التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

معركة وادي الذئب.. عندما سحق محمد أمزيان جيش الإسبان

معركة وادي الذئب أو كارثة وادي الذئب (El desastre del Barranco del Lobo)، بهذه التسمية اختارت الذاكرة الإسبانية أن تسجل في حولياتها الاستعمارية موقف الإذلال الذي ألحق بجيشها أمام حفنة من قبائل الأهالي الريفيين بزعامة الشريف محمد أمزيان.

قبل سنة 1909، لم تكن لا السلطات ولا الرأي العام الإسبانيان يعتبران المناوشات التي تحدث مع “المورو” (المغاربة) قضية دولة. لكن الأحداث الآتي ذكرها ستتخذ بسرعة منعطفا غير متوقع. الحقيقة أن معركة وادي الذئب لم تكن سوى ذروة المتاعب المستمرة التي يسببها تحالف القبائل الريفية للإسبانيين الذين يتصرفون آنذاك في الشمال المغربي كأنه أرض محتلة. وفي الوقت ذاته، لم يكن المغرب في وضعية استقرار سياسي واجتماعي.

بوحمارة يشعل فتيل الحرب

في سنة 1908، عزل السلطان مولاي عبد الحفيظ أخاه مولاي عبد العزيز عن العرش، ليتولى بعده مقاليد الحكم في البلاد. أما غريمه الغاضب المدعو “بوحمارة“، فقد ساهم أيضا في إضعاف المخزن بتوسيع دائرة نفوذه لتشمل جبال الريف. لكن نجاحه المستفز اصطدم بقيم الحرية المتجذرة لدى القبائل الريفية. وتحت يافطة الدعوة إلى الجهاد، اقترف بوحمارة الخطأ الذي لا يغتفر في أعين الريفيين، ألا وهو التعاون الوثيق مع القوى الفرنسية والإسبانية في الشمال، والأدهى أن ذلك شمل میدان الأعمال الذي سعى من ورائه إلى إثراء بلاطه. آنئذ، انهارت سمعته لدى السكان المحليين، وعاد دور البطل إلى ريفي حقيق، وهو شريف قبيلة بوإفرور، محمد أمزيان.

بوحمارة المغرب
ساهم بوحمارة في إضعاف المخزن بتوسيع دائرة نفوده لتشمل الريف

ففي سنة 1906، منح مؤتمر الجزيرة الخضراء حق الهيمنة على الشؤون المغربية لفرنسا وإسبانيا. وحين شرعت فرنسا في عملية “التهدئة” في وسط المغرب، بدأت إسبانيا في زرع بيادقها في الشمال المغربي الذي لا يفصله على حدودها الجنوبية سوى بضعة كيلومترات من جنوب البحر الأبيض المتوسط. بما أنها مضطرة إلى إرسال حاميات عسكرية إلى شمال المغرب، رغم ما تعانيه من مشاكل في تدبير شؤون إمبراطوريتها الشاسعة، فإنها أصبحت تتطلع مبكرا إلى استغلال الثروات المعدنية في جبال الريف المغربية، مستغلة موقف القوة الذي تتميز به على المغرب، وعمدت إلى توطيد وتوسيع مجال تواجدها حول مدينة مليلية، المدينة التي نجحت في المحافظة عليها منذ 1497.

إلى حدود سنة 1908، تمكنت إسبانيا، رغم الصعوبات، من توطيد وجودها في الريف مستفيدة من النزاعات الداخلية التي تعرفها قبائل المنطقة. لذا، فإن التطلع إلى تحقيق نوع من التطور في المنطقة بفضل التواجد الإسباني يبقى واردا. لكن هذا الحلم انتهى في ربيع سنة 1908، لما قرر بوحمارة، دون موافقة زعماء القبائل المحلية، بيع رخصة استغلال منجم الحديد والرصاص الواقع في جبل أكستان قرب مليلية لإسبانيا وأحد رجال الأعمال الفرنسيين. وبقراره الانفرادي هذا، ودون احتساب العواقب المترتبة عنه، غامر بوحمارة بمستقبله، وجعل قبائل المنطقة المساندة له تنقلب ضده. ومن جهة أخرى، فبإقحامه لرجل الأعمال الفرنسي لوي ساي في المفاوضات، فقد ثقة الإسبان الذين لم يعودوا يرون فيه سوی شخص انتهازي.

ولإعطاء البرهان عن صدق إرادته، وعد الإسبان بالمساهمة في توفير الأمن لورش إنشاء السكة الحديدية المزمع مدها لوصل المنجم بمدينة مليلية. بالفعل، بدأت الأشغال في ربيع 1908 بيد عاملة جل أفرادها إسبان. لكن سرعان ما ظهر رفض قبائل المنطقة للمشروع، لكونهم أصبحوا يشعرون بثقل الوجود الإسباني في بلادهم وبمضي الغزاة في استغلال أراضيهم. وعقب اجتماع عام انعقد في قبيلة مزوجة في 5 يوليوز 1909، تقرر القيام بحملة للتوعية في المساجد والأسواق لاستنفار القبائل وللتنبيه إلى الخطر الذي يمثله الاستعمار والتنديد به.

وفي 8 أكتوبر من نفس السنة، بعد أن لبت معظم القبائل النداء، بدأت عمليات المقاومة بقيام رجال مسلحين باعتراض سبيل حوالي 50 عاملا إسبانيا من عمال مناجم الريف. لكن غالبية العمال نجوا من الكمين بتدخل من وحدات موالية لبوحمارة. على إثر هذا الحدث، رد جيش هذا الأخير بعمليات انتقامية عنيفة ضد بعض القرى التي يشك في كون رجالها شاركوا في محاولات العرقلة والتخريب. لكن مبالغة بوحمارة وجيشه في إعطاء الدليل عن ولائه للمحتل وحمايته، ما لبثت أن أثارت حنق واشمئزاز الريفيين الذين قرروا طرده من المنطقة. ولأول مرة، اضطر المتقمص للهوية الشريفة إلى نهج خطة الفر والتراجع. وكانت تلك بداية النهاية.

من حرب العصابات إلى الحرب الحقيقية

بدأت الدولة الإسبانية تأخذ المسألة مأخذ الجد. إلا أن رئيس الحكومة أنطونيو مورا إمونتنير لم يكن يرغب في تدخل عسكري إسباني، خصوصا أن المنافسين الفرنسيين، الذين أصبحت لديهم مصالح في المنطقة، يهددون بالتدخل بالقوة. أصبح الوضع غامضا، ولذلك قررت القبائل الريفية استغلال الفرصة وتجاوز خلافاتها لإقامة تحالف مسلح. ولتحقيق هذا الهدف، قصدوا رجل الموقف القادر على جمع شملهم، وهو الزعيم الديني والروحي المحترم محمد أمزيان.

وبالفعل، بمجرد ما أسندت إليه الزعامة، عرفت أعمال تخريب الخط الحديدي استمرارية وانتظاما. ولما لاحظت الشركات الصناعية الإسبانية أن مصالحها أصبحت مهددة بفعل التأخر الهام الذي طال أشغال التهيئة، ونظرا لتلكؤ السلطات العمومية في توفير الحماية العسكرية الضرورية، لجأت إلى الضغط بقوة على الحكومة الإسبانية لإرغامها على تأمين السير العادي لأنشطتها الصناعية. لكن الرأي العام الإسباني كان معارضا لإرسال المزيد من القوة إلى خارج البلد.

وفي 9 يونيو 1908، لقي ستة عمال إسبان حتفهم في هجوم القبائل الريفية على أوراش العمل. إذاك استغلت حكومة مدريد هذا الحدث لتقدم على تلبية مطالب الصناعيين المتعلقة بتوفير الحماية الكافية وضمان الأمن لهم. وحسب المؤرخة الإسبانية ماريا روزا دي مدارياكا، فإن الجنرال مارينا، المسؤول العسكري بمليلية، ترك عمدا أوراش العمل تحت حراسة ضعيفة، ليبرر طلب إرسال المزيد من الدعم العسكري من إسبانيا. انطلت الحيلة على الحكومة بشكل رائع، وتحت غطاء القيام بـ “عملية مراقبة أمنية”، قررت إسبانيا، بعد مرور بضعة أشهر، إرسال وحدات تنتمي في الواقع إلى الجيش. وفي نفس الوقت، استمرت عمليات التخريب وحرب العصابات التي يخوضها المقاومون الريفيون.

المعارك تتأجج

ربما تكون أول مرة في التاريخ، يتم فيها القيام بعمليات من هذا النوع ضد قوات محتلة. فقد عرفت بداية سنة 1909 احتداد موقف العداء اتجاه الإسبان بشكل لم يكن معروفا من ذي قبل. وفي الوقت الذي كان المعمرون في شمال المغرب ينتظرون الدعم العسكري الذي وعدت به حكومة مدريد، طرأت أحداث هامة دعمت صفوف المقاومين الريفيين، إذ قام عدد كبير من رجال الأمن “الأهالي”، العاملين تحت السلطة الإسبانية، بالفرار، والأدهى أنهم فروا بمؤونتهم وعتادهم الحربي.

رجال المقاومة الريفية
مقاومين من القبائل الريفية بالمغرب

في بداية يوليوز 1909، أضحى الخصمان على أهبة الاستعداد للمواجهة : من جهة، الريفيون الذين يعرفون جيدا طبيعة أرضهم وتضاريسها، ويتميزون بسرعة الحركة والتنقل. ومن جهة أخرى، القوات الإسبانية التي تتوفر على جيش نظامي يناهز عدد أفراده 22000 جندي، مجهز بأحدث العتاد الحربي. ونظرا لهذه الوضعية فمن الصعب التوقع بنتيجة المواجهة.

اتخذت وحدات الجيش الإسباني مواقع استراتيجية في مركزي سيدي أحمد وسيدي موسى، أما تحالف القبائل الريفية الذي يتزعمه الشريف محمد أمزيان، فقد أقام معسكراته على المرتفعات المجاورة للمركزين المذكورين. في انتظار بداية المعركة الحاسمة، استغل الريفيون امتياز موقعهم هذا، وشرعوا في نصب الكمائن لوحدات الجيش الإسباني.

وهكذا، فبين 12 و 17 يوليوز، تمكنوا من استرجاع المركزين اللذين احتلهما الإسبان. واعتبرت هذه العملية، في حد ذاتها، إنجازا رائعا بالنسبة لهم. اعتمدت خطة أصحاب الأرض الريفيون على هجمات سريعة تمنع الجيش الإسباني من استعادة تنظيمه واستعمال مدفعيته الثقيلة بطريقة فعالة. فبعد كل عملية هجومية مباغتة، يتم تراجع المقاتلين الريفيين عموما نحو مرتفعات جبل “گوروگو” الذي يلتحقون به عبر ممر ضيق يسمى وادي الذئب أو “إغزار ن أوشن” بتاريفيت. لذا، فإن هذه الطريقة القتالية مكنت الريفيين من إلحاق خسائر فادحة بالعدو.

صورة للمكان الذي دارت فيه معركة وادي الذئب
مشهد حالي من واد الذئب وتبدو في الخلفية مدينة مليلية المحتلة

فمنذ 20 يوليوز، بلغ عدد القتلى في صفوف الإسبان 32 فردا. واهتزت وضعيتهم كثيرا لما أصبح رجال محمد أمزيان على أبواب مدينة مليلية، وبالضبط في کابو مورينو يوم 22 من نفس الشهر. وفي 24 يوليوز، أدى هجوم مفاجئ ضد ثكنة فيگيراس إلى مقتل ضابطين إسبانيين لأول مرة. ونتيجة لهذه العملية، أصيب مزاج الجيش الإسباني بصدمة قوية، جعلته على الفور في موقف الدفاع عن النفس.

وأمام هذا الوضع المتفاقم، لجأ الجنرال مارينا، المكلف بالقيادة العليا، إلى استعمال وسائل الاستخبارات، في المنطقة، إذ رأى فيها الوسيلة الوحيدة الكفيلة بتمكينه من مواجهة تحركات المحاربين الريفيين السريعة والمباغتة. ولما بلغ إلى علمه، يوم 26 يوليوز، أن قيادة قوات الشريف أمزيان توجد في جبل “گوروگو”، اتخذ قرار إرسال عدد هام من جنوده إلى المنطقة للقيام بهجوم مباغت على معسكر الريفيين. وفي اليوم الموالي، أي 27 يوليوز، شرع الإسبان في التوغل في وادي الذئب، والاسم على المسمى، إذ يتعلق الأمر بالممر الوحيد المؤدي إلى مركز القيادة في جبل “كُوروكُو”. وكان الريفيون في انتظارهم بأقدام ثابتة.

الهجوم المضاد والحصيلة

ظن الإسبان أنهم سيستفيدون من امتیاز المفاجأة، لكن خاب ظنهم. ولما فطن الجنرال مارينا إلى أن الريفيين في انتظارهم، أعطى أوامره بالتراجع إلى الوراء. لكن بعد فوات الأوان، إذ توغل الجيش الإيبيري داخل مضيق وادي الذئب على شكل طابور صغير وممتد طولا، الأمر الذي جعله في متناول بنادق الريفيين الذين كانوا يتمركزون على المرتفعات المشرفة على الوادي، مستعدين للانقضاض على الخصم. وخلال ساعات طويلة وبدون انقطاع، تعرض الإسبان إلى وابل من نيران الريفيين. أمام الصدمة والهلع، اختل نظام الجيش الإسباني، وأصبح غير قادر على القيام بتراجع إستراتيجي منظم، وعمت الفوضى داخل صفوفه. كانت حصيلة المواجهة بالأرقام كارثية بالنسبة للإسبان إذ تم إحصاء وفاة 7 ضباط كان من بينهم الجنرال بينتوس، و 136 جندي بالإضافة إلى 750 جريحا.

جنود إسبان في معركة وادي الذئب
جنود إسبان ينتقلون زميلا جريحا

وقع خبر هزيمة معركة وادي الذئب، كالصاعقة على مدريد، وجعل الحكومة في وضعية حرجة. وبما أن تدخلها في الشمال المغربي بلغ درجة كبيرة من الأهمية، فإن التراجع إلى الوراء أصبح أمرا مستحيلا. لم يعد أمامها من خيار سوى توجيه ضربة موجعة إلى المقاومين وسكان الريف عامة.

لكن الوقت وقت ضم الجراح والمواساة. فمنذ مدة طويلة، لم يتعرض الجيش الإسباني لمثل هذه الكارثة. لقد أخطأت القيادة العسكرية الإسبانية في تقدير المهارة الحربية التي يتميز بها جنود أمزيان وتصور قوة عزمهم. وقد أكدت حصيلة بعض المعارك التي وقعت في المنطقة هذا المنحى. ففي المجموع، لقي 358 جنديا إسبانيا حتفهم في المعارك، كما تم إحصاء 2200 جريح أعيدوا إلى بلدانهم.

للسيطرة على الموقف، تم استقدام جيش من 40000 مقاتل منذ بداية شهر شتنبر، الذي احتل جزءا كبيرا من الريف يمتد إلى حدود الناضور، المدينة التي استسلمت بدورها في 20 من نفس الشهر. وكدلالة رمزية، تم نصب العلم الإسباني على قمة جبل “كوروكو” في 29 شتنبر 1909، في المكان الذي تم فيه إذلال الجيش الإسباني شهرين قبل ذلك التاريخ، تقريبا. لكن من الواضح أن هذا الثأر لم يشف غليل المنهزمين في معركة وادي الذئب.

بعد حالة الحرب، حل السلم. جاءت المفاوضات مع المخزن، الفاعل الخفي في المواجهة، متزامنة مع تعيين الوزير المقري في الشؤون الخارجية. وفي 16 نونبر 1910 تم توقيع اتفاقية بين الدولتين، حصلت بموجبها إسبانيا، التي ما تزال تحت تأثير الهزيمة، على تعويضات خيالية بلغت 65 مليون بسيطة. ورغم ذلك، يبدو أن إسبانيا لم تستوعب الدرس الذي لقنه لها الريفيون، إذ بعد مرور بضع سنوات فقط، جاء رجل أخر من أبطال الريف، ألا وهو محمد بن عبد الكريم الخطابي، للتكفل بحقن الإسبان بجرعة وافرة للتذكير.

محمد أمزيان، البطل الريفي الآخر!

آثر التاريخ أن يفسح مجال الشهرة لخلفه الشهير عبد الكريم الخطابي، على الرغم من كون عمليات المقاومة التي خاضها الشريف محمد أمزيان لا مثيل لها في تاريخ المغرب، بل حتى في تاريخ مقاومة الاستعمار في العالم برمته. ومع أن نشأته التربوية والتعليمية لا تؤهله لمسار القيادة العسكرية التي آلت إليه، فإنه قام بالدور الذي أنيط به بكل حنكة ودراية.

ازداد محمد أمزيان سنة 1889 في قبيل آيت بوإفرور قرب الناظور، وتم توجيهه مبكرا نحو التعلم. كان محط إعجاب معلميه في المدرسة القرآنية منذ الصغر، ثم أثناء دراسته الدينية في فاس. وبعد بلوغه سن الثلاثين، رجع إلى موطنه الأصلي ليتقلب في وظائف سلك القضاء، إلى أن أصبح قاضيا. اشتهر منذ البداية بكونه رجلا عادلا ورفيع الأخلاق. ولذلك، أصبح مع مرور الأيام شخصية ذات نفوذ كبير في أوساط القبائل المحلية يتم اللجوء إليها للفصل في النزاعات الداخلية. وابتداء من 1908، بدأ يثور ضد الظلم الذي يتعرض له مواطنوه من طرف الاستعمار الإسباني المقبل، تمثلت أول نجاحاته في تمكنه من توحيد قبائل مازوزة وسيكار وبوإفرور وبني سيدال. .

ولذا كان من الطبيعي أن يتولى القيادة العسكرية لهذا التحالف ثم سرعان ما أبان عن مهارة فائقة في مجال التكتيك العسكري، الأمر الذي مكنه من ربح الكثير من المعارك التي خاضها ضد الإسبان.

أبان محمد أمزيان عن شجاعة فائقة أثناء المعارك، إذ لا يتردد في التقدم نحو الخطوط الأولى في جبهات القتال ومواجهة الخطر. وقد سقط في ساحة الشرف خلال معركة الحمام في سنة 1915، ليبقى في أعين الريفيين أول بطل قاوم بعناد الاحتلال الإسباني إلى آخر رمق من حياته.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق