التاريخ المغاربيتاريخ تونس

مظاهر الأزمة في البلاد التونسية في القرن التاسع عشر

شهدت البلاد التونسية منذ بداية القرن التاسع عشر اهتماما أوربيا متزايدا للتوغل الاقتصادي بها، وتسبب ذلك تدريجيا في تأزم الحالة الداخلية، مما جعل الدولة التونسية تتخذ تدابير إصلاحية لمواجهة الأزمة، والحد من التوغل الأجنبي. إلا أن فرنسا استطاعت إغراق تونس بالقروض المجحفة وفرض حمايتها عليها سنة 1882م.

تونس والحالة السياسية

تميز نظام الحكم في تونس في القرن التاسع عشر باستقلاله عن الإمبراطورية العثمانية، وحاول بايات الأسرة الحسينية الحاكمة تعزيز نفوذ الدولة وترسيخ ركائز حكمها.

وعند احتلال فرنسا للجزائر في سنة 1830، ازدادت أطماع القوى الإستعمارية الأوربية في تونس، كما أصبح السلطان العثماني يحاول فرض نفوذه من جديد على تونس، فشعر الحكام التونسيون بالخطر، وأصبحوا يعملون على المحافظة على استقلال البلاد.

الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لتونس

كانت أغلبية سكان تونس تعتمد على تربية الماشية وإنتاج الحبوب والزيتون والتمور، وكانت ملكية الأراضي الفلاحية متنوعة ومعقدة تشمل أراضي القبائل الجماعية وأراضي الأوقاف، ثم أراضي الملك الخاص التي استحوذ عليها الأعيان وكبار التجار. كما كان الإنتاج الحرفي محدودا بسبب تأزم الرواج الداخلي، وتراجع المبادلات مع الشرق العربي وإفريقيا.

وقد اعتمدت الدولة التونسية في مواردها على فرض الضرائب المتنوعة على السكان وخاصة بالبوادي، وكانت تجبر الفلاحين على بيع منتجاتهم الأساسية بأثمان منخفظة للتجار وخاصة الأجانب الذين يصدرونها إلى أوربا. كما خولت لهؤلاء التجار امتياز جلب المنتجات الأوربية واحتكار مداخيل الجمارك.

وقد أدت الضرائب المرتفعة من جهة، واحتكار منتجات الفلاحين، وتعرض الإنتاج الحرفي المحلي للمنافسة الخارجية إلى تضرر السكان بالبوادي والمدن، والقيام بانتفاضات كانت تنتهي بانسلاخ مناطق أو قبائل بأكملها عن السلطة المركزية:

إن صاحب الغنم منا، ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة، ويبيع ما ينتجه عمله للإفرنجي بثمن يسير، ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به.

ثم إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة وقايسناه بما يدخلها فإن وجدناهما متقاربين حق الضّرر. وأما إذا زادت قيمة الدّاخل (الواردات) على قيمة الخارج (الصادرات)، فحينئذ يٌتوقع الخراب لا محالة.

خير الدين : أقوم المسالك

ونتيجة لتزايد الأطماع الأجنبية من الخارج، والإضطرابات الاجتماعية في الداخل، وما يترتب عنهما من إضعاف للسلطة المركزية، اتجه اهتمام الدولة التونسية إلى إدخال الإصلاحات.

اصلاحات محمد الصادق باي

شهدت تونس ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر إصلاحات استهدفت تحديث الإدارة والجيش وتطوير مداخيل الدولة، ومرت هذه الإصلاحات عبر مرحلتين:

المرحلة الأولى

استهدفت الإصلاحات الأولى تكوين جيش نظامي عصري، وتشجيع المزروعات التسويقية، وشق الطرق وتشييد الجسور ومد خطوط السكك الحديدية لتسهيل الرواج التجاري، خصوصا نحو موانئ التصدير.

الباي محمد الصادق تونس
الباي محمد الصادق 1813-1882م

ولتمويل هذه الإصلاحات لجأت الدولة التونسية إلى تغيير النظام الجبائي بتوحيده، وإحداث ضرائب جديدة «كالمَجْبَى» وتعميمها. وألغت الامتيازات المُخَوَّلة للمدن ولبعض القبائل. كما لجأت الدولة إلى احتكار تجارة بعض المواد كالملح والصابون والتبغ لتدعيم مداخيلها.

وقد اعتبر التجار الأجانب هذا الإجراء الأخير مسا بمصالحهم، وفرضوا على الباي محمّد الصادق إصدار قانون يضمن مصالحهم، ويقدم لهم امتيازات إضافية.

البند التاسع: لا تتاجر الدولة بتجارة، ولا تمنع غيرها منها..

البند العاشر: إنّ الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع … مثل سائر أهل البلد.

البند الحادي عشر: إن الوافدين على إيالتنا من سائر الدول لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور والأجنة والأراضي، مثل سائر أهل البلاد.

مقتطفات من «عهد الأمان» لسنة 1857 أحمد بن أبي ضياف «إتحاف أهل الزمان» الجزء الرابع

ثم استجابت السلطات التونسية لمطالب الأوربيين بسن «إصلاحات» استهدفت تنظيم الوزارات والحد من سلطة الباي. فقبل محمد الصادق باي (1882 ـ 1859) وضع دستور للبلاد لتوزيع السلط بين الباي والحكومة من جهة والمجلس التشريعي من جهة ثانية والمحاكم القضائية من وضع جهة ثالثة.

ولتحقيق هذه الإصلاحات لجأت الدولة كذلك إلى الاقتراض من الأجانب المقيمين بتونس ومن الدول الأوربية. ثم عمدت إلى مضاعفة ضريبة المجبى سنة 1863 لتسديد هذه الديون.

فتسبب ذلك في قيام انتفاضة واسعة سنة 1864 للمطالبة بإلغاء الضرائب الجديدة، وإيقاف الإصلاحات التي لم تعد بالنفع إلا على الأجانب. وتزعم هذه الثورة القاضي علي بن غَذَاهُم بمساندة عدد من القبائل والزوايا، وشملت هذه الحركة مجموع البلاد، وعرقلت “المصالح الأجنبية”، مما اضطر الدول الأوربية إلى التدخل لمؤازرة الباي، وتمكينه من القضاء على الانتفاضة.

وفي هذه الظروف تراكمت الديون على تونس حتى وصلت 125 مليون فرنك فرنسي سنة 1869، ففرضت الدول الاستعمارية (فرنسا وإنجلترا وإيطاليا) إنشاء لجنة الديون التونسية لمراقبة مالية الدولة وإرغامها على التسديد.

المرحلة الثانية من الإصلاحات

مع اشتداد تأزم الأوضاع، قام الباي محمد الصّادق بتعيين خير الدين سنة 1873 على رأس «الوزارة الكبرى» (أي وزير أول)، وكان هذا الأخير متأثرا بالمحاولات الإصلاحية التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية، ومعجباً بالتقدم الذي كانت تعرفه بلدان أوربا الغربية. فحاول القيام بإصلاحات تعزز سلطة الدولة، وتحول دون استمرار التوغل الأجنبي.

وعمل الوزير خير الدين على تخفيف الأعباء الجبائية عن الفلاحين، وتشجيع الفلاحة المعيشية بإعفاء الأراضي الزراعية من الضرائب لمدة عشرين سنة. وحاول إنعاش التجارة والحرف بتخفيض الرسوم الجمركية على الصادرات ورفعها على الواردات. كما ألغى بيع المناصب العمومية بتنظيم الإدارة وتحديد رواتب الموظفين وتكوين الأطر المدنية والعسكرية. وعمل على التخفيف من مصاريف الدولة.

إلا أن هذه المحاولات الإصلاحية باءت بالفشل لتزايد النفوذ الأوربي، ولضغط الفرنسيين على الباي وإرغامه على عزل الوزير خير الدين سنة 1877.

انتصاب الحماية الفرنسية بتونس

كانت فرنسا قد عززت موقعها بتونس بامتلاك أراضي شاسعة، وانتزاع امتيازات في المناجم والأشغال العمومية، والسيطرة على جزء هام من التجارة الخارجية، وتمكنت من إقصاء منافسيها في تونس بضمان حياد إنجلترا، والإحراز على موافقة ألمانيا وإبعاد إيطاليا.

واستغلت فرنسا في الأخير حادثة على الحدود التونسية الجزائرية للتدخل عسكريا، فأرسلت 35.000 رجلا إلى تونس، وأجبرت الباي على توقيع معاهدة باردو للحماية يوم 12 ماي 1881:

مقتطفات من معاهدة قصر الباردو للحماية ليوم 12 ماي 1881

  • البند الثاني: يوافق جلالة باي تونس على أن تحتل السلطات العسكرية الفرنسية المراكز التي تراها ضرورية لاستتباب الأمن في البلاد.
  • البند الثالث: تلتزم الحكومة الفرنسية بمد المساعدة الدائمة لجلالة باي تونس ضد كل خطر يهدده أو يهدد ملكه.
  • البند السادس: يتعهد جلالة الباي ألا يبرم أية معاهدة ذات طابع دولي دون إشعار حكومة الجمهورية الفرنسية.
  • البند السابع: ستقيم حكومة الجمهورية الفرنسية باتفاق مع حكومة جلالة باي تونس تنظيما مالياً للإيالة لضمان تسديد الديون التونسية.
  • البند الثامن: ستفرض تعويضات حربية ضد القبائل الثائرة.

واتخذ موقف التونسيين إزاء الإحتلال الفرنسي شكلين مختلفين : فمن جهة تميز موقف الباي بالتخلي عن كل مقاومة، والإكتفاء بالإحتجاج الدبلوماسي لدى الدول الأوربية الأخرى، والتصريح بأن توقيعه على معاهدة الحماية إنما تم تحت الضغط. وتابعته في هذا الموقف المهادن للإستعمار والمستسلم، أغلبية المدن التونسية باستثناء صفاقس وقابس حيث اندلعت مقاومة عنيفة.

ومن جهة أخرى قامت حركات لمقاومة الإستعمار في البوادي، وخصوصا على يد القبائل الجنوبية التي واجهت القوات الفرنسية طيلة السنوات الأولى للاحتلال، مما اضطر السلطات الاستعمارية إلى إحضار المزيد من القوات وتشديد الضغط والقمع.

استغلال فرنسا لثروات تونس عند الاستعمار

بصفة موازية لتوسع النفوذ الفرنسي داخل البلاد، اهتم الأوربيون أشخاصاً وشركات بالاستحواذ على الأراضي الفلاحية التونسية. وقد تم ذلك في كثير من الأحيان بتعاون مع كبار التجار المحليين، وبعد عشر سنوات من فرض توقيع معاهدة الحماية، كان الأوربيون يستحوذون على حوالي 400.000 هكتار من الأراضي الفلاحية، أي ما يعادل %15 من مجموع المساحات المزروعة.

واهتمت السلطات الإستعمارية بسن التشريع الكفيل بتوفير أراض فلاحية للمعمرين، فاعتبرت مساحات فلاحية شاسعة «أراضي موات» ووضعتها تحت تصرف الدولة. كما فرضت اقتطاع 2000 هكتار سنويا من أراضي الأوقاف، وضمها للأملاك العمومية. وبمثل هذه الإجراءات تمكن الفرنسيون عند نهاية القرن التاسع عشر من السيطرة على حوالي 790.000 هكتار من الأراضي الفلاحية، أي ما يعادل ربع مجموع المساحات المزروعة.

وقد تسببت هذه السياسة الاستعمارية، بالبوادي في تجريد الفلاحين من أجود أراضيهم، فتحول أغلبهم في أحسن الأحوال إلى عمال مأجورين لدى المعمرين. كما تضرر الحرفيون والتجار التونسيون من تزايد مزاحمة المنتوجات الأوربية للإنتاج المحلي، ومن احتكار الأوربيين للنشاط التجاري الداخلي والخارجي.

وهكذا فرضت فرنسا سيطرتها الشاملة على تونس، وتسببت في تحولات عميقة داخل المجتمع والاقتصاد التونسي وأدرجت البلاد ضمن التبعية للنظام الرأسمالي .

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق