التاريخ المغاربيتاريخ المغرب
أخر المقالات

معركة واد المخازن بين السعديين والعثمانيين

معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة أو معركة القصر الكبير هي كلها أسماء تطلق على الملحمة الوطنية التي يفتخر بها المغاربة بعد انتصار السعديين على الملك البرتغالي وجيوشه الجرارة يوم 4 غشت 1578م، فإذا كان التلميذ المغربي يقرأ عن معركة وادي المخازن بأنها تمثل أكبر نصر كتبه المغاربة بدمائهم لتبقى بلادهم شامخة أمام التحدي الصليبي، فإن التلميذ التركي اليوم يقرأ عن نفس المعركة على أنها إنجاز أجداده العثمانيين!

الرواية المغربية حول معركة وادي المخازن

بعد سقوط الأندلس، في سنة 1492م، انطلقت كل من إسبانيا والبرتغال في حملة توسعية بهدف الاستيلاء على الشواطئ المغربية كتتمة لحرب “الاسترداد”، وكثأر من قرون طويلة من الوجود الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية.

هكذا، وحتى قبل سقوط الأندلس، بادرت البرتغال إلى احتلال مدينة سبتة المغربية سنة 1415م، لتتبعها باحتلال مدن طنجة وأزيلا “أصيلا” والعرائش وأزمور وأكادير، والجديدة وأسفي، بحيث كاد المغرب يفقد كل موانئه الأطلسية، هذا التكالب على الشواطئ المغربية أذكى حس الجهاد لدى الناس ودفعهم إلى التعبئة، خاصة وأن الحكام الوطاسيون تقاعسوا عن واجبهم، بل وتواطؤوا مع المستعمر أحيانا وسلموا له ثغورا دون قتال.

خريطة الدولة السعدية
خريطة الغزو البرتغالي والإسباني للسواحل المغربية

استنجاد المتوكل بالملك البرتغالي

في البداية، كان هناك سلطان مخلوع هو المتوكل المتواطئ مع البرتغال والذي أزاحه عمه عبد الملك السعدي عن السلطة، ولم يجد المتوكل من يستعين به لاسترداد عرشه غير ملك البرتغال دون سيباستيان Don Sebastian

هذا الملك المغامر، الذي كان يعتقد بأنه مطوق برسالة سماوية لإعلاء دين المسيحية، اقترح على حليفه المتوكل أن يقطع البحر بجيوشه إلى العرائش ومنها إلى داخل البلاد ليكسر شوكة عبد الملك السعدي الذي استغاث هو الآخر بالأجنبي، لكن في هذه الحالة بالعثمانيين الذين جعلوا من جهاد النصارى أحد أهداف وجودهم بالمتوسط وشمال إفريقيا على وجه الخصوص.

المواجهة بين الطرفين أي بين السعديين والبرتغاليين وقعت يوم 4 غشت 1578م بضواحي القصر الكبير على ضفاف أحد روافد نهر لوكوس المعروف بوادي المخازن. والهزيمة المدوية للبرتغاليين لم تتطلب أكثر من يوم واحد، قتل فيها الملك البرتغالي دون سيباستيان وآلاف من جنوده، كما تم أسر آلاف أخرى.

وهذه المعركة عرفت في كتب التاريخ تحت أسماء مختلفة منها

معركة وادي المخازن، معركة القصر الكبير، ومعركة الملوك الثلاثة

لأنها انتهت بوفاة كل من دون سيبستيان والمتوكل وعبد الملك السعدي. ومنذ هذا النصر الكبير، الذي تبناه أحمد المنصور الذهبي وتسمى به مستأثرا بنصر لم يكن عبد الملك لينافسه فيه بعد أن انتقل إلى الدار الأخرى، أصبح المغاربة يعتزون بهذا الإنجاز العظيم الذي جعلوه رمزا لسيادتهم وعنوانا لإنقاذ وطنهم من خطر الغزو الصليبي، فأصبحوا يستحضرونه في كل مناسبة وخاصة عندما يحتاجون إلى رمز يوحدهم ويشحن عزائمهم لرفع التحديات الجسام.

وبعد استقلال المغرب في سنة 1956م، دأب حزب الاستقلال، برئاسة علال الفاسي، أن يتوجه إلى ساحة المعركة (معركة وادي المخازن) كل 4 غشت من كل سنة لإحياء هذه المفخرة الوطنية التي تجسد التحام المغاربة لحماية استقلالهم.

الرواية العثمانية حول معركة وادي المخازن

العثمانيون لهم رواية مختلفة وتفسير آخر للوقائع. فإذا كان التلميذ المغربي يقرأ عن معركة وادي المخازن بأنها تمثل أكبر نصر كتبه المغاربة بدمائهم لتبقى بلادهم شامخة أمام التحدي الصليبي، فإن التلميذ التركي اليوم يقرأ عن نفس المعركة على أنها إنجاز أجداده العثمانيين! الذين حملوا راية الجهاد عالية من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي كأقوى قوة إسلامية حمت أرض الإسلام لقرون عديدة.

كتب التاريخ العثمانية، ثم التركية لاحقا، تؤكد أن معركة وادي المخازن التي تعرف عندهم باسم “وادي السيل”، ربما بسبب السيل الذي جرف الجيوش البرتغالية على إثر هدم القنطرة، انتهت بسحق البرتغاليين من طرف عبد الملك السعدي الذي حارب بقوة عثمانية قليلة العدد نسبيا، لكن دورها كان حاسما في تحقيق النصر للمسلمين.

وتفيد المصادر التاريخية العثمانية بأن باشا الجزائر تلقى أوامر من إسطنبول بإمداد عبد الملك بكتيبة عسكرية لا يقل عددها عن خمسة آلاف مقاتل، إضافة إلى بعث قطع من البحرية العثمانية لاعتراض السفن المسيحية، والبرتغالية منها على وجه الخصوص.

ففي ما يتعلق بالمواجهة بين جيوش المسلمين والمسيحيين، تقول المصادر العثمانية بأن عدد المغاربة والأتراك كان متقاربا، حوالي عشرة آلاف من كل طرف !

ويقدم أحد المؤرخين العثمانيين الدور المغربي وكأنه كان ثانويا بالنسبة للدور العثماني فيقول:

“ثم عاد الشريف أحمد المنصور لاحقا بعسكره من جانب البحر فظنه الكفار عسكر الجزائر جاء للمدد، وساق المسلمون خلفهم فقتلوا نحو عشرين ألفا وأسروا منهم أربعين ألفا”

ويضيف نفس المؤرخ أن الدعم البحري العثماني تمثل في إرسال سنان باشا على رأس أسطول يتكون من 14 سفينة، فاستطاع أن يأسر سفينتين عظيمتين تقل كل واحدة منهما 500 كافر، في الوقت الذي أغرق فيه ما بين 30 إلى 35 سفينة للعدو. وتمثلت مساهمة الأسطول التركي في اعتراض السفن البرتغالية ومنعها من تقديم الدعم لجيش سبستيان من جهة، كما تمثلت في منع هروب المقاتلين الفارين من ساحة المعركة بعد الهزيمة النكراء التي حلت بهم يوم 4 غشت 1578.

يقول أحد المؤرخين العثمانيين:

“وكان اللعين، أي دون سيباستيان، أودع في السفن نحو عشرين ألف نفر للمحافظة، واستصحب الستين ألف معه، فلم ينج أحد منهم. فلما علم بذلك أهل السفينة هربوا إلى بلادهم، وكان الرايس سنان في أربعة عشر غرابا في جماعة من الترك.. يترصد غنيمة يصادفها، فلما سمع بهذه القضية ساق من خلف السفن وأخذوا برجتين عظيمتين وسفينة صغيرة بما فيها من الكفار… وأفسدوا خمسة وثلاثين غرابا وهرب الباقون”

وتحاول الرواية العثمانية التقليل من دور الطرف المغربي وتضخيم الدور العثماني، بل وحتى تقليل دور حليفهم عبد الملك الذي تقول المصادر العثمانية إنه كان بعيدا عن ساحة الوغى وأنه لما وصله خبر النصر الذي أنجزته عساكر الإيالة الجزائرية نزل عليه كالصاعقة، فسقط عن فرسه من كثرة فرحه ومات في عين المكان، وذلك عشية يوم المعركة !

صراع الروايات المغربية العثمانية

بالنسبة لمؤرخي الدولة السعدية الأمر بسيط ولا يحتاج إلى إطالة للكلام، إن ما يورده صاحب التاريخ المجهول في الدولة السعدية أو عبد العزيز الفشتالي مؤرخ البلاط المنصوري، في مؤلفه “مناهل الصفا”، مقتضب جدا والفضل في النصر يرجع كله للسلطان أحمد المنصور السعدي، الذي بادر يوم المعركة إلى استلام زمام المبادرة من أخيه عبد الملك بعد ما رأى من مرضه أنه أصبح عاجزا عن تسيير القتال، وهو الذي قاد المقاتلين، جنودا ومتطوعين من القبائل الجبلية المجاورة، ودفعهم إلى ساحة المواجهة.

ورغم اعتراف المصادر المغربية بمساهمة الأتراك في انتصار وادي المخازن، إلا أنها كلها تميل إلى التقليل من أهمية هذه المساهمة. فالأتراك، حسب المصادر المغربية لم يعد لهم أي وجود بالمغرب بعد أن اضطر عبد الملك السعدي الذي سبق له أن استنجد بالجيش التركي إلى اقتراض المال من أثرياء فاس ودفع خمسمائة ألف مثقال للأتراك على أن يرجعوا إلى الجزائر.

بل إن بعض المصادر التاريخية المغربية تذهب أبعد من ذلك، فتتهم الأتراك بقتل عبد الملك عن طريق تسميمه. وهكذا يؤكد محمد الصغير الإفراني، صاحب نزهة الحادي، على الدور السلبي للأتراك في المعركة، فالإفراني يحمل مسؤولية موت عبد الملك للأتراك ويعتبر موته من تدبير هؤلاء. لقد كان سبب وفاة عبد الملك، يقول الإفراني:

“إنه سُقي سُما، وذلك أن قائد الأتراك الذي كان معه واسمه رضوان علوج، بعث لبعض قواده أن يتلقاه بكعك مسموم هدية لعبد الملك … قصد بذلك قتله… ليبثت لهم الملك… فلم يكمل الله مرادهم”

أحمد المنصور الذهبي يستأثر بفضل المعركة

الواقع أن ما كتبه الفشتالي أو الإفراني عن المعركة لا يمكن إلا أن يعكس وجهة النظر الرسمية، أي الرواية التي ارتضاها المنصور وأراد أن يروج لها. فأحمد المنصور سلك، منذ اليوم الأول للمعركة سلوكا قصد منه الاستحواذ على الفضل كله وذلك ليس فقط بالتقليل من دور الأتراك، بل وحتى من دور شقيقه الذي أصبح يحتل دورا ثانويا في الرواية الرسمية.

السلطان السعدي أحمد المنصور في معركة واد المخازن
السلطان أحمد المنصور السعدي قائد معركة وادي المخازن

وهكذا، بادر أحمد المنصور مباشرة بعد معركة وادي المخازن إلى مكاتبة السلطان العثماني مراد الثالث ليزف إليه نبأ الانتصار العظيم ويُشركه في فرحة النصر على أعداء الإسلام. هذه الرسالة، التي خطها المنصور للسلطان العثماني، لم يتم العثور عليها إلى حد الآن، لكن الأرشيف العثماني يحتفظ بنسخة الجواب الذي أرسل إلى “حاكم مراكش”، ومنه فقط يمكن استشفاف عناصر الخطاب الموجه من طرف الشريف السعدي أحمد المنصور.

وإذا كان المنصور قد أراد من وراء خطابه الاستئثار بفضل الانتصار العظيم فإن مراد الثالث لم يكن مستعدا لمسايرة المنصور في لعبته، فالسلطان العثماني أكد في جوابه على رسالة المنصور أن هزيمة الكفار بفضل المجاهدين العثمانيين قد ملأت «صدر السلطان العثماني حبورا».

 وحتى يتم جني ثمار هذا النصر العظيم رأى مراد الثالث أن يعزز تفوقه على من سماه بـ “حاكم مراكش”، فبعث له بسفير وبخلعة كرمز للخضوع والتبعية.

وأنهينا إلى جنابكم الموصوف، يقول السلطان العثماني:

« بمحامد الأوصاف الخلعتين الفاخرتين والسيف الموسى المرصع الغلاف، إظهارا لعلو عنايتنا السلطانية.. وعليكم عند الوصول التلقي بحسن القبول واللمس وصنوف التعظيم والإجلال وصنوف التكريم والإقبال »

لكن أحمد المنصور الذهبي لم يكن مستعدا للعب دور حاكم تابع وخاضع لإرادة منبعها في المشرق، فكان ذلك الخطاب الوارد عليه من إسطنبول بمثابة حافز له كي يعمق استقلاله ويجعل بينه وبين العثمانيين مسافة تجعله في منأى عن نفوذهم. ومن الإجراءات الفورية التي أقدم عليها المنصور لتأكيد استقلاله عن إسطنبول، تقربه من ملك إسبانيا فيليب الثاني الذي بعث له بهدية سنية فاخرة بعد نصر معركة وادي المخازن ، هدية فاقت بقيمتها هدية السلطان العثماني.

ويقال إنه عندما تم استعراض هدايا الملوك الذين بادروا إلى تهنئة أحمد المنصور السعدي بالفوز العظيم، نظر إلى سفير مراد الثالث ليفهمه بدونية هديته مقارنة مع الهدايا الأخرى الواردة من ملوك النصارى، وهو ما أجاب عنه السفير العثماني مباشرة:

«إن قدرة سلطاننا وعظمته وفضله على الملوك يعلمه كل أحد، وإنما بعث لك هذا محبة واستئناسا بك لكونك شريفا ومجاهدا، بخلاف إسبانيا، فإنهم ما جاؤوا بهذا المال إلا رعبا منك، وأما سلطاننا فلا يخاف من أحد، بل والله كل الناس يخافون منه»

فصدقه المنصور، يقول المؤرخ العثماني مصطفى الجنابي، وقال:

«لا بأس فهو كبيرنا، وله الفخر على الملوك»

فهل كان هذا اعترافا فعليا من طرف أحمد المنصور الذهبي بعلو الخلافة العثمانية أم مجرد مناورة ديبلوماسية ريثما يهيئ شروط الاستقلال عن دولة الأتراك ؟

المصدر
عبد الرحمان المودن: الذاكرة المشتركة المغربية التركيةعبد الرحيم بنحادة: وثيقة عثمانية حول معركة وادي المخازن
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق