، ولن يتنازعا إلا خلال الظرفيات السياسية الخاصة، تلك التي تتطلب الحسم في قضايا محورية كالانتقال للكفاح المسلح، أو الدخول في مفاوضات مع المستعمر.

إلا أن هذا التعارض حول مفهوم الوحدة المغاربية، أي الاندماجية أو الفدرالية، سيتفاقم ليتحول إلى هرس ثان خلال ظرفية استقلال تونس واستقلال المغرب.

داخل كل بلد مغاربي، وبشبه استقلال عن الآخرين، ستتطور الأنوية الأولى المقتنعة بالمقاومة المسلحة إلى تنظيمات مهيكلة، وإلى شبكات منظمة سرية، وفي شبه طلاق مع التشكيلات السياسية الشرعية. ستنطلق العمليات الفدائية الأولى في تونس والمغرب خلال سنة 1952، وفي الجزائر خلال سنة 1954. إلا أن الحديث عن “جيش التحرير“، لم يكتس صبغة الجدية إلا بعد حدوث “ثورة يوليوز” المصرية التي أتت بـ “الضباط الأحرار“، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر لقيادة مصر.

بعد هذا التحول الجوهري في مصر، سيخف دور الجامعة العربية أمام ثقل تدخل “الضباط الأحرار” المصريين في الشؤون المغاربية.

الأمير الخطابي يستعيد مشروعه

عزمت فرنسا بعد حملة عربية من أجل إنهاء نفي الخطابي، إلى نقله من جزيرة لاريينيون إلى فرنسا، وخلال عبوره لقناة السويس توقفت الباخرة التي كانت تنقله في ميناء بورسعيد. استغل الوطنيون المغاربيون هذا التوقف، فأنزلوا الأمير ونقلوه لضيافة الجامعة العربية، فوضع بذلك حد لمرحلة النفي والتغييب وكان ذلك يوم 31 ماي 1947.

تكريما لهذا الرمز الشامخ، عرضت عليه رئاسة ” مكتب المغرب العربي ” فقبل بذلك. هكذا، سيستعيد عبد الكريم الخطابي مشروعه التحرري الواسع في نفس الوقت الذي سيتعرف على الحركات الوطنية المغاربية ومساراتها المختلفة، وخصوصا تعارضاتها وتناقضاتها. وستتزامن ظرفية استقراره بالقاهرة مع تدافع الأحداث في فلسطين، واتجاهها نحو التقسيم، وبالتالي شرعنة الأمم المتحدة للتواجد الصهيوني بالمنطقة. بايعاز من “الإخوان المسلمين” في مصر سيوجه الخطابي، في بحر نونبر 1947، نداء للجهاد في فلسطين، للعرب والمسلمين.

فاستجاب لنداء الأمير شباب عرب ومغاربيون، حسب شهادة الهاشمي الطود، فقد كان المتطوعون المغاربيون قرابة تسعمائة رجلا معظمهم ليبيون، أما المغاربة فقد كانوا أحد عشر مجاهدا من ضمنهم الهاشمي الطود. سيخوض هؤلاء معارك فدائية في غزة والضفة الغربية وقرب حيفا ضد عصابات الصهاينة، وسيعيشون صدمة هزيمة الجيوش العربية سنة 1948، سيعود إلى القاهرة من بقي من هؤلاء الشباب المغاربي المتطوع على قيد الحياة، وسيعمل الأمير الخطابي على تسجيلهم في الكليات العسكرية العربية.

فوج توجه إلى الكلية العسكرية المصرية، وأخر إلى السورية وثالث إلى العراقية، لما تخرجوا كضباط بداية الخمسينات من القرن الماضي، استقبلهم الأمير، وشرع يفكر معهم في مشروع تأسيس “جيش تحرير المغرب العربي”.

خلال أحداث فلسطين، تأسست بالقاهرة بعد مشاورات بين القوى المغاربية، يوم 9 دجنبر 1947، “لجنة تحرير المغرب العربي” وتم الإعلان عنها عبر بيان للأميريوم 5 يناير 1948، عين الخطابي رئيسا دائما للجنة وأخوه امحمد نائبا عنه، أما الكاتب العام وأمين الصندوق فقد تناوب على مسؤوليتهما شخصيات سياسية مغاربية.

في البداية عادت المسؤولية للحبيب بورقيبة وامحمد بن عبود، ثم عوضهما علال الفاسي والحبيب تامر. ركز ميثاق اللجنة على ضرورة العمل المشترك والاتحاد التام بين الأحزاب المغاربية، والنضال المستميت من أجل الاستقلال التام للأقطار الثلاثة. ونبه الميثاق إلى أن استقلال البلدان الثلاثة مسألة مترابطة، وأن لا مفاوضات مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر، ولا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال.

شدد الخطابي في البيان، الذي عممه على الصحافة، أننا في البلدان الثلاتة نعتبر قضيتنا قضية واحدة، ونواجه الاستعمار متحدين متساندين، ولن يرضينا أي حل لا يحقق استقلالنا الناجح، وسيادتنا التامة”. وأكد أن المطلوب من الاستعمارين الفرنسي والاسباني هو الاستجابة للمطلب السلمي للاستقلال، أما إذا تنكروا لهذا المسعى “فسيكونون المسؤولين عن تغيير خطتنا، ولأننا لن نتأخر – إذا نحن يئسنا من استرجاع استقلالنا بطريق التفاهم والإقناع – عن استرجاعه بطريق التضحية وبذل النفوس”.

كان الحديث موجها، بالأساس، للسلطات الاستعمارية الفرنسية، إلا أن هذه الأخيرة، في ظل الجمهورية الرابعة، كانت قد تركت مسألة المستعمرات للتوجهات الأكثر تشددا واستبدادا وبطشا. بالنسبة للمغرب، كان الجنرال جوان قد عوض الليبرالي إيريك لابون، وكان هدفه المعلن هو ترويض المغاربة وسلطانهم، وتمريغ كرامتهم في الوحل.

قيادة سرية لجيش مغربي

لن ينتظر عبد الكريم الخطابي طويلا، للانتقال بـ “لجنة تحرير المغرب العربي” إلى خطة مواجهة التغطرس الاستعماري بالقوة. فاحتضن الضباط الشباب المتخرجين من الأكاديميات العسكرية العربية، وشكل قيادة سرية لجيش مغربي هو “جيش تحرير المغرب العربي”.

ونظرا للاختلافات السياسية للوطنيين المغاربيين المتواجدين بالقاهرة، فضل الاتصال مباشرة بالمسؤولين الميدانيين داخل الأقطار الثلاثة. أما ليبيا التي كانت قد أحرزت على استقلالها في شهر مارس 1952، فقد كان مشروع الخطابي يتضمن بالنسبة إليها، إقامة قاعدة خلفية للجيش تتوفر على معسكرات تدريب ومرافق للإيواء المؤقت. وقد ساعدته صداقته مع الملك السنوسي على إنجاز ذلك.

سينتدب امحمد بن عبد الكريم، أخ الأمير ونائبه، ثلاثة ضباط لمهام استطلاع الأمر داخل البلدان الثلاثة: الضابط عز الدين عزوز التونسي، المتخرج من الكلية العسكرية بدمشق، والعامل في صفوف الجيش السوري، مهمته استطلاع الوضع في تونس، الضابط محمد حمادي العزيز المغربي خريج الكلية الحربية بغداد، والضابط الهاشمي الطود، المتطوع للجهاد في فلسطين والخريج من الكلية العراقية أيضا مهمتهما الاتصال الرسمي بالأحزاب المغاربية في تونس والجزائر والمغرب ومسألتهما عن استعدادهما للدخول في عمل مسلح.

لا نتوفر اليوم على الأرشيف الكامل ” للجنة تحرير المغرب العربي “، وما هو متاح في أرشيفات الجامعة العربية ضئيل جدا. إلا أن شهادات الفاعلين منشورة ومتوفرة، فكل من “الفرسان الثلاثة” محمد حمادي العزيز والهاشمي الطود، وعز الدين عزوز، كتب مذكراته ودقق رحلاته ولقاءاته مع الأمير عبد الكريم الخطابي .

يستنتج من هذه المذاكرات الخصبة أن التعارض بين “حاملي العرائض” و “حاملي السلاح” تفاقم داخل البلدان الثلاثة. كما أن السياسيين في تونس والمغرب لا زالوا يراهنون على إيجاد صيغ سلمية للوصول إلى الاستقلال. تمت الزيارات الاستطلاعية في بحر سنتي 1951 – 1952، ولم يتم الاتفاق بشكل صريح إلا مع وفد جزائري برئاسة بنيوسف بن خدة وعضوية عبد الحميد مهري.

ستتراكم التعارضات داخل الأوساط الوطنية في كل قطر على حدة بالرغم من تشابه التموقعات. فبالإضافة إلى اختلاف التصورات حول الوحدة المغاربية، ستتوزع النخب الوطنية على ثلاثة توجهات الأول يائس من السياسة المدنية ولا يرى كطريق إلا المقاومة المسلحة.

والثاني يراهن أولا على نجاح مساعي المنتظم الدولي والرأي العام الديمقراطي الفرنسي، ويعلن مبدئيا استعداده للمقاومة المسلحة إذا فشلت المساعي الحميدة. الثالث لا يؤمن إلا بالفعل المدني وبالمفاوضات ويعتبر العمليات المسلحة نوعا من الإرهاب.

معضلات جيش التحرير

سيواجه عبد الكريم الخطابي ونواته، التي تقود جيش تحرير المغرب العربي معضلة ليست بالهينة في خمسينات القرن الماضي، ويتعلق الأمر ببعده من جهة عن القيادات المحلية الحاملة فعلا للسلاح والمنخرطة في تنظيمات قطرية للمقاومة المسلحة، وقربه من جهة أخرى، في القاهرة، من السياسيين الذين لا يضعون خيار حمل السلاح إلا في الدرجة الثانية، وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي. عزاءه الوحيد كان في الطرف الجزائري، لذلك ضعف دور المراهنين على المقاربة السلمية.

أمام هذا التعقيد، ستتداخل الاسترتيجيات وستتراكب الممارسات وسيكون ظاهرها عمل موحد في إطار “لجنة تحرير المغرب العربي” إلا أن باطنها تعدد التصورات وتنافس القيادات وتعارض المساعي.

سينضاف لهذا الواقع المركب تعقيد جديد يتمثل في دخول الطرف المصري، بعد ثورة الضباط الأحرار في 29 يوليوز 1952، في المعادلة المغاربية. فالنفس القومى للثورة المصرية سيدفع بضباطها إلى محاولة استدراج المغاربيين لإستراتيجيتهم عبر مساعدتهم بالسلاح والمال. في كتاب ضخم من 700 صفحة يحكي الضابط المصري فتحي الديب “حقيقته” حول الثورات المغاربية، وبطبيعة الحال ينسب معظم منجزاتها للثورة المصرية ولجمال عبد الناصر.

أما الأمير عبد الكريم الخطابي فقد راهن على فعالية المقاومة المسلحة والريادة المحتملة لضباطه، والدينامية الشعبية الوحدوية على قاعدة السلام والعروبة. هكذا أنشأ في مصر وفي ليبيا معسكرات للتدريب، ودقق مع ضباطه في الجناح العسكري لـ “لجنة تحرير المغرب العربي”، التي كان يرأسها أخوه امحمد بصفة سرية، الخطط الاستراتيجية والميدانية لـ جيش تحرير المغرب العربي المزعوم إنشاؤه وتطويره، إلا أن التطورات الميدانية الفعلية ستسير في اتجاه قيام جيوش تحرير مستقلة بعضها عن بعض في كل من تونس والجزائر والمغرب، وسيضطر الأمير وضباطه إلى اعتبار قيادات هذه الجيوش قيادات ميدانية بينما القيادة العليا هي “لجنة تحرير المغرب العربي”.

ستساهم القيادات السياسية المغاربة المتواجدين بالقاهرة في ديمومة هذا الخلط، خصوصا أن واجب التضامن كان يفرض على التونسيين والمغاربة التعاون مع “جبهة التحرير الجزائرية”، وأن هذه الأخيرة خصوصا بعد بروز أحمد بن بلة كأبرز زعمائها، كانت تحظى بدعم خاص من لدن “الضباط الأحرار”.

هكذا، أصبح جيش تحرير المغرب العربي هيئة سرية للإشراف على جيوش تحرير محلية مستقلة في عملها الميداني وتصورها السياسي عن القيادات المفروض تمثيلها في القاهرة.

من الاستعمار إلى الاستقلالات القطرية

سيتسارع التاريخ في المنطقة المغاربية منذ نهاية سنة 1954 وبدايات سنة 1955. سيدخل السياسيون والمغاربة في لقاءات مع السلطات الفرنسية، سيعتبر الخطابي أن هذا المنحى مناف لميثاق « لجنة تحرير المغرب العربي » القائل بلا مفاوضات إلا بعد إعلان الاستقلال، ولا استقلال إلا شاملة للأقطار الثلاثة، وكان التخوف الأكبر هو أن يكون الأمن السياسي الاستراتيجي لاستقلال تونس والمغرب هو بقاء الجزائر فرنسية.

هذه هي الخلفية السياسية لغضب الأمير الخطابي على الحبيب بورقيبة وعلى علال الفاسي، وهي نفسها التي كانت وراء نشر البيانات النارية المنددة بالمساعي الانفرادية التونسية والمغربية، والتي عبرها يوجه نداءات إلى «المجاهدين» في تونس والمغرب يحثهم فيها بعدم وضع السلاح بالرغم من الاستقلالات، وبالاستمرار في دعم الإخوة الجزائريين إلى أن يحرروا كامل التراب المغاربي.

سيستغل المصريون «غضبة» الأمير هاته، وبمساعدة «جبهة التحرير الجزائرية» ستتنامى حملة التنديد بالسياسيين وتمجيد حاملي السلاح. هكذا سيتوزع « المجاهدون » داخل جيوش التحرير في تونس والمغرب بعد الاستقلالات، أي خلال سنة 1956 بين الولاء لحلم الخطابي والاندماج في المؤسسات العسكرية للدول الوطنية الناشئة.

يبدو أن بعض الفرق المسلحة في تونس والمغرب، المعادية للأحزاب السياسية والمرتبطة عضويا بـ “جبهة تحرير المغرب الجزائرية” أعلنت ولاءها للأمير واعتبرها عبد الكريم الخطابي وضباطه وحدات لـ جيش تحرير المغرب العربي. ما عدا هذا الاحتمال الذي تثبته لحد الأن وثائق أرشيفية، فإن مشروع « جيش تحرير المغرب العربي » لم تكن له شروط واقعية للتشكل، نظراً لتباين التصورات ولقوة النزوع القطري بالرغم من الخطاب القومي والإسلامي الذي كان سائدا في القاهرة.

هكذا توفي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وفي نفسه غصة عدم توحيد الفضاء المغاربي. فبعده ترسخت القطرية والشوفينية والحسابات الصغيرة جدا.

المصدر
محمد حمادي عزيز، جيوش تحرير المغرب العربيالهاشمي الطود، منطقة الشمال المغربي ومشروع الثورة المغاربية
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق