ذاكرة وأماكن

مدينة القاهرة

اقرأ في هذا المقال
  • الإطار الجغرافي ومناخ القاهرة
  • تاريخ القاهرة: النشأة وأهم مراحل النمو
  • مدينة القاهرة قديما
  • القاهرة حاليا
  • اكتظاظ سكاني
  • بين رهانات السياحة وزحام القاهرة
  • زخم فني ومقاهي ثقافية

إذا كان نهر النيل وأهرامات الجيزة وتمثال أبي الهول وجامع الأزهر من الرموز الطبيعية والفرعونية والإسلامية المتجذرة في مدينة القاهرة ، فإن أسماء أحيائها وحواريها وأزقتها صارت معروفة حتى لدى من لم يزرها لكثرة ما استثمرها الأدب والسينما المصريان، وعمما صورها ومعالمها في جميع أرجاء العالم العربي، وحتى خارجه.

ولا مراء في أن القاهرة من أكثر العواصم العربية حيوية، حيث تتجمع في أحشائها وتجاويفها أعماق التاريخ المتعدد، ونسيج المعمار المتراكب ورهانات اقتصاد وحداثة ما انفكا يصطدمان باختلالات بنيوية ومصاعب هيكلية تحد من طموحاتهما. ذلك أن هذه العاصمة المصرية لم تعد مدينة الألف مئذنة فحسب، بل صارت أول حاضرة إفريقية وحتى إسلامية من حيث تعداد سكانها، الذين ضاقت بالكثيرين منهم سبل الإقامة ومصاعب العيش، فعثر العديدون منهم على مساكن لهم ولذويهم في المقابر التي سرعان ما تحولت إلى أحياء غرائبية تفتقر للشروط الصحية، وتنتصب فيها هوائيات التلفزيون فوق شواهد القبور.

الإطار الجغرافي ومناخ القاهرة

تحتل القاهرة تقريبا كل مقدمة دلتا النيل، على بعد 180 كلم فقط من البحر الأبيض المتوسط، وتتلاقى بمنطقتها الطرق الكبرى القادمة من مضيق السويس وسيناء شرقا، والبحر المتوسط غربا، مخترقة سلسلة من الواحات والمنخفضات، ويُسهل وجود جزر عديدة عبور النهر الذي تقطعه الزوارق المحملة بالبضائع جيئة وذهابا.

ويحد موقع المدينة شرقا منحدر كلسي وطباشيري مثل حافة لنجد صحراوي في غاية الوعورة، يرتفع بغتة من 20 إلى 190 مترا، ويوجد بقمته كل من حصن وجامع محمد علي المطلين على جنوب شرق القاهرة. كما توجد به مقالع الحجر التي تم استغلالها على امتداد القرون لبناء المدينة. وغرب النهر، لا تتجاوز الارتفاعات 100 متر.

وتتميز القاهرة، على غرار مصر، بمناخ صحراوي، رغم القرب النسبي للبحر الأبيض المتوسط ، ولا يتعدى معدل التساقطات المطرية بها ستة أيام في السنة، غير أن أمطارها العابرة تتسم أحيانا، خلال فصل الشتاء، بغزارة شديدة. ويمتاز مناخها عموما بصفاء الجو، وجفاف الهواء، واعتدال الأيام والليالي. فيما تتناوب في الهبوب عليها، بانتظام، رياح الشمال، الأكثر برودة، ورياح الجنوب الملتهبة. وتثير الريح خلال فصل الصيف زوابع من الرمل والغبار.

تاريخ القاهرة: النشأة وأهم مراحل النمو

لماذا سميت القاهرة بهذا الاسم ؟

سميت القاهرة بهذا الاسم نسبة إلى «قاهر الفلك»، وهو كوكب صادف طلوعه بدء بناء المدينة بأمر من القائد جوهر الفاطمي سنة 969م، وكان هذا الأخير يروم إعدادها لاستقبال وإيواء الإمام المعز لدين الله الفاطمي وحكومته الشيعية.

مدينة القاهرة قديما

بعد الأئمة الفاطميين، الذين شيدوا صروحها الأولى، تابع المماليك تزيينها بالمباني الفخمة من قلاع وجوامع ومدارس ومقامات. وأمر السلطان صلاح الدين الأول (1138م – 1193م) ببناء “القلعة” التي بقيت مقرا للحكومة إلى غاية سنة 1869م.

مدينة القاهرة الفاطمية القاهرة المعز cairo
مشهد بديع لانعكاس أشعة الغروب على مآذن القاهرة المعز

بيد أن القاهرة لم تعرف أوج ازدهارها إلا إبان القرن الرابع عشر، بحكم التجارة عبر البحر الأبيض المتوسط، سيما مع مدينة «البندقية»، وذلك قبل اكتشاف طريق الهند عبر « رأس الرجاء الصالح »، جنوب القارة الافريقية.

وقد قيض للمدينة أن تشهد تحولا أساسيا ابتداء من سنة 1804م، على يد محمد علي (1769م – 1849م) الذي يعد بانيها الحديث. فقد ربطها بكل من الإسكندرية والسويس بالسكة الحديدية، كما قام بتطوير العديد من بنياتها التحتية. وانطلاقا من سنة 1865م، أي في عهد إسماعيل باشا، دخلت مدينة القاهرة مرحلة تحديث مكثف ذي طابع أروبي، حيث تم جر المياه إلى الأحياء، واعتماد الإنارة العمومية، وحفر شبكة المجارير، وبناء القناطر، واستعمال عربات الترام.

وأدى افتتاح قناة السويس، سنة 1869م، إلى مضاعفة الوتيرة الحيوية للقاهرة وتطورها العام. وفي بدايات القرن العشرين أخذت تنشأ الأحياء الكبرى التي تعتبر مدنا قائمة بذاتها وتابعة للعاصمة، مثل «عين شمس» شمال شرقها، والمعادي وحلوان جنوبها. كما نما العمران بالضفة الغربية – التي تقع بها الأهرامات – وبجزيرتي الزمالك والروضة، حيث انتشرت الإقامات الفخمة للبورجوازية.

وبين سنتي 1880م و 1914م احتل الانجليز النقط الاستراتيجية لمدينة القاهرة، المتمثلة في رؤوس الجسور، وأنشأوا بها ثكناتهم ومقرات إقامة ضباطهم، كما اتخذوا من جزيرة الزمالك مرتعا لأنشطتهم الترفيهية والرياضية، من غولف وفروسية وكريكيت.

وحيث إن منطقة القنال كانت دائما مهددة في كل نزاع عربي – إسرائيلي، (سيما حروب 1948 و 1956، وحرب الستة أيام سنة 1967، وحرب أكتوبر 1973م)، فإن جزءا من ساكنتها لجأت إلى القاهرة. وساهمت كل هذه التقلبات في نمو المدينة ديوغرافيا وعمرانيا واقتصاديا. كما أن الحرب الأهلية اللبنانية أدت إلى نقل العديد من الأنشطة الدولية من بيروت إلى القاهرة.

القاهرة الآن

تسارعت وتيرة التغيرات العمرانية والهيكلية داخل فضاء القاهرة التي يعتبرها كل المصريين «أم الدنيا». وأخذت تتكاثر حول مآثرها التاريخية وقباب جوامعها ومآذنها عمارات الإسمنت والفولاذ والزجاج.

ولاتتوقف المدينة عن الامتداد على طول ضفتي النيل، حيث توسعت ولاتزال تزحف باتجاه الشمال الشرقي، بمحاذاة الطرق والسكك الحديدية المؤدية إلى عين شمس والمطار، وكذا نحو قناة السويس والجهة الشرقية للدلتا.

ويحتل مركز الأعمال – على امتداد النهر بالناحية الشرقية – الأحياء العتيقة التي نشأت إبان القرن التاسع عشر، من «جاردن سيتي» جنوبا، إلى المحطة الرئيسية للقطار جهة الشمال، وتنتشر مساكن وفيلات وإقامات الفئات الميسورة بجاردن سيتي، والزمالك، والمعادي، وعين شمس.

أما الأحياء الشعبية فتتكاثر بالمناطق المتاخمة لفيضان النهر، سيما بالشمال، وكذا بالضواحي. وأقدم مئات الآلاف من «ملاك» الأرض بوضع اليد على احتلال المقابر الواقعة شرق المدينة عن سفح القلعة، واتخذوا من ردهاتها ومدافنها مساكن لهم بقوة الأمر الواقع، حتى أنك قد تجد أفراد العائلات الغنية – المالكة الأصلية للمدافن – يأتون ليترحموا على موتاهم بين حبال الغسيل والمطابخ المنصوبة في العراء.

وتتمركز المناطق الصناعية الرئيسية بالضفة الشرقية، إما بالشمال (خاصة النسيج)، أو بالجنوب، في حلوان (التعدين).

اكتظاظ سكاني

عدد سكان القاهرة

تستوعب عاصمة مصر %11 من سكان البلاد، حيث يبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 2018 حوالي 9.7 مليون نسمة. ولا توجد خارج القاهرة مدينة كبيرة سوى الإسكندرية التي هي متوسطية أكثر منها إفريقية، وتمتد محافظة القاهرة الكبرى الإدارية – التي تضم كلا من القاهرة والجيزة غربا، والقيلوبية شمالا – على مساحة 2900 كلم 2، وبلغ عدد سكانها سنة 1981 أكثر من 9 ملايين نسمة، وتجاوز في بداية التسعينيات 11 مليونا.

وتعتبر نسبة الأراضي المبنية بها محدودة جدا، حيث لاتتعدى %10 من إجمالي مساحتها، فيما تتكون %53 من هذه المساحة من أراضي صحراوية، وقرابة %30 من الأراضي المزروعة، وشهدت مدينة القاهرة بين أواخر الحرب العالمية الثانية والثمانينيات انفجارا حقيقيا للساكنة الحضرية، وظلت نسبة النمو السكاني مستقرة بين 2,5 و 4 % في السنة.

ونجد السكن في غاية الكثافة وسط المدينة، حيث يتجاوز 130.000 نسمة، و 4000 عمارة في الكيلومتر المربع. ويتزايد بهذه المنطقة الخصاص الفادح في المساكن، مثلما هو الأمر في حي الغورية – الواقع بين القصر الرئاسي وجامعة الأزهر الإسلامية – والذي يعتبر في نفس الوقت حيا سكنيا وحرفيا وتجاريا.

وحاولت السلطات والدوائر المختصة، ولاتزال تسعى إلى إعادة التوازن التدريجي للضفتين. ولمواجهة النمو المتسارع للسكان، وامتصاص جانب من الحاجيات السكنية، تم الشروع منذ سنة 1973 في بناء سبع «مدن مصرية» بالضواحي الشرقية والجنوبية، ضمن مناطق صحراوية حفاظا على الأراضي الصالحة للزراعة بالبوادي، ويتعلق الأمر بمدن: العبور، 10 رمضان، البدر، الأمل، 15 ماي، 6 أكتوبر، السادات..

بين رهانات السياحة وزحام القاهرة

صارت القاهرة أحد أكبر المراكز السياحية في مصر والعالم، بفضل معالم القاهرة الآثرية الرائعة، كأبي الهول، وأهرامات الجيزة وسقارة القريبة من العاصمة على الضفة اليسرى لنهر النيل، دون أن ننسى 400 جامع تتجسد فيها كل الأساليب المعمارية.

كما ينزل بالقاهرة السياح المتوجهون إلى الأقصر، والصعيد، والكرنك، في موقع مدينة «طيبة» الفرعونية، وكذا وادي الملوك والملكات، وأبو سنبل. وحتي يتم استيعاب الأعداد المتزايدة لهؤلاء السياح، شهدت العاصمة بناء كثير من الفنادق الراقية، خصوصا على ضفتي النيل.

زحام القاهرة

غير أن ما يقض مضجع كل من سكان القاهرة وسلطاتها العمومية، ويحس به زوارها مهما قصرت مدة إقامتهم، هو مشكل النقل عبر طرقات المدينة المزدحمة بالسيارات والحافلات والمارة والعربات التي تجرها الدواب، ويكتسي الأمر فداحة أكبر عند اختناق السير بمداخل القناطر الرابطة بين الضفتين، والتي لا يستجيب عددها المحدود لكثرة السيارات والآليات والعربات التي تتنقل يوميا بين جهتي النهر، إلى حد أن الوضعية غالبا ما تنفلت من شرطة المرور في المحاور الطرقية المكتظة.

زحام القاهرة أزمة المواصلات في مدينة القاهرة cairo
زحام القاهرة: أزمة المواصلات في مدينة القاهرة

وهو ما يفسر مدى الشعور بالارتياح الذي خلفه بناء مترو أنفاق القاهرة لدى غالبية سكان العاصمة، وحتى لدى بعض زوارها الراغبين في الإفلات من زحام الطرق وضجيجها المطبق.

القاهرة.. زخم فني ومقاهي ثقافية

إضافة لما سبق، تجدر الإشارة إلى أن القاهرة ظلت تحتل، على امتداد القرون العشرة المنصرمة على تأسيسها، موقعا هاما في المجال الثقافي العربي. وتوجد بها حاليا العديد من المنشآت الفنية ذات الصيت الرفيع، كدار الأوبرا التي لاتقل أهمية معمارية وإسهاما فنيا عن مثيلاتها بباريس أو فيينا.

كما تعتبر مدينة القاهرة من المعاقل التاريخية، بعد بيروت، للصحافة العربية، ورافدا أساسيا لحركة النشر الأدبي والفكري على صعيد العالم العربي، ناهيك عما هو مشهود فيها ولها من زخم في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.

وتتميز القاهرة خصوصا بظاهرة المقاهي الشعبية، التي تنتظم ببعضها منتديات ثقافية مفتوحة، أشهرها “قهوة الفيشاوي” بخان الخليلي التي كان يجلس بها نجيب محفوظ مع أصدقائه، قبل أن ينقطع عنها لاكتظاظها بالسياح، وينتقل إلى “قهوة علي بابا” في ميدان التحرير. وهناك أيضا مقهى «زهرة البستان»، و «الحميدية» وغيرهما.

استمرارية قاهرة المعز

لاشك أن قاهرة المعز تواجه حاليا العديد من المشاكل المركبة، على رأسها أزمة السكن الخانقة، والتلوث الجوي، وقلة التجهيزات العمومية خصوصا في مجال التطهير، فضلا عن البطالة الواسعة وانعكاسها على قدراتها الاقتصادية ونسيجها الاجتماعي ووضعها الأمني، بيد أن تفاعل مكوناتها البشرية وإرثها التاريخي يمدها بالحيوية والجاذبية اللتين بوأتاها مكانتها الخاصة كواحدة من أهم الحواضر العربية والعالمية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق