أعلام وشخصيات

لورنس العرب.. القصة الحقيقية

في 13 ماي 1935، كان شخص يقود دراجته النارية بأقصى سرعة، في منطقة دورسيه، جنوب إنجلترا. وفي أحد المنعرجات، وجد نفسه أمام شابين يلهوان، وهما على متن دراجتيهما. وقد حاول تفاديهما، فزاغت به الدراجة النارية… وتهشم رأسه على قارعة الطريق، إذ ارتطم بأحجار صلدة. وقد نقل على الفور إلى مستوصف ثكنة بوفينغتون، حيث كان قد قضى فيما قبل فترة، باعتباره جنديا عاديا. وهنالك توفي العقيد الشهير لورنس العرب -الذي كان اسمه يثير إعجاب ولعنات الملايين- في 19 ماي، دون أن يكون قد استعاد وعيه.

“وها هي الآن تدب، تلك الكائنات الصغيرة، لتقيم لنفسها كوخا، كيفما اتفق، في ظل ما كنت أنوي منحك إياه… بين بقاياه..”

(القصيدة-التمهيد لـ “أعمدة الحكمة السبعة” لورنس العرب)

لونس العرب شخص مثير للأخذ والرد

دفن لورنس العرب بمورتون، على بعد بضعة كيلومترات من بيته الموجود بكلاودزهيل. وخلف نعشه الذي كان يحمله ستة من أصدقائه، من بينهم الموظف السامي والضابط والجندي البسيط، كان وينستون تشرشل يسير على قدميه.

كان شخص مثير قد توفي، بعد أن جعلت منه الحياة والسينما بطلا أسطوريا، باعتبار الدور الذي اضطلع به في مسألة تمرد القبائل العربية على الأتراك، خلال الحرب العالمية الأولى.

لكن توماس إدوارد لورنس لم يكن مثير «فتن» بارعا ورجل حرب عصابات مقتدرا فحسب، بل إنه ألف أيضا أطروحة ضخمة عن المعمار العسكري في زمن الحروب الصليبية، وقام بحفريات في بلاد ما بين النهرين. ويعتبر مؤلفه، “أعمدة الحكمة السبعة” ملحمة حقيقية تجمع بين السرد السير ذاتي والحكي التاريخي، ومن خلاله يبرز الدور الذي لعبه لورانس في حركات التمرد العربية.

صورة لورنس العرب
صورة لورنس العرب بالملابس العربية التقليدية

كما أن هذا المؤلف يعد من أعظم الأعمال الأدبية التي صدرت في العصر الحديث، بالنظر إلى أسلوبه ومقدرات صاحبه على التصوير الحي وتوخيه الدقة.

من هو لورنس العرب

ولد إدوارد توماس في 16 غشت 1888، بتريمادوك، في بلاد الغال. وكان والده توماس شابان بارونا صغيرا من أصل إيرلندي، ولم يكن يملك الكثير، وقد غادر بيته ليبتعد عن زوجته الشرسة وغير الوفية – ولم يكن بمستطاعه أن يطلقها – ويعيش مع المرأة التي كانت قيمة على بيته (متخذا اسما مستعارا : لورنس).

وكانت طفولة ذاك الذي سيصبح لورانس العرب سعيدة، ولكنه قاسى من أسلوب التربية الصارم والطهراني الذي كان سائدا في العهد الفيكتوري. وسرعان ما أصبح «زعيم» رفاقه الصغار في الألعاب الحربية التي كان يرتجلها بنفسه.

كان مفتونا بالعصر الوسيط وبالحروب الصليبية، وكان بطله المفضل هو ريشارد قلب الأسد. وكان أيضا تلميذا ممتازا شديد الذكاء.

وقد وقع أمران كان أثرهما على حياته كبيرا جدا. فقد انكسرت ساقه خلال إحدى المعارك – وكان في السادسة عشرة – ولأن عظامه لم تلتئم إلا بصعوبة، فقد كف عن النمو، ولم تتجاوز قامته قط 1.64متر. وكان يتألم من جراء ذلك، هو الذي يعيش بين رفاق جامعيين طوال القامات، مفتولي العضلات. ومن أجل تعويض «نقصه»، بداً يقوم بتمارين رياضية مكثفة، واكتسب مقدرة كبيرة على تحمل التعب والجوع والعطش، والسهاد.

أما الأمر الثاني، فهو اكتشافه، خلال سن السابعة عشرة، أن العلاقة بين والدية لم تكن شرعية. وقد شعر بالألم واليأس، وفر من البيت، بقصد الالتحاق بـ “المدفعية الملكية”. ومن أجل ذلك، انتحل اسما، وكذب فيما يتعلق بسنه. وهنالك فرضت عليه حياة الانضباط لبضعة شهور، ثم تمكن والده من العثور عليه، وجعله يعود إلى الحياة المدنية وبعدها، أنهي توماس إدوارد دراست الثانوية.

الطريق إلى الشرق

خلال صيف 1906، وقبل التحاقه بمعهد يسوع (بأكسفورد)، قام لورانس بجولة، على دراجته، في نورمانديا وفي بريتانيا، حيث كان يتنقل من حصن إلى آخر، ثم أعاد الكرة في السنة اللاحقة. وفي 1908، قطع مناطق بواتو وبروفانس، وبلغ إيغ-مورت، التي انطلق منها سان لويس، متجها صوب مصر سنة 1248. واعتورت لورنس مشاعر الانتشاء والانفعال الشديد :

«لقد بلغت أخيرا الطريق المؤدية إلى الجنوب وإلى الشرق، وهذا اللقاء مع البحر قد أفقدني التوازن إلى حد ما”

من أقوال لورنس العرب

ثم عاد إلى أكسفورد وهيأ دبلوم bachelor of art (مقابل الإجازة في الآداب)، لكنه كان شديد الانجذاب إلى الشرق الأدنى، الأرض التي حارب فيها الصليبيون.

وبعد أن درس العربية بشكل جدي، رحل إلى بيروت على متن إحدى السفن، في نهاية يونيو 1909، ولم يحمل معه إلا بعض الملابس ومسدسا من نوع ماوزر، وآلة تصوير، و 100 جنيه استرليني.

وقد قطع، خلال 55 بوما، 1760 كيلومترا، إذ زار جنوب سوريا والجليل، ثم انطلق من شمال سوريا، وبلغ الفرات. كان السكان يؤوونه. وأصبحت أساليب العيش، في تلك البلاد مألوفة بالنسبة إليه. ثم عاد إلى أكسفورد، في شهر أكتوبر، بعد أن خاض غمار تجربة مثيرة وفريدة، بالنسبة لشاب إنجليزي، وقد جلب معه تصاميم أكثر من 50 حصنا، وعددا كبيرا من الصور، سيدرجها في أطروحته للدكتوراه، التي تحمل عنوان: “عن تأثير الحروب الصليبية في المعمار العسكري خلال العصر الوسيط”.

كان توماس إدوارد مؤهلا للتدريس في الجامعة، ولكنه كان مفتونا بالشرق. وقد حصل على منحة من جامعة أكسفورد لمدة أربع سنوات، ومضى ليسهم في الأبحاث الأركيولوجية بكركميش في العراق، على ضفاف الفرات.

باحث أركيولوجي غريب

شارك لورنس، ملازم الاحتياط في الجيش الإنجليزي، في حفريات كركميش، وكفرعمار بمصر، لمدة أربع سنوات (1910 – 1914)، كان يجوب خلالها الشرق الأدنى طولا وعرضا. وقد عمل على إتقان العربية وسرعان ما أصبح يتكلم العربية الدارجة بطلاقة. كما كان يحب أن يرتدي الأزياء العربية. وقد أقام علاقات مع كل أصناف المتذمرين المعادين للأتراك (من عرب وأكراد وأرمن).

كان الوضع في الشرق الأدنى مختلف عما آل إليه بعد خمسين سنة. فالأتراك كانوا يسيطرون على الجزيرة العربية وعلى بلاد ما بين النهرين، على فلسطين وسوريا ولبنان، ولم تكن إسرائيل موجودة إذاك، وإنما كانت هنالك بعض الجماعات الصهيونية، المكونة من يهود روس، التي تعتنق أفكار هرتزل وتستوطن فلسطين.

اقرأ أيضا: جذور القضية الفلسطينية.. كيف تسرب الصهاينة إلى فلسطين

وكانت انجلترا وفرنسا وروسيا تطمح إلى جعل الأراضي التي يحتلها الأتراك ضمن مناطق نفوذها. ولذا كانت تساعد المناضلين الوطنيين في تلك المناطق، بشكل سري. وكان لورانس من الذين أسهموا بقسط وافر في زعزعة سلطة الأتراك، ولكنه بدأ يتعاطف مع العرب، أكثر فأكثر. بل إن مسألة تحررهم أصبحت قضيته الشخصية، وكان قد جمع معلومات جغرافية عن سيناء للقيادة العسكرية البريطانية (لتتمكن هذه الأخيرة من تهييء بعض الخرائط)، واستطاع الانفلات من مطارديه الأتراك، وعاد إلى لندن، في ربيع 1914، ليقدم تقريره، إذاك نشبت الحرب العالمية الأولى.

وقد ساند الأتراك ألمانيا. وأصبح مصير الأراضي العربية المحتلة رهينا بنتيجة الصراع. فإذا هزمت تركيا – وهو ما سيحدث – فإن البلاد العربية قد تحصل على الاستقلال. أو ربما ستصبح خاضعة لسيادة إنجلترا وفرنسا. وكان لورنس العرب يساند الحل الأول. بل إنه صارع دفاعا عن قناعته تلك.

الثورة العربية الكبرى

أرسل لورنس إلى القاهرة، وأصبح ملحقا بمصلحة الخرائط التابعة لقيادة الأركان، وكان شغله الشاغل هو أن يقنع رؤساءه بضرورة مساندة العرب في كفاحهم، وأن يقنع العرب بأهمية التحالف مع الإنجليز.

بعد مفاوضات طويلة، قبل الشريف حسين، بمكة، فكرة هذا التحالف. ومقابل ذلك، أعلنت المفوضية البريطانية السامية، في يوليوز عام 1916، عن اعترافها بحق الدول العربية في الاستقلال.

إن لهذه المرحلة خطورتها الكبيرة في حياة لورانس. فقد دافع باستماتة عن حق العرب في التحرر، وإذ انتهت الحرب، واقتسم الإنجليز والفرنسيون المنطقة. استشعر حقا طعم المرارة وانقشعت أوهامه.

ففي أكتوبر عام 1916. كان لورنس قد اتصل بالأمير فيصل، ثالث أبناء الشريف حسين، وتحالف معه، وخططا للثورة، إذاك بدأ جيش مكون في أغلبه من البدو يحارب من أجل تحرير الأراضي العربية، وكان لورانس يلعب فيه دورا قياديا.

وأول إنجاز هام لهذا الجيش تجلي في وصول لورنس، على رأس سرية من الفرسان، إلى مرتفعات العقبة، التي ينفتح خليجها على الجهة الشمالية الشرقية من البحر الأحمر. كان هذا الموقع المحصن، حيث يوجد فيلق هام من المدفعيين الأتراك، يعتبر في مأمن من أي مداهمة ممكنة. ولكن الأتراك أجبروا، خلال هذه الواقعة، على تسليم أنفسهم.

عاد لورانس إلى أرض المعركة، وكان يدرك الخطورة التي تشكلها مدينة درعا، الواقعة جنوب دمشق، والتي تلتقي بها خطوط السكك الحديدية، ويتم، انطلاقا منها، إمداد الأتراك بالمؤونة، وقد تسلل إليها لورانس، فألقت عليه القبض دورية للأتراك، وأخذ إلى الباي الذي يحكم المنطقة، وعذب بعنف وقسوة شديدين، وألقي به في زنزانة مظلمة، منهارا تماما، ولكنه سرعان ما استجمع قواه، وتمكن من الفرار من زنزانته، والالتحاق بالجنود الإنجليز، الذين أسهم معهم في الاستيلاء على القدس.

وانتهت الحرب العالمية الأولى، وعاد لورنس إلى لندن، ليدافع، فيما يقال، عن قضية العرب.

تبدد الحلم

سنة 1916، تعهدت المفوضية البريطانية العليا بالقاهرة بضمان استقلال الجزيرة العربية، وما بين النهرين، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، وفي ذلك الوقت نفسه، تمت معاهدة سرية بين الإنجليز والفرنسيين : اتفاقية سايكس – بيكو، التي تحمل اسمي موقعيها، والتي سيتم بمقتضاها تقسيم الشرق الأدني بين تلك القوتين العظميين، فتعود كل من فلسطين ومابين النهرين إلى إنجلترا، أما فرنسا فتستولي على سوريا ولبنان. أكثر من ذلك، فإن اللورد بلفور وعد اللورد روتشيلد، في 2 نونبر 1917، بتكوين «وطن» خاص باليهود، في فلسطين. وكان ذلك بمثابة تنكر نهائي ومطلق للعهود التي قطعت للزعماء العرب.

وقد صارع لورنس العرب بلا هوادة، إلى جانب فيصل، إلى أن أعلن مؤتمر باريس (1919) موافقته على معاهدة سايكس-بيكو : فقد تشبثت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية بضرورة استغلال انتصارهما في الحرب، للهيمنة على مناطق إضافية. واعتبر العرب أنهم قد غدر بهم، واتهموا لورانس بالخيانة.

لورنس العرب والأمير فيصل
لورانس العرب والأمير فيصل في مؤتمر السلام بباريس سنة 1919

وقد شعر بالإحباط واليأس، وفي الوقت الذي كانت خلاله شعبيته تتعاظم بإنجلترا، كان هو شديد الحنق على الحكومتين الإنجليزية والفرنسية. وقد استقال من مهامه، ورفض كل ضروب التكريم وفي 1921، عينه ونستون تشرشل مستشارا في مصلحة المستعمرات. وحتى 1922، وبينما كان منهمكا في تحرير “أعمدة الحكمة السبعة” للمرة الثالثة، أسهم في تمكين أهل الجزيرة العربية وما بين النهرين والأردن من الاستقلال (وقد قام بذلك، إلى جانب تشرشل، في مؤتمر القاهرة).

ثم بلغ لورانس مرحلة تدمير الذات، فقد كان محبطا مكتئبا، وبعد أن هام على وجهه طويلا في أرجاء لندن، دخل أحد المكاتب، وطلب الالتحاق بالقوات الجوية الملكية، كجندي عادي (وذلك تحت اسم مستعار). بعد ذلك بوقت قصير، تعرف رؤساؤه على هويته الحقيقية وأرادوا أن يمنحوه رتبة ضابط، لكنه رفض ذلك. وبعد أن قضى بعض الوقت في «سلاح المدرعات الملكي»، تحت اسم مستعار دائما عاد ليلتحق بسلاح الطيران، تحت اسم «شو»، هذه المرة. ومن 1922 إلى 1935، عاش الشخص الذي أسهم في الثورة العربية، والكاتب الكبير، حياة الجندية الرتيبة العديمة الطعم، فيما كان الرأي العام يتوهم أن له ضلعا في مآسي الشرق الأدنى. كانت رغبة لورنس العرب هي أن «يمحي» تماما. وهو لن يغادر الجندية إلا زمنا قصيرا قبل وفاته.

سبب وفاة لورانس العرب

وفاة لورنس العرب في حادث دراجة نارية
لقي لورانس حتفه يوم 19 ماي في منطقة دورسيه إثر حادث بدراجته النارية

في 13 ماي 1935، كان شخص يقود دراجته النارية بأقصى سرعة، في منطقة دورسيه، جنوب إنجلترا. وفي أحد المنعرجات، وجد نفسه أمام شابين يلهوان، وهما على متن دراجتيهما. وقد حاول تفاديهما، فزاغت به الدراجة النارية… وتهشم رأسه على قارعة الطريق، إذ ارتطم بأحجار صلدة. وقد نقل على الفور إلى مستوصف ثكنة بوفينغتون، حيث كان قد قضى فيما قبل فترة، باعتباره جنديا عاديا. وهنالك توفي العقيد الشهير لورنس العرب في 19 ماي، دون أن يكون قد استعاد وعيه.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق