ذاكرة وأماكن

معنى اسم طنجة.. تعرف على تاريخ مدينة طنجة

اقرأ في هذا المقال
  • طنجة في الأساطير
  • معنى اسم طنجة عند الفينيقيين
  • معنى طنجة في اللغة الأمازيغية

سبق أن اقتُرِحت أصول ومعان لـ اسم « طنجة » بناء على ما ورد في النصوص القديمة من الأساطير أو بناء على اجتهادات في فقه لغات الأمم التي ارتبط موقع هذه المدينة بتاريخها. ولكن المنهج الأثري اللغوي متى كان أشمل وأوسع كان أقدر على أن يقترح معنى جديدا قد يكون أكثر وجاهة وإقناعا مما هو مقترح لحد الآن.

طنجة في الأساطير

يستعرض أبرهام لاريدو Abraham LAREDO في البحث الذي صدر في ذكراه عام 1969 تحت عنوان «طنجة من الأسطورة إلى التاريخ» مختصر ما ورد عن هذه الحضارة في آداب الإغريق واللاتينين فيذكر أن بعض هذه النصوص ربطت تأسيسها بقصة الطوفان وما وقع بعد هذا الحدث مباشرة من صراع بين العملاق أطلس رمز القوة البحرية عند الإيجين وبين العملاق الموري أنطي وأن طنجة حسب ما ذكره بوفينيوس ميلا في القرن الأول للميلاد اسم أرملة أنطي الذي لقي مصرعه على يد أطلس.

وهناك خيط أسطوري آخر يربط تأسيس طنجة وتسميتها بقيام هرقل. بشق المضيق بعد أن تشكي الأفارقة من هجومات جيرانهم الشماليين.

أما اللوحة الأسطورية الثالثة فتضع طنجة في سياق حادث الطوفان المذكور في الكتب المنزلة، حيث تتعزز هذه الأطروحة بأسماء أماكن في منطقة طنجة تذكر بالأنبياء كنوح صاحب السفينة وموسى صاحب الخضر أو ذي القرنين صاحب السد وما جوج. وفي ضوء هذا الربط يبرز تأويل لمعني إسم طنجة يختلف عن المعنى المتصل بقصة العمالقة حيث يذكر أن إسم طنجة هو إسم أميرة أسست تذكارا لها.

أما هذا المقترح المتعلق بالطوفان فملخصه أن نوحا أبا البشر المتجدد قد رست به سفينة فوق جبل طنجة (إقرارا بارتفاعه) ومن ذلك المرتفع أطلق حمامة لاختبار مدى انحسار الماء فما لبثت أن رجعت وفي منقارها طين، فصاح النبي فرحا وهو يقول: «الطين جاء» ومن هذه العبارة جاء اسم «طنجة»، ومن الواضح أن هذا التأويل يفترض أن نوحا عليه السلام تكلم عربية لم تكن فيها عبارة «الطين جاء» يمثل الركاكة التي قد تحس بها اليوم!

معنى اسم طنجة عند الفينيقيين

من الجدير بالذكر في هذا المدخل أن نذكر أن إسم طنجة كما ورد في النصوص التي تحكي هذه الأساطير متشابه ولكنه متعدد الرسم والصيغ، ومن تِنْكا: Tinga وتِتْكا Titga و تِنْكي وتِنْكيس Tingis و تَنْتْدِيا Tantdia، إلخ… ولعل أهم ما يمكن الاهتداء به هما صيغتان وردتا في نقود الفنيقيين الذين وصلوا إلى طنجة قبل أن يعرفها الإغريق أو اللاتينيون حيث نجد صيغتين هما تِنْكا Tinga و تِتْكا Titga.

فالإسم إذن أصلي محلي من لغة أهل البلد، وجده الفينيقيون فكتبوه كما هو أو كتبوه بشيء قليل من التحريف ليتماشى مع التفنيق ثم جاء العرب فكتبوه بشيء من التصحيف ليتماشى مع التعريب، ولا يمكن أن نقول إنه اسم فينيقي مستورد لأسباب سنبينها فيما بعد.

أما الصيغة الواردة غالبا في النصوص اللاتنية فهي Tingis وهو نفسها الواردة عند الفينيقيين بزيادة حرف السين التي تكررت زيادتها في أواخر أسماء عدد من المدن في إيبيريا أو في شمالي إفريقيا كما وردت في أوصاف الجغرافيين وغيرهم من كتاب العهد الروماني.

إن العلماء المختصين يذكرون أن المعرفة بلغة الفينيقيين محدودة جدا ولا أحد يستطيع أن يحسم في نطقهم لحركات الأسماء وما قد يكون فيها من إمالات على غرار إمالة اللبنانيين لفتحة الحرف الأخير في بعض الكلمات نحو الكسر إلخ..

ولكن الذي ينبغي إبرازه هو أن اسم تِنْكا Tinga ورد في بعض نقودهم مفصولا إلى شطرين « تِنْ » و « كا » ( Tin Ga ) أو « ثِتْ » و «كا» ( Tit ga ) إذا وقع البحث في معنى إسم طنجة توسلا بلغات أخرى، فإن اللغة العربية من أقرب هذه اللغات إلى الحقل الذي ارتبط به الاسم سيما وأن الكلمة دخلت كما ترسم اليوم ( طنجة ) وتنطق، إلى أقدم النصوص الإسلامية لأنها من أولى مرتكزات الفتح الإسلامي للمغرب الأقصى ولأنها مرتكز عمليات الجواز إلى الأندلس.

لكن هذه المعطيات لا تسعف في شيء للوصول إلى معنى لاسم طنجة مشتق من اللغة العربية، إذ أن مادة ط ن ج مادة قليلة، وليس في لسان العرب لابن منظور سوى كلمة ( الطنوج ) بمعنى (الأسفار) وفعل طنَّج بتشديد نونه، وهو من الغريب، بمعنى تفنَّن في الكلام، فحرف التاء الذي في آخر كلمة طنجة في رسمها العربي هاء سكت أو تاء تأنيث اقتضتها صياغة التعريب، وحرف الطاء في الأول بدل التاء بما جاء تفخيما اقتضاه الحرف الذي بعده وهو النون، وحرف الجيم هو نفس حرف كـَ (الجيم البدوية، كما يقال)، فيكون رسم «طنجة» هو رسم للإسم الوارد عند الفينيقيين وعند من نقل عنهم من اللاتينيين.

إن المحاولات اللاتينية لشرح معنى إسم طنجة بربطه بالنسق الأسطوري وبأعلامه و «وقائعه» كما حاكها الإغريق ثم الرومان محاولة مصادرة أجنبية وعدم التفات إلى الجذور الأصلية المحلية، وتتضمن أيضا جهلا بالآثار الفينيقيين أو تجاهلا لها. وكذلك فعل من أراد أن يجد للاسم تأويلا عربيا في عبارة «الطين جاء» المرتبطة بالطوفان.

معنى طنجة في اللغة الأمازيغية

لقد مهدنا بهذه المقدمة لنأتي إلى البحث عن معنى اسم طنجة في اللغة المحلية وهي الأمازيغية التي لا نعلم مبررا لعدم التيقن بأنها كانت مستعملة في هذه الجهات منذ آلاف السنين، تكلم بها الناس وتسمت بها الأسماء بالرغم مما قد يكون اعتراه من التطور أو لحقها من الدخيل.

ومرجعنا مع ذلك هو اللغة المتداولة اليوم، بيد أننا لا نستطيع أن نسأل أحد مستعمليها عن معنى إسم طنجة فيجيبنا على التو وبكيفية مباشرة، لأن الصيغة المتداولة على ألسن العامة والخاصة هي (ط ن ج ه)، ولا توحي هذه الأصوات بمعنى قريب في لغة الأمازيغ، بل الذي يمكن أن يهدي إلى التأويل الذي نود أن نقترحه هو العلم بالرسم اللاتيني Tingis الوارد في النصوص والرسم الوارد في النقود الفينيقيين ولا سيما تلك الصيغة التي جاء فيها الاسم مركبا من شرطن مفصولين هما : تِنْ (Tin) و كِـَ (gi).

إن الرجوع إلى الأمازيغية في شرح هذا الاسم لم يغب عن كل الباحثين في هذا الموضوع وفي ضوء الصيغة المذكورة: تِنْكِـَ Tingi باعتبارها كلمة واحدة، ولكنهم ذهبوا إلى التفكير في المعنى المباشر لهذا اللفط وهو بالعربية «السيل» سيل مياه الوادي « في صيغة المؤنث ( تِنْكِـ ) والمذكر « أنْكِـَ »، ومن ثمة ربطوه بشِعب ذي سيلان عند قدم المرتفع الذي فيه موقع «طنجة» أو ربطوه توا بقصة الطوفان.

إن التداعي بين الدلالات المحتملة والوقائع المذكورة دون تأكد من صحتها يشكل في مثل هذه الحالات إغراءات خطيرة للبحث، ومن هذا القبيل يمكن أن نذكر أن أقرب الكلمات الأمازيغية من لغة اليوم إلى اسم «طنجة» هو كلمة «تاضَّنْكَة» ومعناها الموجة الكبيرة العالية، ولو رجحنا هذا الاسم لما أعوزتنا القرائن سواء من جهة وقوع طنجة على مضيق بحري شديد الهيجان، أو من جهة موقعها المشرف الذي يكاد في شكله يشبه موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم أو طرفا من اليابس يعاند باعتداده أمواج البحر التي ترتطم عند أقدامه.

أما لو عدنا إلى كلمة تِنْكِـَ (Tingi) أو تِنْ كِـَ (Tin gi) بحثنا بقصد القياس عن كلمات مماثلة في الصيغة لوجدنا عددا من أسماء الأماكن التي لها معنى أمازيغي ولنأخذ أشهر تلك الأسماء وهو «تِنْغير» البلدة الشهيرة في جنوب المغرب الشرقي وهي في واقع الأمر لا يجوز مد أي حروفه لأن الأمازيغية لا مد فيها، فالإسم على هذا الأساس ينبغي أن ينطق هكذا «تِنْغِر».

وإذا تأملناه من حيث الدلالة وجدناه مركبا من «تِنْ» وتفيد في الأمازيغية الوصف والنسبة، وتعني هنا بصيغة التأنيث (والضمير يعود على المحلة أو العمارة أو المدينة إلخ)، ذات، كما في ذات الجندل أو ذات الصواري إلخ أو تعني «التي في» أو «المنسوبة إلى»، أما الشطر الثاني وهو «غِرْ» فمعناه عرف الجبل أو الأكمة أو المرتفع، وهو أصلا بهمزة تحتها كسر في أوله «إغِرْ» فهي «تِنْ إِغِر»، ولكن الهمزة استثقلت فحذفت فصارت الكلمة « تِنْ غِر» أو تِنْغِر».

وبهذا المثال نمهد للقول بأن «طنجة» اسم تحرف لدواع يدخل فيها نسيان المعنى الأصلي أو تناسيه، بينما نقدر أن هذا الأصل هو «تِنْكِـَ» المركبة من تِنْ (= ذات، المنسوبة إلى الواقعة في) و «كِـَ» وأصله إِكِـّ فحذفت الهمزة، ومعناه الأعلى والفوق، أي أن تِنْ كِـَ تعني الواقعة في المرتفع أو الأعلى أو العالية.

إن اللائحة التي أنجزتها إدارة الأشغال العمومية عام 1997 بأسماء التجمعات السكنية والفرق والقبائل ومجموعات القبائل في منطقة الحماية الفرنسية من المغرب تتضمن أزيد من مائة كلمة على هذه الصيغة المركبة من تِنْ بالمعنى الذي ذكرناه ومن كلمة أخرى تدل عادة على وصف طبوغرافي.

ومن الدلائل على قدم هذا الاستعمال في التسميات ورود اسم «تِنْمَلّْ» قاعدة انطلاق الحركة الموحدية، ويعني اسمها «الواقعة في السفح أو الواقعة في المنحدر» لأن أَّمَلِلْ هو السفح أو المنحدر، ولذلك تجد من يفك اللامين “تُنِمَلِلْ” ومن يضغمهما «تِنملّْ» مشددا آخره شدا فوقه سكون.

وليس من المستبعد أن يكون أصل الاسم: «تَنْكَـ» بفتح أوله، في هذه الحالة فإن تَنْ تفيد أداة الإشارة كما قد يفترض أن تكون تَنْ مركبة هي أيضا من (ت) التي تفيد التأنيث أو الإشارة ومن (ن) التي تفيد الإضافة أو الوصف، ولا يبتعد المعنى عما قلناه في دلالة (تِنْ)، ولكن الذي يَظل أساسيا وثابتا هو أن (كَـ) بالكسر أو الفتح تفيد العلو والارتفاع في جميع الأحوال، فهي التي في كلمة أكَادير (أكَدِرْ) بمعنى الحصن أو الجدار المرتفع، وهي التي في أكَيُّو بمعنى: الرأس، وفي أَكَيْوَرْ بمعنى النسر الذي يطير عاليا، وفي إِكَنْوَانْ، بمعنى السماء، إلخ..

إن من المعروف أن أسماء الأماكن تدل في معظم الأحيان على معان تتصل بالشكل الطبوغرافي للموقع، ولا تخفي أهمية التحصين وصفة المنعة التي يوفرها العلو بالنسبة لعمارة على مر الطرق برية كانت أو بحرية، وهذا ما يبرر كثرة ورود أسماء مواقع في جميع أنحاء الدنيا وبلغات مختلفة لها معنى الموقع المرتفع أو المحصن أو العالي.

وبعد أن عرفنا من جهة التحليل اللغوي معنى اسم «طنجة» نستطيع أن نتعدى هذا المستوى لتدعيم اقتراحنا بقرائن أخرى. وهنا لابد أن نبدأ بالنظر في عبارة وردت عند أبي عبيد الله البكري في كتابه «المعرب في ذكر إفريقيا والمغرب» في معرض حديثه عن طنجة حيث قال:

«فأما كورة طنجة فهي مساكن صنهاجة […] ومدينة طنجة تعرف بالبربرية وليلي»

إن البكري قلما لجأ في كتابه إلى شرح معاني أسماء الأمكنة التي يدركها. ولا يستغرب أن يفعل ذلك بالنسبة لمدينة طنجة اعتبارا لشهرتها من جهة و لإلغاز معنى ذلك الاسم من جهة أخرى، إذ لو كان معناه دارجا بين الناس لما احتاج إلى شرحه، ولو كان معناه عربيا لما احتاج إلى الالتفات له، ولكن عبارته تضحى مبررة إذا تضمنت شرح غامض بواضح، وكأن غموض اسم طنجة جاء من كون رسمها المكرس في النصوص أبعد الاسم عن نطقه المفهوم عند أهل البلد أو أن أهل البلد أنفسهم قد تبدلوا وصار الاسم في لهجة الطارئين غير معروف بالمرة.

وهذا الاحتمال الأخير تقويه أمثلة أسماء زناتية أو صنهاجية في المجال المصمودي لا يعرف معناها اليوم عند أهل البلد الطارئين، ومثل ذلك صحيح في الحالات المعاكسة.

بيد أن عبارة البكري تفيد بما لا يتطرق إليه الشك أن مقصوده هو الشرح اللغوي لمعنى طنجة التي صارت عند أهلها تعني «وليلي» إما من حيث المعنى أو من حيث الإطلاق الغالب لاسم مرادف يفضله الساكنون في عين المكان، ويتحصل من هذه الوجوه كلها أن اسم «طنجة» واسم «وليلي» لهما معنى واحد، ولما كانت العبارة تقرر أن ذلك الترادف «بالبربرية» لا «عند البربر»، فالمحقق من هنا أن معنى وليلي كان معروفا لا غموض فيه.

تعرف أيضا على معنى اسم وليلي

فأصل معنى وليلي في الأمازيغية هو المرتفع أو المكان المرتفع، وفي ضوئه نفهم أن قول البكري « وطنجة تعرف بالبربرية وليلي » يعني أن « طنجة » تعني ما تعنيه « وليلي » أي المرتفع والمكان العالي، فطنجة إذن هي « العالية ».

إن هذا الوصف في حق طنجة حقيقة طبوغرافية، كما أنه وصف لها وارد في التغني الشعبي الحديث الذي قد يكون التقط دلالة عبرت آفاق القرون أو يكون جددها على حسن اتفاق مع ما أشفقت من درسه عوائد الزمن.

أغنيةطنجة يا العاليا للفنان المغربي حسين السلاوي

بيد أن اسم «العالية» قد ورد في قطع نقدية توقف عندها المختصون، من ليفي بروفنسال Levi – Provencal في أبحاثه حول بناء فاس إلى د. أوسطاش D. Eustache في كتابة « مجموع الدراهيم الادريسية » الذي أصدره بنك المغرب Corpus des Dirhams idrisites et contemporains، وذلك بالنسبة لمدينة فاس حيث ذهب أوسطاش إلى القول بأن « العالية » في بعض الدراهم الإدريسية في الحاضرة الواقعة على الضفة اليسرى لوادي فاس.

إن أوسطاش الذي أهمل القول الذي يجعل إسم «فاس» مشتقا من « الفأس » في القصة الواردة عند الإخبارين، اعتقد أن إسم « فاس » من «أفاسييْ» الذي يعني في الأمازيغية «الأيمن» و «الجهة اليمنى»، ولذلك ذهب إلى القول بأن «العالية» هي عمارة الضفة اليسرى لوادي فاس.

ولكنه لم يتنبه إلى أن التسمية بالمواقع بالنسبة للأودية ليس مألوفا في مجال أسماء الأماكن في هذا السياق الثقافي. ثم إن السين التي في «أفاسييْ» بمعنى «الأيمن» قد لا تكون أصلية، مثلها مثل التي في آخر «مكناس»، بل نعثر في صيغة اسم «فاس» وكذا «مكناس» على ما يرجح الأصل الزناتي لهما وهو حذف همزة المذكر في أول الكلمة، وهي همزة لعلها تعود عند المصامدة الذين يستغنون بها عن السين وتبقى الكلمة المعروفة إلى اليوم والشائعة في أماكن عدة وهي «آفا» التي تعني المرتفع والمكان المشرف والمحلة العالية.

فالعالية عندما سكت في قطع النقود المشار إليها أعلاه لم تكن تعني وصفا لمحذوف قد يكون حضرة الملك كما جرى التقليد في ما بعد، بل هي ترجمة اسم المدينة التي وقع فيها السك وهي « فاس » دون تخصيص للضفة اليمنى أو اليسرى إذا اقتنعنا بأن أصل التسمية ليس من معنى الأيمن ( = أفسييْ »، وهذا دون أن نستبعد أن كلمة « أفَسي » نفسها بهذا المعنى قد تكون من الأيمن على اليسر. ويظل « أفا » أو « أفَسِيْ » يعني العلو و والارتفاع والسمو.

إن شرح كلمة بأخرى يأتي من الترادف المتأصل في تعدد قواميس لهجات القبائل سواء عند الأمازيغيين أو العرب ولو وسعنا عبارة البكري لقلنا «إن طنجة بالأمازيغية هي وليلى وهي فاس أيضا»، ولكن كل من يخوض في هذا المجال بالنسبة لأسماء أماكن المغرب يحس بثغرة بل بهوة سحيقة في مجال البحث المعجمي الضروري لمواجهة مثل هذه القضايا، وعسى أن يكون حدس الهواة مستحثا لانكباب الدارسين المعتمقين.

إن المغامرات التي جرنا إليها الكلام عن معاني أسماء «طنجة» و «وليلى» و «فاس» تبين من حيث العبرة المنهجية أن البحث الطبونيمي بحث في فقه اللغة وفي التاريخ، وقد تكون له نتائج بعيدة المدى على علم اللغة لأنه يحفظ الصيغ المندرسة وعلى علم التاريخ لأنه ألصق بالواقع من كثير من المباحث، بل قد يمس فلسفة المعرفة عندما يظهرنا على أن الباحث فيه يسير في منحني معين ويقصي جهات أخرى تأثرا بتصورات أو تأثيرات معينة.

ولقد رأينا بصدد البحث في معنى اسم طنجة أن الباحثين «الموضوعيين» ابتعدوا عن أقرب المراجع المحتملة وهو قاموس اللغة المحلية “الأمازيغية”، وقد لا يكون هذا الجنوح سوى امتداد لتصور التاريخ من منظور سيادة المكتوب على الشفوي.

إن هذا النوع من التنقيب الأركيولوجي، إن كان محفوفا بالمخاطر، يُثري بالتراكم الذي يتيح المقارنة والتشوق إلى ما هو أبعد، وذلك ما بينه استنادنا إلى أبحاث سابقة ربما أوحت بنتائج مماثلة ابتداء من منطلقات أخرى. ومع ذلك فلا يجوز باسم صرامة التحقيق مصادرة الملاحم المرتبطة بأسماء المدن ومصايرها سيما إذا كان مثل ما في حال طنجة صنيعة عمالقة وتحلية أميرات ونطق الأنبياء وشهادة ميلاد الأرض بعد أن غمرها الطوفان.

ومع ذلك فكل جزم في هذا المجال هو من قبيل الجرأة الفائقة حتى إن المرء عندما ينتهي من الكلام فيه يود لوكان له شيء من بيان أو كوستينوس ليقول في مثل هذا المقام:

إنني لم أسع من كل هذا إلى الإقناع وإنما أردت به شيئا من إمتاع الأسماع.

المصدر
أحمد توفيق، "حول معنى إسم طنجة" طنجة في التاريخ المعاصر
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق