التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

محمد بن عبد الكريم الخطابي من المنفى إلى العودة .. تفاصيل 21 سنة من الاحتجاز

اقرأ في هذا المقال
  • آل عبد الكريم الخطابي في قصر موغانج
  • من القصر إلى فيلا كاستيل
  • عبد الكريم الخطابي يغازل فرنسا من المنفى
  • محمد بن عبد الكريم الخطابي يراسل دوغول
  • الخطابي ولاء مطلق للسلطان

أولت مختلف الدوائر الدبلوماسية والسياسية والاستخباراتية الفرنسية اهتماما خاصا لـ محمد بن عبد الكريم الخطابي وأفراد أسرته ورفاقه في كل المراحل التي مرت منها علاقاته بالسلطات الفرنسية، سواء خلال الثورة الريفية (حرب الريف) أو في المنفى بجزيرة لارينيون في المحيط الهندي أو بعد لجوئه إلى القاهرة.

وتزخر وثائق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بنانط بمحفظات وملفات كثيرة تهم شتى جوانب حياة ومواقف محمد بن عبد الكريم الخطابي في المنفى بين سنتي 1926 و 1947.

آل عبد الكريم الخطابي في قصر موغانج

حظيت مسألة إعالة ابن عبد الكريم وأسرته الكبيرة باهتمام الحكومة الفرنسية وسلطات الحماية وسلطات جزيرة لارينيون، يتجلى ذلك في الكم الهائل من المراسلات التي تم تبادلها بين الرباط وباريس وسان دوني بهذا الخصوص.

فقد أثار حاكم لارينيون انتباه حكومته، منذ البداية، إلى أن تكلفة العيش بالجزيرة تمثل ضعف مثيلتها في باريس بمرتين، مقترحا أن تخصص سلطات الحماية منحة مالية تعادل تلك الممنوحة للأمراء الآناميين الفيتناميين المنفيين بدورهم في الجزيرة، وهو ما رفضه المقيم العام تيودور ستيك الذي اعتبر أن لا مجال للمقارنة بين المستفيدين، لأن ابن عبد الكريم الخطابي ، حسب تعبيره :

“زعيم أهلى تمرد على سلطة السلطان، وحين أرغم على الخضوع لجأ إلى كرم وسخاء فرنسا. إن المنحة المخصصة له تكفيه بدون شك للعيش بكرامة، فرغم غلاء المعيشة بلارينيون واعتبارا للموارد الخاصة التي بحوزته ومداخيل العمل الذي يمكن أن يقوم به، فإنني أظن أن مبلغ 100 ألف فرنك المبرمج في مشروع الميزانية هو أقصى مجهود يمكن أن توافق عليه الحماية”

ظل هذا المبلغ يشكل المنحة المالية السنوية المخصصة لآل الخطابي، وكانت تصرف على الشكل التالي سنة 1927:

  • سومة كراء قصر موغانج Morhange Château مقر إقامة محمد بن عبد الكريم الخطابي وأهله بقيمة 20 ألف فرنك سنويا.
  • مصاريف العلاجات الطبية بمبلغ 2400 فرنك، علما أن الجزيرة كانت مرتعا للأوبئة وخاصة الملاريا.
  • تكلفة الغذاء 77 ألف و600 فرنكا كانت تؤدي للأسرة شهريا بحساب 6.466 فرنكا شهريا.

في حين يستفاد من مراسلة الحاكم لارينيون مؤرخة بأكتوبر 1926 أن الحد الأدنى لمواجهة تكلفة الغذاء والكساء والعلاج اليومية لأسرة تتكون من حوالي 30 شخصا هو 14 ألف و 500 فرنك يوميا، ثم كتب في رسالة أخرى أن ” المبالغ المخصصة من قبل الحماية لإعالة «المعتقلين» غير كافية لضمان معاملة لائقة “، وهو ما زكاه القبطان فيرين Verines ضابط الدرك المكلف بمراقبة آل الخطابي حين أكد أنه لضمان ضروريات الأسرة الأساسية، فقط، يتعين مضاعفة المنحة المخصصة لهم.

إلا أن سلطات الإقامة العامة ظلت مصرة على التقتير على محمد بن عبد الكريم الخطابي وأهله لجعله منشغلا بضنك العيش وكيفية مواجهة متطلبات البقاء على قيد الحياة.

إلى جانب المنحة المالية لإعالة الأسرة الخطابية في المنفى، احتلت مسألة سكناهم مكانا هاما في المراسلات الكثيرة، وعلى أعلى مستوى بين الإقامة العامة ووزارة الخارجية الفرنسية وحاكم جزيرة لارينيون. تفيد هذه المراسلات أن قصر موغانج الذي استقر فيه آل الخطابي إثر وصولهم إلى بلدة سان دوني بالجزيرة كان في حالة متدهورة ويقع في منطقة غير صحية، مما جعل سلطات الحماية تخصص مبلغ 150 ألف فرنك لإصلاحه وتجهيزه لاستقبال الأسرة المنفية.

وقد ظلت سلطات الإقامة العامة تشتكي من ارتفاع سومة كراء وصيانة القصر، ودعت إلى إيجاد مسكن أخر لآل عبد الكريم الخطابي ، لكنه تعذر آنذاك إيجاد منزل قادر على إيواء أكثر من ثلاثين شخصا في سان دوني أو في ضواحيها، ويكفل موقعه مراقبة سهلة ومستمرة للأمير وحاشيته.

الخطابي من القصر إلى فيلا كاستيل

ظلت التقارير تؤكد الحالة المتردية لقصر موغانج وعدم صلاحيته للسكن من الناحية الصحية بعد سنتين من إقامة آل الخطابي فيه، الشيء الذي تسبب في تفشي مرض الملاريا في أوساط الأسرة وفي وفاة خادمة للأسرة. بل كشف القبطان فيرين :

«أن قصر موغانج كان فأل شؤم ونحس عليهم، ولم أستغرب لذلك شخصيا لأن كل المالكين الذين سكنوا ذلك المكان إما ماتوا مثل رحمة “تشيكيتا” أو فروا منه سريعا»

مضيفا أنه لما رأى تدهور معنويات وصحة آل الخطابي، بذل كل ما في وسعه لإقناع السلطات بضرورة تغيير سكناهم، وكتب لأحد أصدقائه إنني أهتم بهم كثيرا بل إنني أحبهم، لقد أصبحنا أصدقاء جيدين لكثرة احتكاكنا اليومي وتبادل الأفكار بيننا.

بعد شهور من المشاورات بين الرباط وباريس وسان دوني، اتخذ قرار نقل الأمير عبد الكريم الخطابي وذويه إلى سكن أخر تم شراؤه على نفقة ميزانية الحماية بالمغرب، ففي فبراير 1929، يفيد القبطان فيرين، أنه رافق الأمير وأخاه لمعاينة إقامة كاستيل فلوري – Castel fleuri التي تقع على بعد 8 كلم من سان دوني وتتميز بمساحتها الواسعة وغرفها الكثيرة ومجهزة بالماء والكهرباء، وصفها التقرير بأنها :

« إقامة رائعة وجديدة تقريبا، ذات موقع جيد ومعزولة بشكل كامل، مما يسهل مراقبة الأسرة المنفية وجعلها منقطعة عن العالم الخارجي، فضلا عن مساحة 12 هكتار مزروعة بالذرة والمانيوك وقصب السكر ستسمح للمنفيين بشغل أنفسهم وإخراجهم من الخمول والكسل وتمكنهم من العيش بشكل أفضل، لقد راقتهم جدا»

تم إذن اقتناء فيلا كاستيل فلوري Castel fleuri في 15 غشت 1929 بسعر ناهز 337 ألف فرنك فرنسي على نفقة الخزينة العامة للحماية الفرنسية بالمغرب، بعد استقرار أسرة محمد بن عبد الكريم الخطابي في الإقامة الجديدة، لم تعد المراسلات والتقارير تثير مسألة عدم كفاية المنحة المالية، ولعل ذلك راجع إلى أن تلك الإقامة كانت في ملكية الحماية، وبالتالي لم تعد سومة الكراء تخصم من المنحة، غير أن مالك فيلا كاستيل فلوري كان عليه أداء الضريبة العقارية، لذا طالبت الخزينة العامة للجزيرة خزينة الحماية بأداء مبلغ 1400 فرنك قيمة الضرائب العقارية عن إقامة أسرة الخطابي لسنتي 1930 و 1931.

فكان جواب الرباط أن المبلغ يجب أن يخصم من المنحة المخصصة لابن عبد الكريم الذي رفض أداء هذه الضرائب، وهو ما كان موضوعا لمراسلات عديدة انتهت بقرار سلطات الحماية أداءها.

محمد بن عبد الكريم الخطابي يغازل فرنسا من المنفى

معلوم أن ابن عبد الكريم وأهله خضعوا لمراقبة لصيقة لجهاز الدرك الفرنسي، وعُيّن ضابط مكلف بذلك هو القبطان فيرين الذي دأب على إرسال تقارير عن أوضاع الأسرة ومعنوياتها وسلوك أفرادها.

من هذه التقارير الهامة التي تكشف أحوال ابن عبد الكريم ومعنوياته وهمومه بعد عدة سنوات من النفي، تقرير مؤرخ في 15 يونيو 1934 بمناسبة طلب الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي للمرة الثانية نقله إلى بلد متوسطى في شمال إفريقيا، سواء فرنسا أو الجزائر أو المنطقة السلطانية بالمغرب.

أقر الضابط الفرنسي في تقريره أن موقف وسيرة ابن عبد الكريم اتسما منذ وصوله إلى الجزيرة بالأنفة والشهامة، ولم يكن يترك فرصة تمر دون التعبير عن رغبته في أن يفهم ويحكم عليه بإحسان وإنصاف، وظل يردد دائما للضابط الفرنسي :

«لماذا لا تثق بي فرنسا ؟ ليجربوني، وليسأل في الريف إن كنت حرّضت القبائل يوما على القيام بأعمال عدائية ضد فرنسا. ليست لدي يا سيد فيرين إلا رغبة واحدة، أن أكون بعد عودتي مفيدا لبلدكم وأن يوثق بي أخيرا. لقد أديت ثمنا قاسيا بنفي مؤلم جدا لي ومعاناة أكثر لأهلي عن الأخطاء المرتكبة وكلها ليست من جهتي»

محمد بن عبد الكريم الخطابي

اقرأ أيضا جمهورية الريف .. تفاصيل جمهورية عبد الكريم الخطابي

لقد أبدى فيرين، الذي احتك بالأمير يوميا وجالسه وتحادث معه كثيرا، اعتقاده في صدق مشاعر ابن عبد الكريم، مؤكدا أن :

« ولاءه للسلطان وتعلقه بفرنسا ووفاءه لها ورغبته في إسداء خدمات لها ليس مجرد كلام .. إن الإذن الذي قد يمنح له بالعيش في فرنسا أو الجزائر أو المغرب الفرنسي سيجعل منه صديقا وفيا وأمينا يتمتع بتأثير لا يستهان به»

يتضح، إذن، أن مسألة نقل محمد بن عبد الكريم الخطابي وأسرته من المنفى بجزيرة لارينيون طرحت منذ 1932 على الأقل وبطلب من الأمير نفسه، في فترة تسمح لنا مضامين مراسلات الخطابي وتقارير ومراسلات السلطات الفرنسية بالقول إنه بعد ست سنوات من النفي والإقامة الإجبارية، بات صبر ابن عبد الكريم ينفذ بسبب وطأة الغربة والمعاناة وغموض المصير خصوصا بالنسبة لأبناء وبنات الأسرة الخطابية الذين شبوا، وبدأت آفاق مستقبلهم تطرح بحدة.

غير أنه رغم تعاطف الضابط فيرين وشهاداته الإيجابية في حق آل الخطابي، لم تستجب الحكومة الفرنسية والإقامة العامة لطلب الأميرمحمد لاعتبارات سياسية ودبلوماسية، فالمغرب لم تخضع بعض جهاته إلا في ربيع 1934 بالذات، ثم إن إسبانيا الجمهورية لم تكن لتقبل أي تغيير في وضع الخطابي بشكل يهدد نفوذها بالشمال المغربي.

مع ذلك، حاول عبد الكريم الخطابي انتهاز أي فرصة لإقناع حكومة فرنسا والإقامة العامة بالثقة فيه وبصدق مشاعره نحو فرنسا وحكومة المغرب، ففي يونيو 1935، بعث برسالة إلى المقيم العام الفرنسي بالرباط يشكره فيها على الإعانة المالية الإضافية التي استفاد منها وتأثره العميق لهذه الالتفاتة، مضيفا :

«وإني أنتهز هذا الوقت لأؤكد لسعادتكم ثقتي الراسخة في فرنسا وولائي نحو الحكومة الجمهورية والحماية المغربية، وقصدي أن أكون يوما مشغولا بعمل مفيد لمصلحة الجميع»

كما لم يفته التذكير بتقدمه مرتين بطلب نقله وأسرته إلى بلد متوسطي لكن دون جدوى، معتقدا “أن ذلك الرفض سببه عدم الثقة فينا، مع أنني جددت غير مرة كلمتي وعهدي لفرنسا، وكررت لها أن قصدي وعزمي هو الحياة في الهناء وتربية أولادي”.

ومشتكيا من أن “هواء هذا البلد غير الموافق لصحتنا والوسط المتباين لنسائنا ومستقبل الأولاد الذين أريد أن أهيئ لهم تعليما صحيحا ومبنيا على محبة فرنسا بلد قيم الحرية والعدل، هو ما حملني على أن أتوجه لسعادتكم طالبا توسطكم وإعانتكم لدى الحكومة الفرنسوية لتنفيذ طلبي وانتقالي من هنا إلى شمال افريقيا أو الشام أو جنوب فرنسا، حيث يمكن لنا أن نشتغل بالخدمة على الأولاد وتعليمهم ويسهل علينا أن نرى أحبابنا الذين بقوا في المغرب”.

اقرأ أيضا مدرسة الريف.. التعليم في جمهورية عبد الكريم الخطابي

محمد بن عبد الكريم الخطابي يراسل دوغول

أكيد أن هذا القلق المشروع على مصير ومستقبل الأبناء يعكس إحساسا قويا بوطأة النفي التي أصبحت تشتد بسبب طول المدة وانسداد الأفق، رغم الالتزام المطلق بسلوك مثالي وشهم بشهادة السلطات الفرنسية، مما يبرر في اعتقادنا حرص الأمير على تأكيد التزامه بالتعهدات التي قطعها على نفسه سنة 1926 وإبداء مشاعر الوفاء والتعلق بفرنسا والولاء لسلطان المغرب والتضامن مع فرنسا في محنتها خلال الحرب العالمية الثانية.

ففي برقية للجنرال دوغول، في 15 فبراير 1943، نقلها حاكم جزيرة لارينيون، أعرب محمد بن عبد الكريم الخطابي للزعيم الفرنسي عن مشاطرته الثقة المطلقة في انتصار فرنسا في الحرب وابتهاجه للسلام على ممثل فرنسا المحاربة الذي أشرف على انضمام لارينيون لحركة دوغول، ووفائه للسلطات الفرنسية والمغربية، راجيا من الجنرال أن ينقل مشاعر ولائه وخضوعه التام لجلالة سلطان المغرب محمد الخامس. وكعربون على هذا الوفاء، رجا من الجنرال قبول ابنه وحفيديه في صفوف الجيش الفرنسي الذي يقوده الجنرال نحو النصر القريب على حد تعبير الأمير.

نعتقد أن موقف محمد بن عبد الكريم الخطابي خلال الحرب وتضامنه مع فرنسا ساهم إلى جانب عوامل أخرى في حمل السلطات على التفكير في التفاتة نحوه، ففي رسالة من مندوب المستعمرات إلى حاكم جزيرة لارينيون بتاريخ 28 أبريل 1944، جاء ذكر إمكانية الصفح عن الأمير نظرا للظروف الدولية وللاعتبارات الدبلوماسية المترتبة عن الحرب، فطلب المندوب من حاكم الجزيرة رأيه الموضوعي في مجموعة من النقاط المتصلة بابن عبد الكريم وأسرته، خصوصا مدى ولاء “سّي محمد” كما باتت تسمية المراسلات لفرنسا ومواقفه بشأن تجديد الإسلام والقومية العربية المشرقية ومشاعره تجاه إسبانيا، ومعنويات ومزاج وتوجهات أبنائه.

وفي تقرير جوابي لحاكم جزيرة لارينيون أكد بخصوص مواقف محمد بن عبد الكريم أنه :

«بعد هزيمته، أعطى كلمته بأن يظل وفيا لفرنسا وهو ما التزم به دائما، مؤكدا باستمرار أنه سيظل ملتزما بعهده حتى وفاته. كما لا يكفي القول إنه ظل وفيا لبلدنا فحسب، بل عبر عن تعلقه به، وأعتقد أنه بوسعنا أن نثق به نظرا لمشاعر الإعجاب والاحترام التي ما فتئ يبديها تجاه فرنسا. مؤكدا أنه لن يقوم أبدا بأي شيء ضدها» أما «حياته الشخصية فمثال الكرامة والشهامة إذ عاش مع ذويه متواضعا لا يخالط أحدا ولا يحب أن «تتم زيارته مثل حيوان غريب» على حد تعبيره، رغم أن الفرنسيين القلائل الذين احتكوا به يجمعون على الحفاوة والود اللذين يبديهما لدى استقبالهم والحديث معهم»

الخطابي ولاء مطلق لسلطان المغرب

اعترف تقرير حاكم جزيرة لارينيون، أيضا، أن 18 سنة من المنفي كانت قاسية على ابن عبد الكريم الخطابي ، لأنه في بلاد مسيحية غريبة، وبالتالي كانت رغبته الوحيدة هي الانتقال إلى بلاد إسلامية، مكة أو شمال إفريقيا. أما ولاؤه تجاه سلطان المغرب فمطلق، إذ أكد أن :

«أول ما سأقوم به لدى دخولي إلى المغرب هو أن أذهب لأؤدي له قسم ولائي»

كما أنه يستغرب من شكوك فرنسا في كلمته وعهده وإبقائه في المنفى، ليخلص حاكم لارينيون إلى أن فرنسا ليس لديها ما تخشاه من عودة محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى شمال افريقيا فحسب، بل إن هذه العودة يمكن أن تخدمها.

فبالسماح له بالرجوع إلى بلاد الإسلام تكون قد قامت ببادرة سخاء سيتأثر لها المسلمون، كما يمكن لفرنسا أن تستعمل أبناء وأحفاد عبد الكريم، ولي اليقين أن هؤلاء الشباب سيقدمون خدمات جيدة لفرنسا.

رغم هذه التطمينات، ترددت فرنسا مرة أخرى في الإقدام على نقل ابن عبد الكريم ، لتتجدد إثارة الموضوع سنة 1946، حين أبدت بعض الأوساط الحكومية الفرنسية اهتماما خاصا بمزاج آل الخطابي السياسي في المنفى وتقصت أدق التفاصيل عن جوهر قناعاتهم في أفق تغيير وضع الأسرة، فكتب حاكم لارينيون تقريرا مفصلا آخر، قدم فيه جردا لكل أفراد الأسرة وزيجاتهم وعدد الأبناء الذين ولدوا بالجزيرة ومن توفي من أفراد الأسرة والحاشية، ثم تناول بدقة مختلف أوجه سيرة ومواقف آل الخطابي، ومما جاء فيه :

«طيلة 19 سنة ونصف قضوها في لارينيون، كانت سيرتهم وسلوكهم مثاليين، كانوا يتحاشون أي اتصال وعاشوا في تحفظ وعزلة تامين عن العالم الخارجي، مقدمين دائما مثالا للخضوع والأنفة. فقد أكد محمد بن عبد الكريم وأخوه بقوة دائما احترامهما وإعجابهما بفرنسا، مقدمين ضمانات أكيدة عن وفائهما لبلدنا.. واعتقد أنهما صادقين.. وهو ما يجمع عليه كل من احتك بهما».

أما بخصوص أبناء وأحفاد الخطابي، فرغم احتكاكهم المحدود بالساكنة المحلية واقتصارهم على العلاقات المدرسية تقريبا، يرى التقرير أنه يمكن اعتبارهم «مُدمجين» ومتشبعين على نحو واسع بالتربية الفرنسية. تلك كانت بعض جوانب تعامل فرنسا مع محمد بن عبد الكريم وأهله طيلة ما يناهز 20 سنة من الاحتجاز بلارينيون، والحيثيات التي أحاطت بقرار وضع حد لنفي آل الخطابي في فبراير 1947 كما تكشف عنها المراسلات والتقارير الرسمية الفرنسية المحفوظة في الأرشيف الدبلوماسي بمدينة نانط، الذي يزخر بعدد هائل من الوثائق القمينة بتسليط مزيد من الأضواء على هذه الصفحة من تاريخ المغرب المعاصر التي ما تزال تداعيات أحداثها ماثلة للعيان.

المصدر
وثائق الأرشيف الدبلوماسي المحفوظ بمدينة نائط الفرنسية
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق