أعلام وشخصياتبيوغرافيا

لويس باستور: بيوغرافيا عالم الكيمياء والأحياء الفرنسي

لقد تجلت عبقرية لويس باستور على الخصوص، في تهييئه للقاح داء الكلب، قبل أن يكتشف الفيروس المسبب لهذا الداء بعدة سنوات، وهكذا أنقذ العديد من الأرواح البشرية.

لقد ذاع صيت لويس باستور، واكتسب المكانة العليا في نفوس الناس، على اختلاف أجناسهم وأوطانهم. فالجميع يكن له التقدير والإكبار. وبالفعل، فهو الذي وضع أسس علم جدید : البكتيريولوجيا (علم الجراثيم).

قبل قيام باستور بأبحاثه، لم يكن هنالك إدراك واضح لوجود «عضویات» (organismes) شديدة الدقة، وكان الدور التي تلعبه مجهولا تماما، فوحده سبالنزاني (1729-1799) كان قد قام ببعض الأبحاث في هذا المجال، سرعان ماطواها النسيان، وبعد ذلك باثنتين وثلاثين سنة، ولد لويس باستور بـ «دول».

سيرة لويس باستور

كان والده دباغا وقد استقر بـ «أربوا» سنة 1826، وهنالك تلقی لويس باستور Louis Pasteur تعليمه الأولي، وفي 1843، التحق بالمدرسة العليا للأساتذة، التي سيصبح مشرفا على إدارتها سنة 1859. وبتلك المدرسة، قام بأولى خطواته في مجال البحث، كمساعد محضر في المختبر. وقدم أطروحتيه في الفيزياء والكيمياء، ونشر، وهو في السادسة والعشرين من عمره، أبحاثه الشهيرة عن بلورات الدرديات وشبه الدرديات في كربونات الصوديوم وفي محلول النشادر.

فالمحلولات المحصل عليها انطلاقا من بلورات الدرديات تجعل الضوء المستقطب ينحرف، أما المحلولات الناتجة عن بلورات شبه الدرديات، فلا تجعله ينحرف. وبفضل مقدرته الخارقة على الملاحظة، تمكن باستور من تقديم تفسير لذلك: فبلورات شبه الدرديات لها دائما جهة منحنية إلى اليسار أحيانا، وإلى اليمين أحيانا أخرى.

إثر قيامه بتلك الأبحاث، عين باستور أستاذا مساعدا للكيمياء، بستراسبورغ. وبهذه المدينة، تزوج ماريا لوران، ابنة رئيس الأكاديمية. وقد تابع أبحاثه المتعلقة بالبلورات ولاسيمترية الجزيئات. (أي عدم تماثل شقي كل منها).

ومن خلال تلك الأبحاث، صاغ باستور القانون المادة الحية يكون له تأثير التالي :

” إن ما ينتج عن المواد الحية يكون له تأثير فعال على الضوء المستقطب. أما ما ينتج عن المواد المعدنية فلا تأثير له”

إذن، فقد ظهر علم جديد : الكيمياء المجسمة (Stéréochimie).

مساهمات لويس باستور العلمية

سنة 1854، عين باستور عميدا لكلية العلوم، التي أحدثت بـ «لیل». وقد اكتشف أن اختمار محلول من شبه الدرديات يمكن من الحصول على صنف من الدرديات يجعل الضوء المستقطب ينحرف إلى اليسار، ومن خلال تطبيقه للقانون المشار إليه سابقا، استنتج أن تخمر الحامض شبه الدردي يتم نتيجة مفعول کائنات عضوية شديدة الدقة، كان ذلك منطلق اکتشافات باستور المتعلقة بالجراثيم، والتي ستتواتر فتفضي به إلى اكتشاف اللقاح ضد داء الكلب.

صورة الدكتور لويس باستور Louis Pasteur
الدكتور لويس باستور بريشة الفنان الفنلندي إيدلفيت. تميز باستور بحصافة العالم، ولم يكن ليتقبل فكرة ما لم تثبتها التجربة، فتمكن من أن يصبح واحدا من أعظم الباحثين في تاريخ البيولوجيا.

وقد اهتم باستور بمسألة اختمار عصير الشمندر، المؤدي إلى ظهور الكحول به، وأدرك أن ذلك يحدث بفعل وجود «عضوية» دقيقة، وأن وجود عضوية دقيقة أخرى إلى جانبها قد يفسد عملية الاختمار، ويؤدي إلى ظهور حامض اللَّبنيك.

إن أي جرثومة لن تظهر في أي سائل قابل للاختمار، إذا ما تم تعقيمه عن طريق التسخين. وبالفعل فقد أكد باستور أن العضويات الدقيقة التي تظهر في السائل، فـ «تعديه»، إنما تسقط فيه من الهواء. وعقِّب على ذلك بأن الهواء، في هذه الحالة، سيكون مضببا تماما. إذاك قام باستور بإطلاق «بالونات» في الهواء، ثم فتحها في درجات مختلفة من العلو، وفي أماكن مختلفة، وأوضح أنه، في مستوى علو كبير، لا يعود هنالك وجود للجراثيم، على وجه التقريب، بينما يحفل هواء المدن بالعديد منها.

لكن التجربة الحاسمة هي التي قام بها سنة 1860. فقد ملأ بالونا بماء خميرة محلي، ومدد عنق البالون بالحرارة، ولواه بحيث أصبح شبيها بعنق طائر التَّمِّ، تاركا طرفه مفتوحا، وقام بتعقيم البالون ومحتوياته (بتعريضه للحرارة). وبقي السائل معقما طيلة سنوات، رغم تماس سطحه مع الهواء.

اكتشاف جديد

وفي سنة 1862، عكف باستور على دراسة أسباب فساد الخمور والجعة. وقد أوضح لزارعي الكروم ولصانعي الجعة أنهم، إذا قاموا بتسخين العصير الذي يريدون تخميره مرات متعددة، وبصورة معتدلة، سيتفادون الاختمارات الموازية التي تفسد الخمر والجعة. وقد أصبح لهذه الطريقة اسم محدد : البسترة.

وفي 1865، التحق باستور ببلدة أليس، ليدرس أسباب إصابة دودة القز بالمرض المسمی : «التفلفل»، وقد اكتشف أن ديدان القز المريضة تحمل جسيمات تعدي سَرْءَ (بيض) الفراشات وأوراق أشجار التوت. ومن أجل الحيلولة دون استشراء الداء، ارتأى أن يتم عزل البيوض في كل مرة، وتفتيت الدودة الأنثى، والبحث عن تلك الجسيمات بداخلها. فإن كانت موجودة، توجب إحراق البيوض. وإن لم توجد، تتم المحافظة على اليرقات المنبثقة من تلك البيوض ورعايتها.

لويس باستور مروض الجراثيم

هكذا قام لويس باستور، من جديد، باکتشاف هام، يتمثل في أساليب الوقاية من الأمراض المعدية. إثر ذلك، عكف باستور على البحث عن أسباب أمراض أخرى : «الجمرة الخبيثة» (مرض قاتل يصيب الأغنام …)، و «داء الدمامل»، «التهاب نقي العظام»، و «حمی النفاس» فسرعان ما أدرك أن السبب في ظهور الجمرة الخبيثة هو «بكتيريا الفحم»، التي كان دافين قد اكتشفها. كما أن داء الدمامل والتهاب نقي العظام، يظهران بسبب جرثومة «تبدو على شكل ركام من الحبوب» (الجرثومة العنقودية). أما حمى النفاس، فتنتج عن جرثومة على شكل حبات مسبحة (المكورة العقدية).

وقد أقنعت هذه الاكتشافات، أخيرا، الأطباء والجراحين بضرورة اتقاء العدوى التي تسببها الجراثيم. وقد علمهم باستور طرق تعقيم الأدوات الطبية والضمادات، وكيفية تطهير البنايات التي يشتغلون بها، كما حذرهم من إمكانية نقلهم هم أنفسهم، والمشتغلين معهم، للجراثيم الحاملة للأمراض، من مريض إلى آخر.

اللقاحات

بعد أساليب التعقيم، اكتشف باستور اللقاحات. فخلال الصيف، سافر في إجازة، مخلفا في دولاب أوعية تتنامى فيها جراثیم كوليرا الدجاج، وكان قد بدأ يدرس مظاهر هذا المرض منذ وقت. وحين عاد من سفره، قام بتطعيم دجاجات بتلك المادة الجرثومية. والأمر الذي أثار استغراب الجميع، هو أن تلك الدجاجات لم تمت.

وهنا لعبت عبقرية باستور دورها. فقد حاول أن يفهم هذا الأمر الغريب، لذا طعم هذه الدجاجات نفسها بجراثيم الكوليرا، التي كان يعلم أنها قوية، وقد قاومتها الدجاجات. وفهم وقتها أن المادة الجرثومية الأولى كانت قد ضعفت، إذ تقادمت بتأثير الهواء عليها وهي في الدولاب، وأن تلك الجراثيم الواهنة قد أحدثت تغييرا في الجهاز العضوي للدجاج، وجعلته قادرا على مقاومة سريان المرض الفعلي. هكذا تم اكتشاف التلقيح بالجراثيم التي فقدت قوة مفعولها.

بعدها، اكتشف باستور أيضا لقاحا ضد مرض الجمرة الخبيثة الذي يصيب الأغنام … فالعصية البكتيرية لداء الجمرة تنتج غبيرات (بَوْغَات) تجعل أمر إضعاف مفعولها بتعريضها للهواء مستحيلا. ومرة أخرى، ستتجلی عبقرية باستور في إبداعه طريقة جديدة لإضعاف قوة البكتيريا. فقد فكر في «تربيتها» في درجة حرارة أعلى من تلك المعتادة. وعوض °37 درجة، نماها في 42-43° س. وبالفعل، وهنت قوة الباسيل وانقلب إلى لقاح. والخرفان التي طعمت به، تمکنت، بعد ذلك، من مقاومة البكتيريا القوية..

اكتشاف لقاح داء الكلب

كانت أبحاث لويس باستور التي كللت بالنجاح قد كفلت له المجد وذيوع الصيت. وقد تبدت عبقريته شامخة في اكتشافه للقاح ضد داء الكلب. كان باستور قد توصل من خلال تجاربه السابقة، إلى وجوب عزل الجرثومة المسببة لمرض ما، من أجل محاربته عن طريق إضعاف تلك الجرثومة، واستخلاص لقاح منها. ولكن العامل المسبب لداء الكلب لم يكن ليرى بالمجهر، ولا لـ «ينمى» بالطرق المعهودة، لأنه فيروس.

وهذا الفيروس لن یکتشف ويعزل و «پربی»، إلا بعد موت باستور بزمن طويل. ورغم هذا، فإنه هو الذي هيأ اللقاح. فتأثیر داء الكلب يطال الجهاز العصبي. وإذن فلا بد أن يوجد الفيروس في مكونات ذلك الجهاز. وهو يوجد أيضا في لعاب الحيوانات المصابة.

رسم بالفيسفساء، - أنجزه Auguste Gilbert-Martin جوبيل يتمكن من السيطرة على كلب مصاب بداء الكلب. وجوبيل هو الشخص الثاني الذي لقحه العالم لويس باستور ضد مرض داء الكلب
جوبيل يتمكن من السيطرة على كلب مصاب بداء الكلب (وجوبيل هو الشخص الثاني الذي لقحه باستور ضد ذلك الداء)
رسم بالفيسفساء، – أنجزه Auguste Gilbert-Martin

وقد تمكن لويس باستور من الحصول على فيروس شديد القوة، ثابت المفعول، بتطعيم أمخاخ حیوانات سليمة بالنخاع الشوكي لحيوانات مصابة بالكلب. وبعد أن يكون الفيروس قد انتقل مرات عديدة – من مخ إلى مخ! – فإنه يبقى على قوته الأصلية. وهكذا، يصبح الحيوان نفسه «وسطا» لـ «تنمية» الفيروسات. ولكن، يتوجب الحصول على فيروس «واهن القوى». وقد حصل عليه باستور، بالفعل، إذ علق نخاع حيوان مصاب في وعاء يحتوي على مادة مجففة : الكلس (الجير).

هكذا تم إضعاف الفيروس، تدريجيا. وبالفعل، فإن الحيوانات التي طعمت ببعض النخاع، الذي هيئ بهذه الطريقة، اكتسبت مناعة ضد المرض، ولم تعد لتتأثر إذا حقنت بنخاع طري يحمل فيروسات قوية. هل تم، إذن، التوصل إلى لقاح مضاد للكلب، وهل يمكن تجريبه على الإنسان؟ لم يجزم باستور بشيء، وبقي مترددا.

ولكن حالة جوزيف ميستر Joseph Meister جعلته يحزم أمره. فقد جاء ذلك الطفل، البالغ من العمر تسع سنوات، من الألزاس، بعد أن عضه كلب مصاب بداء الكلب، في عدة مواضع من جسده. وقد اعتبر الأطباء أن حالته ميؤوس منها. ولكن باستور قبل معالجته. وشفي جوزيف ميستر، وانتصر باستور! وأقبل أناس كثيرون من مختلف أرجاء العالم ليعالجوا على يده.

وعلى سبيل المثال، جاءه سبعة عشر روسيا، كانوا قد تعرضوا للعض من طرف كلاب مريضة قبل وفودهم بثمانية عشر يوما، فأنقذ لويس باستور ستة عشر من بينهم، وقدم له قيصر روسيا أول مبلغ مالي أسهم به لبناء معهد باستور Institut Pasteur ولكن الرجل كان قد أنهك كثيرا…

وفي 28 شتنبر 1895، مات واحد من أكبر علماء زمانه، وأعظمهم مكانة في نفوس الناس.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق