اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

كيف حمى الملك محمد الخامس اليهود من حكومة فيشي العنصرية

إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية واكتساح الجيوش النازية للتراب الفرنسي سنة 1940م، نهجت حكومة المارشال بيتان (Pétian) التي كانت تابعة لألمانيا سياسة عنصرية إزاء مواطنيها اليهود بفرنسا، المتمثلة في طردهم من الوظائف العمومية، وتقليص نسبتهم في مختلف القطاعات، وتعرضهم للاضطهاد اليومي، والأخطر من ذلك هو تجميعهم في معسكرات، وشحنهم بواسطة قطارات الموت نحو حتفهم في المعسكرات النازية بألمانيا.

اليهود المغاربة في خطر

وبالمغرب كذلك حيث حاولت الإقامة العامة تطبيق قوانين فيشي (Vichy) العنصرية على رعايا السلطان اليهود. حيث أنشأت لجنة عامة بخصوص المسألة اليهودية، تحت قيادة «كسافيير فالات»، سنة 1941، لتطبيق وتنفيذ قوانين معادية للطوائف اليهودية. وقد كان هذا جزءا من بدء العمل بتشريعات القاضية بمعاداة السامية من قبل الحكومة الفرنسية، التي كانت تخضع لألمانيا النازية، فمنع اليهود من جميع امتيازات المواطنة كالشغل والعمل أو الانتماء إلى الجندية، والسكن في الحارات الأوربية، بل تم منعهم حتى من التجارة.

أكد روجي تابولت (R. Thabault) وهو شاهد عيان كان يشتغل آنذاك منصبا ساميا بمديرية التهذيب العمومي، يقول:

انطلقت المعركة في أوائل أكتوبر 1940 خلال اجتماع بمقر الكتابة العامة للحماية، شارك فيه جميع رؤساء الإدارة … [وكان جدول الأعمال] يتمحور حول مسألة القانون الخاص باليهود الصادر بفرنسا وكيفية تطبيقه بالمغرب … اندهشت لمواقف الموظفين الذين كانوا على عهد “ليون بلوم” يبدون أراء متعاطفة بشكل مفرط مع اليهود، حيث تسابقوا لاقتراح إجراءات بهدف إخضاع يهود المغرب لوضع قانوني أقسى مما كانت تنص عليه “قوانين فيشي”!

ومن مظاهر الاضطهاد العنصري التي تعرض لها المغاربة اليهود في عهد حكومة “فيشي” الفرنسية التابعة وقتها لدولة ألمانيا النازية، إصدارها لمجموعة من الظهائر والقرارات على سبيل المثال نذكر:

  • ظهير شريف يتعلق بضابط اليهود المغاربة.
  • ظهير شريف في الإذن بإجراء العمل في المنطقة الفرنسية من الإيالة الشريفة بالقانون الفرنسي، المؤرخ في 2 يونيو 1941 المتعلق بضبط اليهود.
  • ظهير شريف في الأمر بإحصاء اليهود غير المغاربة.
  • ظهير شريف في شأن منع اليهود من السكنى بالحارات الأوربية

وسنكتفي بإيجاز كبير، في نقل أمثلة لبعض الممنوعات الواردة في الظهائر والقرارات المشار إليها، فحسب الفصل الأول من ظهير 5/8/1941 المتعلق بضابط اليهود المغاربة، فإنه ممنوع على اليهود المغاربة اشتغال ومباشرة الوظائف العمومية والنيابات المبنية في هذا الفصل والتي من بينها على وجه المثال:

  • أعضاء بجميع اللجان الاستشارية، وبجميع محاكم الأمور الصناعية، وبجميع الجماعات والنيابات المتكونة من الانتخابات.
  • أعضاء في منظمات التعليم، ما عدا الذين يعملون في المعاهد الخاصة باليهود ولا غير..

وهناك ممنوعات كثيرة واردة في الفصول من 2 إلى 5، تتعلق بالوظائف العمومية والمشاريع ذات الامتيازات وبالمهن التجارية والصناعية الحرة وبالشؤون البنكية والسمسرة، وبالصحافة والمكتوبات الدورية… إلخ.

وحسب الفصل الأول والسادس من ظهير 19 غشت 1941، المتعلق بمنع اليهود من السكنى  بالحارات الأوربية، فإن المغاربة اليهود الشاغلين بأي وجه كان محلات للسكنى بالحارات الأوربية في المدن يتعين عليهم، إذا لم يأتوا بحجة على أن اعتمارهم بالمحلات المذكورة كان قبل فاتح شتنبر 1939 أن يفرغوها في أجل شهر من تاريخ صدور الظهير الشريف بالجريدة الرسمية (12 شتنبر 1941) و “إن المخالفة لمقتضيات هذا الظهير، وكذلك لأجل المغادرة، مخالفتها تعاقبان بذعيرة تتراوح من 500 فرنك إلى 10000 فرنك وبحجز مبلغ الكراء، زيادة على كونه يعرض نفسه للمتابعة الجنائية فإنه يمكن نفيه بطريقة إدارية بأمر من ولاة النواحي ينفذ في الحين”.

 وحسب القرار الوزيري المؤرخ في 18 غشت 1941، والمتعلق بضبط مباشر اليهود لمهنة المحاماة فإنه على وجه المثال، في اضطهاد المحامين اليهود المغاربة في عهد حكومة فيشي الفرنسية، فإنه طبقا للفصل الأول من القرار الوزاري المشار إليه أعلاه، فإن عدد المحامين اليهود المغاربة المقبولين لمباشرة مهنة المحاماة لا يمكن أن يتجاوز عددهم بالمغرب %2 من العدد الحقيقي الإجمالي للمحامين غير الإسرائيليين.

استنجاد اليهود بالسلطان

حاول اليهود تفادي المآسي التي تخطط لها الإقامة العامة الفرنسية، فسارعوا للإعلان عن تشبتهم بالجنسية المغربية والاستنجاد بالملك محمد الخامس مؤكدين “أن الإسلام يفرض على عاهل البلاد بصفته أمير المؤمنين الدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم من كل سوء، وذلك شريطة التزامهم باحترام الدين الإسلامي ودفع الجزية”.

سارع السلطان محمد بن يوسف إلى اتخاذ موقف مناهض لسياسة الإقامة العامة، يتضح ذلك مثلا من خلال ما ورد في تقرير فرنسي نشرته وكالة الأنباء الفرنسية صيف 1941، جاء التأكيد الرسمي من فرنسا أن الملك محمد الخامس يجاهر بعدم الامتثال لقوانين «فيشي» وتشريعاتها العنصرية، فكان رد الملك بأن أقام حفلا بمناسبة عيد العرش استدعى إليه رجالات الإدارة الفرنسية، وشخصيات بارزة، ولأول مرة سيقوم السلطان بدعوة أعضاء من الجماعة اليهودية المغربية، وأجلسهم في أبرز المواقع بجانب الضباط الفرنسيين، وعندما أظهر الضباط الفرنسيون دهشتهم وامتعاضهم من ذلك، توجه محمد الخامس إليهم بالقول :

«لا أعترف بالقوانين الجديدة المعادية للسامية، وأرفض الانصياع لشيء لا أقبله، وأؤكد أنه مثل العهد السابق، فإن اليهود سيبقون تحت حمايتي، لأنني أرفض أي تفرقة يمكن أن تتم بين أفراد شعبي».

رفض محمد الخامس الموافقة على القوانين النازية لحكومة فيشي ورفض تسليم الرعايا اليهود لألمانيا. وروى المستشرق الفرنسي جاك بيرك أنه لما حاولت حكومة فيشي الفرنسية الخاضعة لألمانيا الهيتلرية أن تضطهد يهود المغرب، وقف الملك محمد الخامس يدافع عنهم ويحذر من أن يمسوا بسوء، مؤكدا أنهم مواطنون مغربيون، ويؤكد هذا الموقف كذلك المؤرخ جرمان عياش الذي ذكر بأن دور محمد الخامس كان لامعا في حماية يهود المغرب وإنقاذهم من أعظم المخاطر التي هددتهم منذ طردهم من الأندلس في القرن 15م وذلك في ظروف صعبة متأتية من المد النازي.

ودل على نضج النخب المسلمة وتفهمها لقضايا اليهودية، امتناعها عن الانخراط في الحملة المعادية لليهود التي تورطت فيها السلطات الفرنسية في المغرب امتثالا لتعليمات نظام فيشي. لقد رفض المسلمون الدخول في العمليات المشينة التي طالت اليهود، بل أن العديد منهم عمل ما في وسعه للحيلولة دون تنفيذ التعليمات الأكثر ضررا، ولعب السلطان بطبيعة الحال دورا كبيرا في التحفيز على هذا النوع من المقاومة.

وقد شكلت نهاية الحرب منعطفا في تعامل الإدارة الاستعمارية مع القضايا المغربية، وهو تحول دلت جل المؤشرات على أنه اتخذ منحى إيجابيا لليهود المغاربة، المتمثل في التعديلات الطارئة على الهياكل العليا لإدارة الحماية الفرنسية حيث استقدمت أطرا متميزة مختلفة عن سابقتها التي تورطت في قضايا معادية للسامية.


المصدر
الجريدة الرسمية عدد 1506الجريدة الرسمية، عدد 1507جرمان عياش، الندوة الدولية حول محمد الخامس الرائد"، الرباط ما بين 16 و20 نونبر 1987القرار الوزيري المؤرخ في 18/08/1941
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق