التاريخ المغاربيعين على التاريخمقالات

مذهب الباطنية: عقائد الباطنية وأقطابها الروحانيون

ليست الباطنية ديانة خاصة بأشخاص ذوي امتياز، بل هي توحيد لكل المذاهب التقليدية. يبدو إميل لِيتْرِي Émile Littré، في معجمه تحفظا إلى حد بعيد، فيما يتعلق بمعنى الباطنية : «مجموعة من مبادئ مذهب الباطنية».

وبصدد نعت «باطني»، يقتصر ليتري على القول بأنه :

«مصطلح ينتمي إلى تاريخ الفلسفة والمذهب الباطني مذهب سري، كان بعض فلاسفة العصور القديمة لا يطلعون عليه إلا عددا قليلا من أتباعهم. وهذا المصطلح نقيض : ظاهري».

أما ألان كارديك Allan Kardec، فقد كتب بصدد «باطني» بأنه : « الذي يحاول أن يكشف عن مستقبل الإنسانية، انطلاقا من علامات إنسانية. فمتفحص دلالات الخط عراف، وقارئ الكف عراف؛ كل ملاحظ هو عراف».

وباعتبار كل محاولة لتفسير ألغاز الكون بحثا باطنيا، سنجد أنفسنا ميالين على الفور إلى تأويل الرموز الهرمسية.

والتعليقات، بهذا الصدد، واردة بكثرة في كتب تاريخ الأفكار الفلسفية في القرن العشرين. لكن ما كُتِب بهذا الشأن، على وفرته، متفاوت القيمة.

الدور الرئيسي لـ مذهب الباطنية في المعرفة

إن الباطنية هي المغامرة الإنسانية الأكثر شمولا. ذلك أن هذا الموضوع فرض نفسه على مختلف الحضارات منذ ستين قرنا، في انتظار الانطلاق للتعرف على أساطير ورموز وتقاليد كواكب أخرى من المنظومة الشمسية، شرط أن تكون مسكونة. فهنالك علماء سيحذون حذو رواد الفضاء، وسيطرحون تساؤلات من نفس المنظور العقلاني، دون أن يلجؤوا إلى الخيال العلمي، وستنكشف معطيات جديدة تسبب لنا دون شك نفس الدهشة التي أثارها شامبليون Champollion وهو يفك الرموز الهيروغليفية.

إن أركيولوجيا المكان الآخر ستؤكد هذه الفكرة الرائعة ليوهان غوته :

« إننا لا نرى إلا ما نعرف »

وسيكون ظهور أضراب لشامبليون ضروريا لاكتشاف سر ألغاز الكواكب الأخرى. ولن تتوانى الآداب الباطنية عن إماطة اللثام عما يبدو غير مألوف، واقتراح منفذ يتلاءم مع المتطلبات الأساسية للفضول البشري، الذي لا يشفى له غليل.

إن هنالك دائما لحظة ما من زمن أحلامنا، نرغب خلالها في العثور مجددا على أطلنطس Atlantis واكتشاف الدورادو Eldorado. لقد شكل الغربيون عقلا ملائما في حدود منطق يجهل الوعي الكوني.

ورفض الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية المقلقة، هو في الغالب إجابة صريحة، يقدمها من يحرص على ألا يشعر بأي تمزق. من هنا تنبع زفرات الارتياب، التي يليها التطلع إلى الحصول على ثقافة عليا، تمكن المفكر المعاصر من الخروج من حالة السهاد، القريبة غالبا من التأمل الكسول، ليكتشف حقيقة العالم بشكل أفضل.

ونحن نعلم أنه متوفر على سبيلين من أجل ذلك : المنطق الشعري القائم على المماثلة، والمنطق العلمي القائم على الهوية.

الباطنية والأديان

لا يجب أن نخلط قط بين الباطنية والديانات.

فالباطنية لا تفضي إلى مبادئ أخلاقية، ولا تقدم قواعد للاتباع. حقا أن الباطنية تحتل مكانة عظيمة الأهمية في مجال المعرفة، إذ إنها تعالج العديد من الألغاز.

واليوم، فإن علماء النفس وعلماء الاجتماع، وعلماء الأجناس البشرية يأخذون بعين الاعتبار، في أبحاثهم، استمرارية الرموز، في حياة الناس وفي تاريخهم.

يعتبر رينيه ألو، وهو اختصاصي في دراسة التقاليد، أنه «لم يعد يمكننا تجاهل الدور الأساسي للباطنية، في جميع التعابير الثقافية للمجتمع التقليدي»، ويذكر بأن السوريالية :

«كانت قد عارضت البتر العقلاني للفكر الإنساني -الذي بقي سجين حدود حالة اليقظة، وخاضعا للأسطورة البوليسية التي تدعو إلى الإنتاج بأي ثمن- بالتمرد المشروع تماما للحياة النوعية، والحق في الحلم، والتعلق بالعجيب، والتأمل الكسلان. إننا كثيرا ما ننسى بكل بساطة أن التقليد الأصيل يلتقي، في هذا المثل الأعلى، مع الثورة الفعلية».

إن غاية الأدب الباطني ستكون إذن هي التميز عن التبحر والإخفائية (الإيمان بالقوى الخفية، السحر، التنجيم). إن تحديد المصطلح وتوضيح دلالات الباطنية شكلا هاجس René Guénon رينيه غينون (1951-1886)، الذي كرس لهذه الغاية حياته كلها.

إن الدراسة المعمقة لنصوص تم التأكد من صحتها، وتحديد الباطنية كمذهب للكلية، هما الخطوتان اللتان تمتا، بعد الخلط الذي ساد في القرون السالفة، ومكنتا من استبعاد تلك الكتابات الكثيرة التي غذتها مذاهب فلسفية ودينية وثوقية وسلطوية. وذلك بفضل إسهامات أعلام جدد في المجال الروحي، مثل غينون، جولیوس، إيفولا، فيلهلم، يونغ، ميرسيا إلياد Mircea Eliade، کوربان، دومیزیل، فولكانيلي، أوروبیندو، ورودولف شتاينر.

واليوم، فإن ريمون أبيليو Raymond Abellio، الذي يعتبر أن المجتمع لا يستمر في الوجود إلا بفضل سَنَناتها (codes)، يرى أن هنالك «تعالیا للمعرفة». فنحن نعيش نهاية دورة تاريخية.

وبالنسبة إليه، فإن الغرب «قد بلغ اليوم حدوده الجغرافية القصوى»، وهو يكتب :

« ليس أمرا خاليا من الدلالة أن نسجل أن حركية الغرب قد بلغت حدودها منذ 1964، في كاليفورنيا، إذ أوقفها حاجز المحيط الهادئ، وبدأت، في ذلك الوقت، في التراجع، إلى أن ظهرت كحركية من الدرجة الثانية، في التمرد الرمزي لطلاب جامعة باركلي University of california, berkeley، وكان ذلك تمهيدا لحركة شبابية شمولية.

ويجدر بنا ألا ننتقص من أهمية هذه الحركة المتعاظمة، التي تبدو اليوم في أوجها، وتدل على سيرورة تخريب لا رجعة فيها، لقيم الغرب الكلاسيكية؛ وفيما بعد، سينظر ولا شك إلى سنة 1964 باعتبارها لحظة تشكل خفي لعرفان جديد في الغرب بأكمله. وبالفعل، فإنه يبدو واضحا، لمن يحاول أن يستقصي العلامات، أن هذا التمرد، رغم أهدافه المعلنة التي تبقى جد مبهمة، يوجد بصورة تقليدية في كل عرفان : فهو تمرد يسعى إلى تأكيد واستعادة حقوق الفكر الفردي، التي لا يمكن اختزالها في أي معيار نفعي … »

ويستبعد أبيليو Abellio، مستشهدا بالمعلم إيكارت (Meister Eckhart)

« ليست أفعالنا هي التي تطهرنا، إننا نحن الذين نضفي على أفعالنا طابع الطهارة »

يستبعد كل نزعة صوفية من هذا العرفان الغربي الجديد، ويعلن : «إن الجسد الجديد متصالح مع الروح. وقد أصبح ممكنا الارتباط بالتقليد الأصلي الخالص والتخلص من كل عفن تاريخي».

ولنوضح أنه من الممكن اعتبار المعلم إيكارت سباقا عظيما إلى هذا العرفان، في “مقالات ومواعظ”.

من جهة ثانية، هل يتوجب إزالة هالة الغموض عن العلم من أجل إنقاذه؟

يعتبر أبیلیو ذلك من ضرورات الباطنية، ويقترح تجاوز غاليلي ودیکارت، على مستوى الظواهر الفيزيائية، وفرويد ويونغ، على مستوى الظواهر النفسية، ومارکس على مستوى الظواهر الاجتماعية. ويمكن تلخيص أطروحته في خمس قضایا، انطلاقا من الكلمة اليونانية التي اشتقت منها «إيزوتيريزم» ( أي : باطنية، وتعني المرور من الظاهر إلى الباطن، بقصد الكشف) :

  • الباطنية التقليدية هي في الوقت نفسه مذهب وممارسة.
  • لم يتمكن الأشخاص الأوائل الذين تلقوا المعرفة (على شكل كشف كامل وغامض)، أن يقدموها في صيغة وحيدة واضحة.
  • لم يؤسس التقليد المتبع، تبعا لذلك، أخلاقيات.
  • والمطلوب، اليوم، هو الانتقال من التصوف إلى العرفان. لم يعد الأمر يتطلب المشاركة، بل النفاذ. من أجل التوصل إلى المعرفة، يتم اعتماد جدلية معينة. يعاد اكتشاف الفروق بين نفس حية وروح واهب للحياة، وتتم محاولة استرجاع القوى السابقة للنفس والقوى الجديدة للروح.
  • تعريف «الموت الثاني». ويعتبر أبيليو أن المشكل الرئيسي للباطنية وغايتها في الوقت نفسه، هما تجسد العالم في الإنسان.

الملهمون العظام، الأقطاب الروحانيون وسلسلة الحكماء

إن العلاقات بين الفلسفة والعلم، التي بقيت من البداية محصورة في تصورات باطنية، هي جد عديدة، إلى حد أن حياة بأكملها لا تكفي للاطلاع على محتويات أي مكتبة نتخيلها، في هذا الصدد. وبالفعل، فالباطنية، وقد اطُّلع عليها ودرسّت وأعيد إنتاجها وروجت، قد غزت العالم. وإذا كانت البيولوجيا اليوم، ذات مكانة أساسية في مجال المعرفة، فإن انعدام اليقين يبقى قائما بصدد الشرط الإنساني.

إن الإنسان، بالرغم من الكشوفات العلمية العظيمة، يبقى محتفظا بتصوره لدليل خارجي. وهو يستمر على إخلاصه لكل المفاهيم المتخيلة. ويظهر التاريخ الموضوعي، على امتداد عقود عديدة، كيف أن الباحثين عن طرق، والمتطلعين إلى الانخطاف، يتكاثرون في كل الاتجاهات الدينية. ويبقى هيرقليطس Heraclitus على حق :

«يعيش النائمون في عالم خاص؛ أما المستيقظون فيحيون في عالم مشترك»

Heraclitus

هكذا، فإن الملهمين العظام قد جمعوا الناس من حولهم، بعد أن أيقظوهم، وارتبط عدد متكاثر من الأقطاب الروحانيين بهم.

«إن العالم لا يستمر في الوجود إلا بفضل السر»

كتاب الزوهار

كما يؤكد ذلك «الزّوهار».

وكان بلوتارك أو بلوتارخ، وهو  الفيلسوف والمؤرخ اليوناني الأفلاطوني المحدث يؤكد في «إيزيس وأوزوريس» أن السر المذهبي يعود إلى عصور موغلة في القدم.

وقد أعلن بازيليد المسيحي، في القرن الحادي عشر، ما يلي :

«إن هنالك اثنين من بين عشرة آلاف، يمتلكان المعرفة»

Βασιλείδης

وإذا عدنا إلى توت، إله الحكمة والكتابة عند المصريين، وإلى هرمس، المفكر الأعظم عند اليونانيين، لا يعود هنالك مجال للأخذ والرد. إذ يتضح أن التعاليم السرية تعود إلى أقدم العصور. إن نظام الأمور يبدأ باقتبال الباطنية، ثم هضمها، ومعرفتها بشكل ناضج، فترويجها، بشكل متواز مع «الفلسفة الخالدة» التي تمكن من المعرفة الحدسية.

ومن المعلوم أن البناء المذهبي للتقليد ذو مفاتيح عديدة، وأنه إذا فقدت المثل العليا قوتها، فإن الدعامة الفكرية للإشراق ذلك «الحدس الإشراقي» الذي يتحدث عنه رينيه غينون تبقى ثابتة.

بالنسبة لغينون، وكذلك لإيفولا وهو مفکر «تقليدي» آخر، فإن عصرنا هو حقبة سوداء، حيث يموت الروح ببطء وبشكل خفي، ذلك الروح الذي يوجد في موقف متعارض مع القوى المرتبطة بالمادة. أكيد أن هنالك دفاعا عن الذات، ورد فعل يمتد حتى نجده لدى المدافعين عن البيئة (الإيكولوجيي) أنفسهم.

یکتب أرنولد فالدشتاین، في «أضواء الخيمياء» :

«إن الموقف العرفاني والخيميائي نابع من الرفض، من تمرد الإنسان على وضعه المنحط، وعلى انحطاط التاريخ والزمن. فالإنسان، وهو ظل إنسان، لم يعد يملك إلا ظلا للوعي …»

أضواء الخيمياء

إن العقائد ذات طابع شخصي، إرادي. وقد ولدت الآداب الباطنية من تلك الحاجة إلى المعرفة التي نلحظها عند كل فرد والتي تدفع إلى البحث عن تفسير مكتمل للعالم، وتبعث على الاعتقاد بوجود تكوين له، وبإمكانية كشوفات.

إن هذا الموقف الفكري أو ذاك سيقودنا إلى افتراض ظاهري (تصور التكوين، كما ورد في « العهد القديم » مثلا، والذي أخذ به السومريون . . قبل أن يستلهمه الساميون)، وتصورات التكوين المرتبطة بالزرادشتية والمانوية، وتلك التي نجدها في المعتقدات الهندية الأوروبية الموغلة في القدم (الكاليفيلا لدى الفلنديين)، أو التي تفسر « الشَّنْتُو» الياباني، والتصوف الذي وجد لدى المايا، والتقليد العتيق لدى الصينيين.

أما الأدب الباطني، فهو على العكس من ذلك، مستلهم من القبْلانية اليهودية، والبرهمانية، والهرمسية، والعرفان المسيحي؛ والديانات الثلاث، المرتبطة بإبراهيم، تجمع العقليات المختلفة حول وجود إله خالق يمنح الإنسان الخلاص (اليهودية، المسيحية، الإسلام). وفي المقابل، هنالك التأملات المتعلقة بسبل تنقية تدريجية للكون، وبطفرات تتم نحو ماهية سامية: الفيتاغورية، البوذية، الطاوية.

هكذا نكتشف نقط التقاء بين الغرب والشرق.

إن هاملت، حين يرفع عقيرته قائلا : « هنالك في السماء وعلى الأرض، أمور أكثر مما هو محلوم به في فلسفتكم»، ليرى في ذلك الانتشار الكبير للاستدلالات المضحكة ضربا، من اللعنة. وهي بمثابة باب مفتوح لطوائف لا تحصى ولديانات جديدة ذات مضامین يمجها التفكير، تنضاف إلى العديد من الخرافات والاعتقادات الغريبة، وإلى الخوف الراهن من التهديد الذري، أي من الدمار الكوني.

ويختلط المشعوذون برجال اللاهوت، ولكن علماء اجتماع عديدين يتقبلون التكاثر الضروري للكهنة المبشرين بعودة المسيح ما دامت كل الآمال تلتقي حول نبوءة ظهور عهد ذهبي جديد. فنحن لا نزال في انتظار موعظة تلقى من فوق الجبل، ذلك أن الأمور تجري كما لو أن قدر الفكر الباطني هو إخراج طقوس جديدة، إلى الوجود، وإفساح المجال لشذرات مكتوبة تظهر فجأة كرهانات ملهم جديد في حاجة إلى التواصل، وإلى إعلان نفسه مشرفا على توازن العالم. لنا أن ننصت إليه باسمين، بسكينة فولتيرية تقوم على التسامح، أو أن نبعده ونزعق في وجهه بصوت مجلجل، على حد تعبير كَانَ فلوبير سَيَمِيلُ إليه.

هناك معتقدات تلقى إقبالا شديدا. ففي المكتبات، يمكننا أن نعثر على كتاب يفسر لنا فيه أعضاء “جمعية أيتيريوس”، أن الكائنات الموجودة في الأطباق الطائرة تسهر علينا بحدب وتحمينا.. وسيكون هنالك على الدوام مؤمنون يروجون لكل التصورات الباطنية، الحكيمة منها والمجنونة، ذلك أن الدوار يتملكنا كلما وجدنا أنفسنا على مشارف واقع غريب. وإذا عمقنا المعارف الفلسفية العريقة في القدم، ألا نجد أنفسنا، بشكل مثير، أمام المذاهب العلمية الأكثر حداثة؟ أو لم تستبق تصورات نشأة الكون العتيقة مختلف نظریات التطور؟

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق