تاريخ الأتراك

محمد الفاتح: كيف أسقط السلطان التركي الإمبراطورية البيزنطية

يعرف السلطان محمد الثاني (الفاتح) بأنه هو من قضى نهائيا على الإمبراطورية البيزنطية بعد أن استمرت أحد عشر قرنا ونيفا، ويعد الكثير من المؤرخين هذا الحدث خاتمة العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة، وعند الأتراك فهذا الحدث هو “فاتحة عصر الملوك”.

فمن هو محمد الفاتح

محمد الفاتح هو السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاما كانت خيرا وعزة للمسلمين، تولى حكم الدولة العثمانية بعد وفاة والده السلطان مراد الثاني في 16 محرم سنة 855ه وكان عمره آنذاك 22 سنة ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل كما أنه فاق أقرانه منذ طفولته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لسبع لغات، وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال حتى إنه اشتهر أخيرا في التاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينية. وقد انتهج المنهج الذي سار عليه والده وأجداده في الفتوحات.

السلطان محمد الفاتح
السلطان محمد الفاتح

ومن صفاته الخلقية: أنه كان طويل القامة، مفتول العضلات، وردي البشرة، مكتنز الخدين، معقوف الأنف. وكان قوي الشخصية، ميالا إلى السلطة إذ كان قائدا عسكريا وإداريا لا مثيل له. ومن صفاته الكتمان إذ كان يخفي الأسرار حتى عن أقرب المقربين إليه. كما كان رصينا ووقورا وجسورا.

مدينة القسطنطينية

تأسست القسطنطينية سنة 658 ق.م. وكانت من قبل قرية للصيادين، وتعرف باسم بيزنطة وفي سنة 335م جعلها الإمبراطور قسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) وأصبح يطلق عليها القسطنطينية على اسم الإمبراطور قسطنطين مؤسس الإمبراطورية، وكان بها مقر بطريركية الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كنيسة آيا صوفيا.

خلال العصر الذهبي للإمبراطورية البيزنطية خاصة تحت حكم الأسرة المقدونية، حيث دعي عصرهم بعصر النهضة المقدونية والكومنينيون، ففي عهدهم عرفت الإمبراطورية البيزنطية نهضة ثقافية وعلمية، وكانت القسطنطينية في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحي من حيث الحجم والثراء والثقافة.

ويصف دكتور حسنين محمد ربيع القسطنطينية بقوله:

الحقيقة إن الإمبراطور قسطنطين الكبير شيد مدينة أصبحت أعظم مدينة في أوروبا العصور الوسطى لقرون طويلة. وكان موفقا في اختيار موقع العاصمة الجديدة عند نقطة التقاء قارتي آسيا وأوروبا، تحتل مثلثا من الأرض، يحتضنها البوسفور من الشرق، ويطل عليها القرن الذهبي من الشمال، وبحر مرمرة من الجنوب، ولا يمكن الوصول إليها برا إلا من جهة واحدة، وهذا جعلها مدينة حصينة آمنة من أي غزو بري أو بحري، وتحكمت العاصمة الجديدة في الطريق الموصل بين أوروبا وآسيا، وبين البحر الأسود والبحر الأيجي والبحر المتوسط، وسرعان ما أصبحت القسطنطينية أهم مركز للتجارة الدولية فقد تمتعت المدينة الجديدة بأحسن ميناء طبيعي في عالم العصور الوسطى.

دراسات في تاريخ الدولة البيزنطية

لقد تراجعت أحوالها إثر وفاة الإمبراطور جوستنيان. وفقدت الكثير من مناعتها جراء الحملة الصليبية الرابعة سنة 1204م التي أنهكت دفاعاتها. فالمدينة لم تستطع في 200 عام أن تتعافى من سبي اللاتينيين الكاثوليك لأهلها وحرقهم بيوتها ومبانيها وساحاتها. وإذا كان الانشقاق الكبير ما بين الكنيستين قد حصل عام 1054م نتيجة التنافس على الأولوية بين أباطرة الشرق والغرب وأحبارهم، فإن الانشقاق قد اتسع كثيرا في العام 1204م، أي عند دخول الجيوش الصليبية المدينة وحرق مبانيها العامة والخاصة وانتهاك حرمة كنائسها.

وفي عهد السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح (1451-1481م) فتح العثمانيون مدينة القسطنطينية، فقوضوا الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وفتحوا أراضيها في منطقة البلقان أساسا وفي غيرها، وما زالت منطقة القسطنطينية، أي مدينة الأستانة كما أطلقوا عليها وما حولها، هي الجزء الأوروبي من السلطنة التي انحصرت في تركيا الحديثة حتى الآن.

الإعداد لفتح القسطنطينية

أخذ السلطان محمد الثاني، بعد وفاة والده، يستعد لتتميم فتح ما بقي من بلاد البلقان ومدينة القسطنطينية حتى تكون جميع أملاكه متصلة لا يتخللها عدو مهاجم أو صديق منافق، فبذل بداية الأمر جهودا عظيمة في تقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون جندي، وهذا عدد كبير مقارنة بجيوش الدول في تلك الحقبة، كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للغزو الكبير المنتظر، كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعدادا معنويا قويا، وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء النبي محمد على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك، مما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير، كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائمهم.

أراد السلطان، قبل أن يتعرض لفتح القسطنطينية أن يحصن مضيق البوسفور حتى لا يأتي لها مدد من مملكة طرابزون، وذلك بأن يقيم قلعة على شاطئ المضيق في أضيق نقطة من الجانب الأوروبي منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي.

ولما بلغ إمبراطور الروم هذا الخبر أرسل إلى السلطان سفيرا يعرض عليه دفع الجزية التي يقررها، فرفض الفاتح طلبه وأصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة، وصل ارتفاعها إلى 82 مترا، وأطلق عليها اسم “قلعة روملي حصار” بالتركية: Rumeli Hisari، وأصبحت القلعتان متقابلتين، ولا يفصل بينهما سوى 660 مترا، تتحكمان في عبور السفن من شرقي البوسفور إلى غربه وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة. كما فرض السلطان رسوما على كل سفينة تمر في مجال المدافع العثمانية المنصوبة في القلعة، وكان أن رفضت إحدى سفن البندقية أن تتوقف بعد أن أعطى العثمانيون لها عددا من الإشارات، فتم إغراقها بطلقة مدفعية واحدة فقط.

اعتنى السلطان عناية خاصة بجميع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية، ومن أهمها المدافع، التي أخذت اهتماما خاصا منه، حيث أحضر مهندسا مجريا يدعى “أوربان” كان بارعا في صناعة المدافع، فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانات المالية والمادية والبشرية. استطاع هذا المهندس من تصميم وتصنيع العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها “المدفع السلطاني” المشهور، الذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان، وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه، وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.

ويضاف إلى هذا الاستعداد ما بذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني؛ حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلا للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية، تلك المدينة البحرية التي لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة وقد ذُكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت مئة وثمانين سفينة في الواقع.

عقد معاهدات

عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة غلطة المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع جنوة والبندقية وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن المدينة.

في هذه الأثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح، استمات الإمبراطور البيزنطي في محاولاته لثنيه عن هدفه، بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه، وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره، ولكن السلطان كان عازما على تنفيذ مخططه، ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه.

ولما رأى الإمبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي، في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية وكان بينهما عداء شديد، وقد اضطر الإمبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك.

قام البابا بناء على ذلك بإرسال مندوب منه إلى القسطنطينية، خطب في كنيسة آيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين، مما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة، وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك، حتى قال بعض زعماء الأرثوذكس:

“إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترك على أن أشاهد القبعة اللاتينية”

محمد الفاتح وخطة البدء

سعى السلطان، بعد كل هذه الاستعدادات، في إيجاد سبب لفتح باب الحرب، ولم يلبث أن وجد هذا السبب بتعدي الجنود العثمانيين على بعض قرى الروم ودفاع هؤلاء عن أنفسهم، حيث قتل البعض من الفريقين.

عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 6 أبريل، 1453م، فجمع الجند وكانوا قرابة مئتين وخمسين ألف جندي، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء.

وبهذا ضرب السلطان الحصار على المدينة بجنوده من ناحية البر وبأسطوله من ناحية البحر، وأقام حول المدينة أربع عشرة بطارية مدفعية وضع بها المدافع الكبيرة التي صنعها “أوربان” والتي قيل: بأنها كانت تقذف كرات من الحجارة زنة كل واحدة منها اثنا عشر قنطارا إلى مسافة ميل، إلا أن المؤرخين المعاصرين يقولون: إن هذا الرقم مبالغ فيه. وفي أثناء الحصار اكتشف قبر “أبي أيوب الأنصاري” الذي استشهد حين حاصر القسطنطينية في خلافة معاوية بن أبي سفيان.

وفي هذا الوقت كان البيزنطيون قد قاموا بسد مداخل ميناء القسطنطينية بسلاسل حديدية غليظة حالت بين السفن العثمانية والوصول إلى القرن الذهبي، بل دمرت كل سفينة حاولت الدنو والاقتراب. إلا أن الأسطول العثماني نجح على الرغم من ذلك في الاستيلاء على جزر الأمراء في بحر مرمرة.

استنجد الإمبراطور قسطنطين، آخر ملوك الروم، بأوروبا، فلبى طلبه أهالي جنوة وأرسلوا له إمدادات مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي “جوستنياني” يرافقه سبع مائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة، فأتى هذا القائد بمراكبه وأراد الدخول إلى ميناء القسطنطينية، فاعترضته السفن العثمانية ونشبت بينهما معركة هائلة في يوم 21 أبريل 1453م، انتهت بفوز جوستنياني ودخوله الميناء بعد أن رفع المحاصرون السلاسل ثم أعادوها بعد مرور السفن الأوروبية كما كانت.

حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلاسل الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الإسلامية إليه، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية، فارتفعت بهذا الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة.

بعد هذا الأمر، أخذ السلطان يفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار برا وبحر، فخطر بباله فكرة غريبة، وهو أن ينقل المراكب على البر ليجتازوا السلاسل الموضوعة لمنعها، وتمّ هذا الأمر المستغرب بأن مهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتي بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، وبهذه الكيفية أمكن نقل نحو سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من البيزنطيين.

استيقظ أهل المدينة صباح يوم 22 أبريل وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين، ولقد عبر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال:

«ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلا من
الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الأسكندر الأكبر».

أيقن المحاصرون عند هذا أن لا مناص من نصر العثمانيين عليهم، لكن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا إقداما وصمموا على الدفاع عن مدينتهم حتى الممات.

وفي يوم 24 ماي سنة 1453م، أرسل السلطان محمد إلى الإمبراطور قسطنطين رسالة دعاه فيها إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى وأعطاهم الخيار بالبقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر، فمال بعضهم إلى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الإمبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها:

إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يدفن تحت أسوارها، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال:

«حسنا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر».

سقوط الإمبراطورية البيزنطية

عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 29 ماي 1453م، بدأ الهجوم العام على المدينة، فهجم مئة وخمسون ألف جندي وتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج وأعملوا السيف فيمن عارضهم، واحتلوا المدينة شيئا فشيئا إلى أن سقطت بأيديهم، بعد 53 يوما من الحصار.

أما الإمبراطور قسطنطين فقاتل حتى مات في الدفاع عن وطنه كما وعد، ولم يهرب أو يتخاذل. ثم دخل السلطان المدينة عند الظهر فوجد الجنود مشتغلة بالسلب والنهب، فأصدر أمره بمنع كل اعتداء، فساد الأمن حالا. ثم توجه إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف المسيحيون داخلها خوفا عظيما، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر
الفاتح بعد ذلك بأن يؤذن في الكنيسة بالصلاة إعلانا بجعلها مسجدا.

مسجد أيا صوفيا
مسجد أيا صوفيا – القسطنطينية/استامبول

ظهرت الروح الإسلامية السمحة في يوم الفتح، فقد دخل السلطان محمد الثاني القسطنطينية في سنة 857 ه/ 1453م، وهو صائم، فسجد لله شكرا في تواضع جم، ومعه العلماء ورجالات الإسلام، ونهى الجند عن الاعتداء والنهب، ومنع القتل وسفك الدماء، وأمن الآهلين وقرر حرية العبادات للنصارى الأرثوذكس، ومنح اليونان والأرمن من أهل القسطنطينية امتيازات خاصة.

وردّا على ما فعله الإسبان بالمسلمين في الأندلس، وتحويل مساجدهم إلى كنائس، ومنها المسجد الجامع في قرطبة، أمر السلطان بتحويل كنيسة آيا صوفيا أكبر كنائس القسطنطينية إلى مسجد، وأضيفت إليه أربع مآذن، وعندما ظهر أتاتورك حول هذا المسجد إلى متحف عام 1934 ومنع الصلاة فيه، وظل كذلك إلى سنة 2020 حيث تم تحويل أيا صوفيا إلى مسجد في عهد حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

نتائج فتح القسطنطينية

  1. كان لسقوط القسطنطينية دوي كبير، سواء في الشرق أو في الغرب، كما يعد أحد أكبر وقائع التاريخ العالمي، وحدا فاصلا بين تاريخ العصور الوسطى وتاريخ العصور الحديثة.
  2. زُينت القاهرة (المملوكية) وعم الفرح سكانها، وأرسل السلطان المملوكي رسالة إلى السلطان محمد الفاتح يهنئه بالفتح، وكان هذا، في حقيقة الأمر، توطئة للنفوس لتقبل الزعامة التركية العثمانية الإسلامية الناشئة، فمنذ سنوات لم تحرز أي دولة إسلامية انتصارا مدويا كهذا.
  3. بعث السلطان الفاتح برسائل الفتح إلى سلطان مصر وشاه إيران وشريف مكة وأمير القرمان، كما بعث برسائل مماثلة إلى الأمراء النصارى، المجاورين له، في المورة و الأفلاق والمجر والبوسنة والصرب وألبانيا، وإلى جميع أطراف مملكته، وتلقى من بعضهم رسائل تهنئة.
  4. في الغرب، فقد كان تأثير سقوط القسطنطينية كبيرا جدا على مستقبل أوروبا، بحيث اهتر كل عرش في هذه القارة، وانتاب الملوك والأمراء شعور بالهلع والألم والخزي بعد أن سقط الحصن الذي طالما حمى أوروبا من آسيا أكثر من ألف عام، وتجسّم لهم خطر المسلمين وتهديدهم، وتوجسوا أن يكون انتصار السلطان العثماني بداية لتوغل العثمانيين في أوروبا، فراحوا يتتبعون خطواته وحركاته بقلق واهتمام بالغين، ونهضوا يستفزون بعضهم بعضا عن طريق الشعر والأدب والمسرحيات وعقد الاجتماعات والمؤتمرات، وأدركوا أن القوة والعقيدة الإسلاميتين اللتين أملوا في ردهما إلى داخل آسيا قد شقتا الآن طريقهما على جثة بيزنطية، وعبرتا البلقان إلى أبواب المجر، وإذا ما خضعت هذه البلاد للمسلمين فُتحت أمامهم طريق إيطاليا وألمانيا.
  5. رأت البابوية، التي حلمت بإخضاع جميع النصارى اليونان لحكم روما، بفزع، سرعة تحول الملايين من سكان جنوبي شرقي أوروبا إلى الإسلام، وكتب البابا نيقولا الخامس إلى جميع الحكام الأوربيين طالبا منهم طرح الخلافات وتوحيد الجهود ضد العثمانيين، والعمل على تشكيل حلف صليبي آخر، كما حاول خليفته البابا بيوس الثاني (1458-1468م) تجديد الهمم، لكن النزاعات بين ملوك أوروبا وأمرائها حالت دون تحقيق الهدف.
  6. شكل فتح القسطنطينية عامل دعم للممتلكات الجديدة في الدولة العثمانية، وفرض هيبتها على العالمين الإسلامي والأوروبي، إذ إن العمل الاستراتيجي الذي أداه كان بمثابة كسر حاجز تاريخي استعصى على المسلمين كثيرا، من خلال حصاراتهم المتعددة له منذ العهود الإسلامية الأولى، وبذلك تحطم الجدار الأوروبي الأول جغرافيا أمام زحف المسلمين باتجاه أوروبا، ما سيكون له انعكاسات إيجابية على الفتوحات العثمانية في هذه القارة.
  7. أضحت طرق التجارة، التي كانت مفتوحة أمام السفن الغربية، في أيدي عثمانية، تفرض عليها الضرائب في وقت السلم وتسدها المدافع في وقت الحرب.
  8. هجر الفن البيزنطي موطنه، وأخذت هجرة العلماء إلى إيطاليا وفرنسا، التي كانت قد بدأت سنة 1397م، تزداد وتثمر في إيطاليا، ونتج عنها الدعوة إلى إنقاذ اليونان القديمة، وكان ذلك من بواعث النهضة الحديثة في أوروبا.

لم يكن سقوط القسطنطينية، في نظر محمد الفاتح، بمثابة النهاية، بل إنه كان البداية، لها ما بعدها، إذ إنه وجّه اهتمامه إلى تعزيز سلطته في منطقة الدانوب ليواجه المجر التي أثبتت، خلال العهد السابق، أنها العقبة الرئيسية أمام التوسع العثماني في أوربا.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق