بيوغرافيا

لسان الدين بن الخطيب.. جريمة الإغتيال

هل جنى ابن الخطيب على نفسه عندما دخل في صراعات سياسية وفقهية وفكرية مع رجالات الدولة داخل قصر بني الأحمر، أم أن اغتياله كان بسبب صراع مريني-نصري؟

كان لسان الدين بن الخطيب شخصية بارزة في عصره، ظهرت معالمها على مستويات عدة، ولمعت في ميادين السياسة والفكر، شغل منصب الوزير لدى بني الأحمر في غرناطة، وخلف العديد من المؤلفات في التاريخ “الإحاطة في أخبار غرناطة”، والتصوف، والفلسفة، والطب، والأدب شعرا ونثرا، والعقائد، والأخلاق…

وبالنظر إلى مشاغل بن الخطيب السياسية العديدة، فإنه كان يتفرغ إلى التأليف ليلا، حتى أطلق عليه لقب «ذو العمرين» عمر بالنهار للسياسة، وعمر بالليل للتأليف.

شخصية من هذه الطينة شدت إليها الأنظار، وجعلت محبيها وأعداءها كثرا في الآن نفسه، فلا يمكن لأمرئ أن يشتغل بالسياسة إلا أن يكون كذلك، وما بالك بشخص لقب بـ “ذي الوزارتين”، إذ جمع بين الكتابة والوزارة في عهد السلطان محمد الغني با الله (محمد الخامس).

كانت الوشاية، وما زالت، دأب المتنافسين على مراكز القرار داخل القصور السلطانية، وبالنظر لحظوة لسان الدين ابن الخطيب في قصر الحمراء، سعى أكثر من طرف للنيل منه في أفق الحلول مكانه. وبالفعل، لم يخب مسعى هؤلاء المنافسين، الذين كان أبرزهم الوزير سليمان بن داود والقاضي أبو الحسن على النباهي والشاعر محمد ابن زمرك، وتمكنوا من دق إسفين البغضاء بين الحاكم ووزيره.

قاضي قضاة غرناطة يتهم لسان بن الخطيب

في هذا السياق، دبج النباهي قاضي قضاة غرناطة، أحد أكبر خصوم لسان الدين بن الخطيب، وصاحب فتوى قتله، صك اتهامه في صيغة نصيحة كتبها في أواخر جمادى الأولى من سنة 773 هـ / يناير 1372م، بعد قرابة سنة من مغادرة ابن الخطيب للأندلس في اتجاه تلمسان.

يبدو أنه «رد على خطاب أو كتاب كتبه ابن الخطيب فيه تقريع وهجاء، وسب وشتم، لم يكشف التاريخ بعد عن مصيره»، ضمنه تهما، هي حسب أهميتها، سياسة وعقدية ومادية، وشخصية.

كانت التهم السياسية قصد قطع الطريق عن أي محاولة تقارب بين الأمير ووزيره، أعظمها الاتهام بالخيانة العظمى للأمير و «الوطن»، والتأمر مع أطراف خارجية، وأقلها كذب دعوى حبه لـ «وطنه»، و «تركه لسلطانه أيام كان لاجئا بالمغرب، وسقوطه عليه سقوط الذباب لما عاد إلى مُلكه، وضرب وجوه رجاله بعضها ببعض، وإخلاء الجو لنفسه والاستبداد بالأمر والنهي»، والتدخل في أمر القضاء لصالح أطراف ضد أخرى «أيام ولايته القضاء».

  • أما العقدية، فاتهم فيها بالزندقة، والكفر والإلحاد لما جاء من عبارات في كتابه «محبة الله»، الذي ألفه في غرناطة لمدة عدة سنين، كما اتهم بمذهب الحلول والوحدة المطلقة، واعتبار كتابه «روضة التعريف بالحب الشريف» كتابا غريب المنزع. كما اتهم بالمس بالجناب النبوي الشريف بما لا يليق، وإنكاره لبعض مقررات السنة والعقيدة، وإيراد بعض ألفاظ القرآن والحديث بسخرية واحتقار، و «إنكار جدوى الرقية الشرعية»..

وقد كان الغرض من هذه التهم العقدية ايجاد السبيل لإيصال ابن الخطيب إلى العدم أي الحكم عليه بالموت اجتماعيا وفعليا في مجتمع كان الدين هو المهيمن والموجه، والطعن في من «تجرأ» عليه أيسر الطرق إلى الإدانة. فإذا اجتمعت التهم السياسية والعقدية لم يعد للتهم الأخرى من قيمة سوى أنها تتمم تأثيث التهم، وتعوم الرئيسة لعلها تخفي القصد من إدراجها.

  • أما المادية، فالاستكثار من شراء الضياع، والتأنق في بناء المساكن، واغتراس الجنان، في الأندلس والمغرب، بما يفيد الشك في مصدر ثرواته لاسيما أنه اتهم بالفرار إلى المغرب بالأثقال والأموال. إلى جانب كل هذه التهم، كيلت إليه أخرى شخصية اتهم فيها بتزكية نفسه، والاعتداد بمناقبها، دون الالتفات إلى مثالبها من فحش في القول والغيبة وقلة الحياء والمن والأذى، ونسب كثير من الأعمال إلى نفسه، واتهامه بالظلم والفساد.

التهم تلاحق لسان الدين بن الخطيب إلى المغرب

لم يكن للمتهمين أن يصيغوا تهمهم، دون أن تحمل في طياتها جزءا من الحقيقة، حتى يحققوا الغرض منها، ويضفوا عليها نوعا من الشرعية. حيث كانت أغلب التهم السياسية ظنية.

صحيح أن لسان الدين بن الخطيب عندما رجع إلى الأندلس، وتقلد أمر حكومة غرناطة، أخذ الأمور استبداد، لأن ذلك ما تقتضيه العودة بالمملكة إلى حياة الاستقرار، وتوطيد دعائم الملك بعد تلك التقلبات التي مرت بها، وهذا ما كان يقض مضاجع أولئك الذين اعتادوا الاستفادة من أحوال الضعف والتآمر والنفوذ وانعدام المسؤولية، فلم يجدوا سبيلا للنيل منه غير الدس عليه، والإيقاع بينه وبين السلطان.

صحيح، أيضا، أنه غادر منصبه سنة 773 هـ / 1371م دون علم سلطانه الغني با الله، في ظل المكائد التي أصبحت تحاك ضده من حاشية السلطان، وبحيلة اختلقها بتنسيق مع السلطان المريني عبد العزيز، إذ أوهم سلطانه أنه ذاهب لتفقد الثغور على ما جرت به العادة، لكنه وصل سبتة في قطعة من الأسطول المريني أوائل جمادي الثانية 773 هـ / دجنبر 1371م، ليلتحق بالسلطان المريني في تلمسان يوم 19 رجب من السنة نفسها / يناير 1372م.

لقد كان لسان الدين ابن الخطيب متيقنا بأن سلطانه لم يكن ليسمح له بمغادرة الأندلس، فبعث إليه، وهو يغادر وطنه إلى غير رجعة، برسالة وداع، يبرئ فيها نفسه ونزاهة مقصده، مبررا هجرته إلى المغرب بـ «غرض الانقطاع عن الناس، والتفرغ للعبادة والفرار إلى الله وحده»!

وجد سلطان غرناطة في هروب ابن الخطيب مسوغا لقبول أقوال أعدائه فيه، وثبت ذلك لديه أكثر حينما «سعى سلطان بني مرين لديه بأن يخلى سبيل أسرة ابن الخطيب».

صحيح، كذلك، أن ابن الخطيب قد يكون ترك سلطانه لما كانا معا في المغرب، بدليل أنه قام بجولة في ربوعه، أنتجت مؤلفه «نفاضة الجراب»، واستقر في سلا. لكن لا يُعرَف إن كان قد استأذن سلطانه في ذلك، علما أنه استأذن السلطان المريني. والاستقرار، في سلا، كان ناتجا عن المنحى الزهدي الذي بدأ يطبع حياته.

أما تهافته على سلطانه لما عاد إلى منصبه، فمردود عليه، بما أن السلطان هو من وجه إليه دعوى الالتحاق بالأندلس، وتولية الوزارة لما يعرفه عنه من كفاءة السياسية، إذ رأى فيه رجل المرحلة، في وقت كان فيه لسان الدين بن الخطيب زاهدا في ذلك، ورجع مرغما عنه إلى الأندلس سنة 763 هـ / 1362م، وفاء لسلطانه، لشغل منصب الوزارة من جديد.

إن صحت الرويات، فإن مسألة تأمر ابن الخطيب ضد عرش غرناطة لم تكن مستبعدة تماما، فقد عمل دوما، وهو في منصب المسؤولية في دولة بني نصر، أن تظل غرناطة وفية للمغرب، وأن لا تنشد في غيره نصيرا ولا صديقا. فقد كان يرى أن بقاء الدولة النصرية رهن بمحالفتها للدولة المرينية، مما جعله «يرسم لغرناطة طوال حكمه سياسة خارجية ثابتة تجاه المغرب، قوامها الارتباط بعجلة فاس، ومحاولة إرضاء سلاطين بني مرين في كل ما يطلبونه من مملكة غرناطة».

لسان الدين بن الخطيب بغرناطة
قصر الحمراء بمملكة بني الأحمر غرناطة

ويبدو أن حماية مصالحه الشخصية في المغرب كانت أحد دوافعه لذلك. ثم أنه عندما لجأ إلى المغرب، ولم يكن قد اطمأن تماما على حياته، رغَّب السلطان المريني عبد العزيز في ملك الأندلس، وحمله عليه. ووصل ذلك إلى ابن الأحمر. كل ذلك ليصل إلى هدفه الرئيس وهو القضاء على أعدائه هناك، وتأمين حياته ومصالحه بالمغرب.

أما تدخل بسان الدين بن الخطيب في القضاء، فلم يكن مستبعدا لما كان يتمتع به من جاه، فتعقُب مساره في السلطة وسلك القضاء نجد فيهما مؤشرات من هذا القبيل، وإن كان أحيانا لدرء حكم في قضية رأي، كما هو الحال عندما وقف ضد قتل ابن الزبير أحد المتهمين بالزندقة، وتدخل لـ «إطلاق سراح أحد المتهمين بأرائه المضلة بعد الحكم عليه بالسجن»، وتدخل لإطلاق سراح «أحد الفتيان الموالين له طولب بدم»، و «أطلق سراح ابن أبي العيش الذي استمتع بزوجته إثر تطليقه إياها بالثلات!»..

ابن الخطيب متهم بـ “التنقيص من الرسول”

فيما يخص التهم العقدية، فإن المتهمين لم يستطيعوا إثباتها بالدليل القاطع، أكثر من لجوئهم إلى التأويل، حتى إن أخرين كانوا أعمدة لمذهب القول بالحلول والاتحاد، لم يلقوا المصير الذي لقيه ابن الخطيب، فهو لم يَعْدُ أن عرض مذهبهم، وعقب عليه بـ «النقد والرفض».

والمطلع على «روضة التعريف» يجدها «لا تنطوي على شيء مما رماه به خصومه من قول بالحلول أو الاتحاد أو الوحدة المطلقة، ولا ما ينم عن ذلك من قريب أو بعيد»، بل كان ابن الخطيب في هذا الكتاب «سنيا أشعريا دون لبس أو خفاء».

صحيح أنه أصبح ذا نزوعات صوفية عند إقامته الأولى في المغرب، عندما كان منفيا إليه رفقة سلطانه الغني با الله سنة 760 هـ /1359م إثر الانقلاب الذي وقع في غرناطة. وعمره إذ ذاك خمسون سنة، “سن الارتداد إلى الشيخوخة” ودامت مدة الإقامة زهاء ثلاث سنوات إلى حدود 763هـ/ 1362م، زار خلالها العديد من المدن المغربية وقبور الأولياء، واتخذ من سلا مستقرا، وهي المدينة المعروفة بالصلاح، وفيها «التقى بالصوفي الشهير الشيخ أبي العباس بن عاشر وتأثر به».

وزادت ميولاته الزهدية ظهورا، وإن لم تكن بالمعنى السلوكي الدقيق، بوفاة زوجته في 6 ذي القعدة سنة 762 هـ / شتنبر 1361م، حيث أضحى له، وبتعبيره،

«ورد من الليل، ووظيفة من الذكر، وحظ من الخير»

وتوج هذا بتأليف “روضة التعريف”، عبر فيه عن تذوقه أحوال القوم، ولم يكتم فيه عواطفه نحو التصوف، وعبر في آخر الكتاب عن شبه ألم كونه لم يوفق إلى سلك سبيل الصوفية في غمرة من شواغل الدنيا وفتنة الحياة.

أما تنقيص لسان الدين بن الخطيب من شخص الرسول، فيصعب تصديقه، وهو الذي كتب شعر النبويات مدحا له. كما كتب شعراً في «الرد على أصحاب الآراء المضلة وأهل الزندقة»، وفي «أصول الدين والدفاع عن الشريعة». تبقى قضية إنكار جدوى الرقية الشرعية، فذاك ليس مستبعدا لما خبره من أمور الطب. أما التهم المادية، فلا مجال لإنكارها بالنظر إلى ما حازه ابن الخطيب من ممتلكات في الأندلس والمغرب وحرصه على حمل أمواله وذخائره إلى المغرب، لما كان ينوي الاستقرار فيه بشكل نهائي.

وهذه النوعية من التهم لا تبدو ذات بال بما أن المتهمين لم يثيروا أصول الأموال التي اقتنيت بها، فالرجل ينحدر من أسرة معروفة، وشغل مناصب سياسية كبرى، وكان قريبا جدا من مركز القرار. لكل هذا، لابد أنه حاز ثروة معتبرة، مكنته من اقتناء عقارات عدة، ثم أن الجهات المتهمة كانت بدورها قريبة من السلطة وغنية، فما يجري على الشك في أصول ثروة ابن الخطيب يجري على أصول ثرواتها. فكيف نقل المتهمون تهمهم من صيغتها النظرية إلى الصيغة الفعلية؟

المغرب يسلم لسان الدين بن الخطيب

عقدت لابن الخطيب محاكمة غيابية في غرناطة أفضت على المستوى المادي بمصادرة أملاكه وعلى المستوى العقدي بحرق كتبه في ساحة غرناطة بمحضر من الفقهاء والعلماء والمدرسين، والمطالبة بإنفاذ حكم الشرع فيه أي إعدامه، وهو ضمنيا حكم بالإعدام على المستوى السياسي.

ولما كان لسان الدين بن الخطيب ساعتها في بلاد المغرب، فقد بدأت المساعي لاسترجاعه إلى الأندلس، حيث أحيط السلطان المريني عبد العزيز علما بالتهم الموجهة إليه، لكنه كان دائما يرد بالرفض على كل الطلبات، وكان يقول عبارته المشهورة :

«لماذا لم يقبضوا عليه لما كان عندهم؟».

بل زاد في إكرامه ورعايته.

غير أن الأقدار شاءت أن تنقلب الأوضاع السياسية في المغرب رأسا على عقب بموت السلطان الحامي عبد العزيز المريني في ربيع الثاني سنة 774 هـ / أكتوبر 1372م، وتولى بعده ابنه أبو زيان محمد السعيد با الله، وكان طفلا في الرابعة من عمره، فأضحى تحت وصاية الوزير أبي بكر بن غازي الذي صار على نفس سياسة السلطان المتوفي إزاء ابن الخطيب من حمايته ورعايته. وبدوره، رفض طلبات الغني با الله.

وصارت الأوضاع السياسة في المغرب بخطى حثيثة إزاء التغيير بإيعاز من بني الأحمر بما يخدم مصالحهم وأهدافهم، فأطلق الغني باالله سراح الثوار المناوئين للبلاط المريني الذين كانوا في سجونه وفي مقدمتهم الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن المريني وقرينه مسعود بن ماساي اللذين سبقا أن لجأ إلى الأندلس هربا من السلطان عبد العزيز، إلا أن ابن الخطيب تدخل ساعتها، رغم علاقته الوطيدة بهما عندما كان لاجئا في المغرب أول مرة، لاعتقالهما بإيعاز من سلطان المغرب بشرط توفير الحماية له إذا ما اضطر إلى اللجوء إليه.

واشترط الغني باالله لدعم الانقلابين، ماديا وعسكريا، أن يسلموه جبل طارق ولسان الدين في الآن ذاته. وبالفعل، تمكنوا من الإطاحة بالسلطان ووصيه أوائل محرم 776 هـ / يونيو 1374م، وتولى أبو العباس أحمد بن سالم زمام السلطنة، فغابت الحماية عن ابن الخطيب، وقبض عليه بايعاز من الوزير سليمان بن داود، وأودع السجن، وصودرت أمواله وأملاكه، وعجلوا بإخبار الغني با الله الذي بعث من فوره كاتبه ووزيره محمد بن زمرك، الذي يبدو أنه استفاد من رحيل بن الخطيب، “يحمل محضر الاتهام، وربما الحكم المسبق الجاهز الذي طالما لوح به، يستنجز الشرط، ويشهد المحاكمة”،

فـ «أحضروا لسان الدين بن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة، وأهل الشورى من الفقهاء، وعرضوا عليه بعض الكلمات وقعت في بعض كتبه، فعظم عليه النكير فيها، فوبخ، ونُكل وامتحن بالعذاب، بمشهد ذلك الملأ»، و «استشاروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء بوجوب إعدامه».

ولم ينفع ابن الخطيب دفاعه عن نفسه شيئا، فأعيد إلى سجنه. والتبعيض هنا يقوم دليلا على أن الفقهاء لم يكونوا مجمعين على قتله، لما في القضية من لبس وشبهة.

محاولة درء قتل ابن الخطيب

بديهي أن يسعى لسان الدين بن الخطيب، إثر سجنه، إلى بذل مساعي لإطلاق سراحه، بل للإبقاء على حياته، وهو الخبير بدروب السياسة في مثل هذه الحالات. لا تذكر المصادر في هذا الباب سوي وساطة صديقه السابق عبد الرحمن بن خلدون، الذي بدل مساعي واضح أنها لم تكلل بالنجاح.

حديث ابن خلدون عن هذه المساعي حديث فاتر، كأنه كان يعلم ضمنيا نتيجتها، أو لأن علاقته بابن الخطيب لم تعد بالزخم نفسه الذي كانت عليه في السابق، دون إغفال تناقص مكانة بن خلدون في البلاط المريني.

كأي معتقل سياسي، يدرك جيدا طبيعة سير السياسة في ظرفية تاريخية بعينها، أدرك بن الخطيب أن مآله القتل لا محالة، فكان في سجنه دائم الشكوى والبكاء على نفسه، وقد عبر عن ذلك بشعر يشي بذلك وبالحالة النفسية التي كان عليها، قال فيه :

 بعدنا وإن جاورتنا البيوت
وجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة
كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا شموس سماء العلا
غربنا فناحت علينا السموت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات ومن ذا الذي لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت

ولعل ابن الخطيب، حتى قبل أن يقبض عليه ويودع في السجن، كان يستشعر مصيره، فقد أولع «بقضايا النكبات السياسية (…)، وكان يصورها ويصف مآسيها بدقة متناهية حتى كأنه ليضع لوحات للحدث الذي كان يريد له أن يبقي شاخصا أمام الأعين!» في مقابل ذلك، كان المتحمسون لمقتل ابن الخطيب يعلمون، فيما يبدو، عدم حجية اتهاماتهم وعدم الإجماع على الحكم الصادر في حقه، فخططوا لكي يتم قتله في غياهب السجن لا في العلن.

هكذا دس الغني با الله، عبر الوزير سليمان بن داود، أعوانه ليلا في سجن ابن الخطيب، فقتلوه خنقا. واللافت للانتباه، أن قتلا من هذا الحجم لم يؤرخ له بدقة، واكتفت المصادر بالإشارة إلى موته في شهر ربيع الأول من سنة 776 هـ / غشت 1374م.

لفت اغتيال لسان الدين بن الخطيب، كنظرائه من الاغتيالات السياسية، نظر المشتغلين بالسياسة بالقدر نفسه الذي شغل بال المجتمع. فبغض النظر عن مكانة ابن الخطيب السياسة، فإن ما تلى قتله كان مدعاة لذلك، فقد دفن في مقبرة باب الشريعة التي تسمى أيضا باب المحروق أحد أبواب مدينة : فاس القديمة، ثم أخرجت جثته من قبره في اليوم الموالي، وأحرق جزء منها، رأسه خاصة، بالقرب من الباب المذكور، ثم أعيد دفنه من جديد، مما يظهر «مدى الحقد والغل الذي تجمع في صدور الذين اقترفوا» هذا الفعل.

حدث من هذا القبيل، أصبحت تلوكه الألسن وتتداوله المجالس، وتتخذ إزاءه المواقف الخفية منها والعلنية، والراجح أن هذا هو ما جعله يحمل لقبين جديدين بعد لقبيه السابقين وهما «ذو الميتتين» و «ذو القبرين». وما يزال قبره قائما في باب المحروق بمدينة فاس في ضريح صغير عليه هذه العبارة :

“هذا ضريح العلامة لسان الدين بن الخطيب”

ضريح لسان الدين بن الخطيب
ضريح لسان الدين بن الخطيب بفاس. المغرب

أثار مقتل ابن الخطيب والطريقة التي تم بها ردود فعل سياسية وشعبية، فقد استنكر المجتمع واستهجن، وهو المؤمن بأن إكرام الميت دفنه، وعدم العبث بجثته، المآل الذي آلت إليه جثة ابن الخطيب، وإن لم يكن يفقه في طبيعة التهم التي أفضت إلى مقتله وحتى إذا ما فقهها بعضه، واتخذ موقفا معاديا لابن الخطيب، فلم يتماه مع ما آل إليه الوضع بعد قتله. ونسبوا هذا الفعل إلى الوزير سليمان، واعتدوه «من هناته. وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته».

وعلى المستوى السياسي، جر قتل لسان الدين بن الخطيب على قتلته انتقادات واسعة خاصة من الحفصيين في تونس الذين وظفوا الحادث، أيام الأمير أبي العباس الحفصي وابنه أبي فارس للتشهير ببني مرين !

بواسطة
محمد ياسر الهلالي: زمان
المصدر
الكتاني، محمد عبد المالك : "أسباب مصرع ابن الخطيب بين السياسة والتصوف"المغراوي، رابح عبد الله: "ابن الخطيب الأندلسي، من الانقلاب إلى الاغتيالالعبادي، أحمد مختار : "حياة ابن الخطيب المغربية"
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق