اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

عندما نادت الصحافة المغربية بمقاطعة اليهود.. تعرف أسباب هجرة يهود المغرب

عند انقضاء العقد الأول من الاستقلال، استمر في العيش فوق أرض المغرب 55.000 يهودي، وهو أكبر عدد من السكان اليهود في أي بلد عربي، وتجدر الإشارة إلى أن هذا العدد لا يمثل سوى %25 من يهود المغرب سنة 1946 والذي كان عددهم 240.000. كان يفتخر بذلك أولئك الذين ظلوا يؤمنون بإمكانية الانسجام الوطني ويعتقدون أن من واجبهم صون الوئام.

كانت مؤسسات اليهود تعمل بشكل شبه طبيعي. وكانت الجالية ما تزال تنعم باهتمام ورعاية السلطات السياسية، وبمناسبة عيد الغفران الديني كانت التقاليد تقضي بتقبل تهاني الحكومة. فبمناسبة يوم كيبور لسنة 1966، توجه وفد رسمي ممثل للحكومة المغربية مكون من نائب الوزير الأول امحمد زغاري ووزير الداخلية الجنرال أوفقير وعامل الدار البيضاء إلى البيعة الكبرى (المعبد اليهودي) بالدار البيضاء ليقدموا لجماعة المدينة التهاني.

مع اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية في الشرق الأوسط واندحار الجيوش العربية أمام جيش الدفاع الإسرائيلي انقلب الوضع في المغرب رأسا على عقب، فالمعارضة استغلت حالة الاضطراب النفسي العامة والمزايدات الإعلامية للتمادي في خطط المزج المتعمد بين ما هو صهيوني إسرائيلي، وما هو يهودي بشكل جعل التيارات اليمينية التي يمثلها حزب الاستقلال ومثيلاتها اليسارية المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تغالي في التكالب على الجماعات اليهودية وتحميلها من المثالب ما لا طاقة لها به.

فقد تعرض اليهود عقب النكسة مجددا لنفس التجربة القديمة المكبوتة في الذاكرة الجماعية، في أعماق اللاوعي: أي أن يكونوا هدف العداء الجماعي بسبب ما يقذفون به من تهم آفات مزمنة أو ظرفية تعاني منها الأمة ويعتبرون مسؤولين عنها.

السلطات المغربية تتدخل

كان الجميع يلتقط أنفاسه، في اعتماد كلي على حزم “المخزن”، وكانت الأجواء مشحونة منذ بداية الأزمة. وكانت السلطات قد اتخذت التدابير الضرورية حسب العادات المعهودة، فوضعت “الملاحات” تحت المراقبة الشديدة؛ فلم يكن يسمح بالدخول إلا لسكان الأحياء ومن يحمل تصريحا خاصا، وكانت كل المؤسسات والكنائس والمقابر والنوادي وبعض الحوانيت الكبرى التابعة لليهود مطوقة بحراسة أمنية غير ظاهرة للعيان.

وتحدثت جريدة العلم في عددها 6231 الصادر يوم 14 يونيو عن هذه الإجراءات الأمنية بعنوان “النادي الإسرائيلي بالرباط” قائلة:

“يستغرب السكان في مدينة الرباط وجود ناد صهيوني يضع على بابه لوحة تحمل اسم “النادي الإسرائيلي” بدون خجل، وبدون مراعاة للشعور الوطني في المغرب. النادي يقع في شارع بوردو، وهو مخزاة قائمة باستمرار في وطننا. والأعجب من ذلك أن رجال الشرطة أخذوا في الأيام الأخيرة يقومون بحماية هذا النادي “الإسرائيلي”.

أمام هذه الموجة الجديدة من العداء، اتخذت السلطات المغربية كافة الاحتياطات الأمنية اللازمة لضمان حماية وسلامة الأحياء اليهودية خلال الفترة التي سبقت شن العمليات العسكرية، وحرص وزير الداخلية، الجنرال أوفقير شخصيا على تأمين الطوق الأمني، وكان معهودا فيه تعاطفه مع الجماعات اليهودية، ومع ذلك أخذ الذعر مأخذه من بعض العائلات الميسورة، وقررت الانتقال إلى فرنسا أو إسبانيا إلى حين انتهاء الأزمة وعودة الهدوء، ولم يكن أمام الأسر التي كانت تسكن الأحياء اليهودية بالملاح سوى أن تقبع في مكانها.

يهود المغرب وتداعيات الحرب العربية الإسرائيلية

خلال أيام الحرب الأولى، لم تسجل أية أحداث يؤسف لها لأن البيانات العسكرية الصادرة عن الإذاعات العربية اتسمت بالاحتفالية والإشادة بالبطولات وترديد مواقع النصر على الجبهات المصرية والسورية والأردنية، بل أن بعض البيانات تحدثت عن قرب سقوط تل أبيب، ولكن الوضع تغير بالكامل عندما أدركت الجماهير فداحة اندحار الجيوش العربية، فتحول المغاربة اليهود إلى عرضة للشتائم والبصق والتعنيف الشفوي مما جعل الأجواء تتكهرب وتشحن بالبغضاء والكراهية، وبات من الممكن تلمس مظاهر الإحباط في جميع مظاهر الحياة.. فوقع الصدمة كان قويا على الجماهير المغربية.

التعايش المغربي في مهب الريح

كان اليهود الذين يغامرون بالخروج من أحيائهم يتعرضون باستمرار للمضايقات، ففي يوم 11 يونيو 1967 بمدينة مكناس، صب بعض المارة المسلمين جام غضبهم على من صادفوهم من اليهود، فقتلوا يهوديين -شاب وخطيبته- كان يتجولان على ظهر دراجة نارية في المدينة القديمة. وكان لهذا الخبر وقع المحفز للقلق في الملاح.

صورة يهودي مغربي
صورة تاجر يهودي مغربي

على إثر هذه التطورات سادت أجواء من مطاردة الخونة -حسب تعبير المعارضة المغربية- شجعتها الأحزاب والنقابات في كل أرجاء البلاد. بات اليهود يختبؤون، يلزمون بيوتهم بين أربعة جدران.

في مكان عملهم، لم يعد الزملاء يوجهون لهم الكلام، حتى الشيوعيون بين اليهود، رغم معاداتهم الشديدة لإسرائيل، باتوا يتعرضون للشتيمة، في الشارع، كان المارة يبصقون في وجه اليهود، أو يرجمونهم بالحجارة أو ينزعون عنهم قبعاتهم، كان زمن الاحتقار قد بدأ، وزمن الحجر المعنوي والقانوني، زمن الفصل عن سائر الشعب، فقد ولى زمن التسامح وحل مكانه زمن الشك والريبة.

كان أكثر ما أثر على اليهود في المغرب هو الحملة الصحفية التي استهدفتهم، دون أي مراعاة للمشاعر والرموز، ولا للأفراد من يهود المغرب الذين التزموا بالقضايا الوطنية بشكل واضح.

واستغلت أحزاب المعارضة هذه المشاعر الطارئة فرفعت من حدة الحملة الدعائية المستهدفة لليهود، وطالبت هذه المرة بمقاطعة شاملة لكل ما له صلة “بالصهاينة”، أي بصيغة أوضح جميع “اليهود”. وإذا ألقينا نظرة على الشعارات والعناوين التي احتلت صدارة صحافة حزب الاستقلال على صفحات “العلم” و”L’opinion”، سنأخذ فكرة واضحة عن حجم الحملات العدائية التحريضية الداعية للمقاطعة الاقتصادية لليهود المغاربة.

ونورد هنا نماذج لدعوات المقاطعة التي تضمنتها صفحات جريدة العلم:

“يا شباب هذا الجيل، تعلموا الصناعات التي كانت حكرا على اليهود حتى الأمس، من أجل تحرير بلدنا من السيطرة الصهيونية، الشعب المغربي عازم على مقاطعة الصهاينة، ولا يتردد في المشاركة الشاملة في الحملة الوطنية. احرصوا قبل الاكتتاب في أي تأمين، على اختيار شركة تأمين لا يكون أصحابها الرئيسيون من الصهاينة. تذكر جيدا يا أخي، أن عددا من الأحذية الصحافة الاستعمارية التي يحررها الإسرائيليون وسيلة صهيونية لغزو الأفكار وتحطيم المجتمعات، قاطع صحف الصهيونيين حتى لا تساهم مع “إسرائيل” في قتل العرب والمسلمين دون شعور”.

جريدة العلم، 24 يونيو، ص 6
معاداة يهود المغرب
شعارات جريدة العلم المعادية ليهود المغرب

“قاطع أيها المواطن كل مراكز العدو، أنت تعرف العدو جيدا، فارفض أن تتعامل معه. كل قرش تعطيه لصهيوني في متجر أو مقهى يتحول إلى رصاصة في قلب أبطالنا. فأعلن مقاطعة الصهاينة”.

العلم، 14 يونيو 1967، العدد، 6231، ص 5
تاجر يهودي مغربي
تاجر يهودي مغربي

“الدواء الذي تشتريه من صيدلية إسرائيلية تدفع فيه جزء من المال يتحول إلى طائرة تعصف بــ آلاف الأرواح من إخوانك المسلمين”.

العلم، 24 يونيو 1967، ص.6. الرباط

والقائمة لا تنتهي. كان أول المستهدفين هم اليهود الذين يعملون في القطاعات المنتجة التي تقتضي تدريبا كافيا وحدا أدنى من المهارة. وكانت هذه النداءات تخلط ما بين اليهود الوطنيين والصهاينة، أو إذا ما أردنا تبسيط الأمور، فإن أي يهودي كان حكما صهيونيا، وأي تاجر أو موظف يهودي كان عميلا للصهيونية. وكانت أهداف المقاطعة واضحة عبر ما ورد في صحيفة يسارية اسمها “لوكوتيديان”:

لن تقتصر المقاطعة على قطاع التجارة أو العاملين في الموانئ. ففي كل الشركات، سواء أكانت خاصة أم حكومية يرفض العاملون المغاربة التعاون مع عملاء العدو. وكذلك الأمر في الوظائف الليبرالية حيث المحامين والأطباء والمهندسين، فلقد قرروا مساندة النشاط الذي يقوم به الشعب المغربي بالإجماع، بتطهير صفوفه من العناصر الإمبريالية الصهيونية (…) انكشفت فجأة فداحة السطوة الامبريالية الصهيونية على الحياة الاقتصادية السياسية في بلدنا (…) وما زالت الصدمة تهز الضمير الوطني المغربي (…) ولعل صحوة الضمير المشروعة هذه قد تجسدت في الدفاع عن النفس عبر المقاطعة على كل الأصعدة والمطالبة بتحرير اقتصادنا وكل المفاصل الحيوية في دولتنا من سطوة العدو.

حرفي مغربي يهودي
حرفي مغربي يهودي

بسبب الحملة الشرسة التي شنتها صحافة حزب الاستقلال ضد اليهود قامت السلطات المغربية بحجز جريدتي “العلم” عدد 6232/ 14 يونيو و“الرأي” وهو ما دفع مديري الجريدتين إلى الاحتجاج لدى المدير العام للديوان الملكي.

مغادرة المغرب

كأي ظاهرة اجتماعية تشمل كافة مكونات المجتمع في فترة يشهد فيه تحولا عميقا، فإن الحملة المعادية للمواطنين اليهود كانت تندرج في منطق التغيير بعيد المدى. وكان المستفيدون من الحملة الدعائية هم أولئك الراغبين في أخذ مكان النازحين. وعلى رأسهم البرجوازية الفاسية المكونة لحزب الاستقلال، والبرجوازية السوسية التي انظمت إلى الجناح المنشق عن حزب الاستقلال بقيادة المهدي بن بركة مؤسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

فمجال التجارة بالمغرب مثلا كان حكرا على الفاسيين واليهود والأوربيين والسوسيين (أمازيغ الجنوب الغربي)، ومع حصول المغرب على الاستقلال، غادر عدد كبير من الأجانب المغرب، مما شكل فرصة ذهبية للمجموعات الثلاث لاقتسام ما خلفه هؤلاء من عقارات ومنشآت صناعية وتجارية وغيرها.

وبسبب التنافس بين المجموعات الاقتصادية والأوضاع السياسية الطارئة، ضاق اليهود المغاربة بهذا الوضع، وهاجر أكبرهم سنا، وأقلهم ثروة إلى إسرائيل، ورحل الكثيرون، من أطباء ومحامين وكبار التجار والمتوسطين، والخياطين وعمال الميكانيك، ليستقروا في بلدان أخرى، ولا سيما في أوروبا الغربية وفي كندا، حيث لم يتبقى أواخر سنة 1967 سوى 53.000 يهودي مغربي.

اليهود المغاربة والانقلاب على الحسن الثاني

ومع مطلع عقد السبعينيات استأنفت من جديد وبوتيرة ملفتة للانتباه حركة الهجرة، حيث تزايد عدد اليهود الذين غادروا المغرب خلال السنوات الأولى لعقد السبعينات بسبب أجواء التوتر العامة التي أعقبت المحاولتين الانقلابيتين للإطاحة بالنظام الملكي (1971-1972)، إذ بينت عملية الإحصاء العام للسكان لسنة 1971، أن عدد من تبقى من اليهود هو 31.119 نسمة مقابل 164.000 نسمة قبل عشر سنوات.

ومما لا شك فيه أنه كان لمحاولة اغتيال الملك الحسن الثاني خلال واقعة الصخيرات سنة 1971 والمحاولة الانقلابية الثانية سنة 1972 التي قادها الجنرال أوفقير، نصيب في زعزعة ثقة اليهود في النظام المغربي، فباستهداف شخص الملك نفسه سقطت مجموعة القيم المقدسة التي كان جمهور اليهود يعتبرها أسانيد وضمانات لحماية العرش لهم، فالملك فقد هالته وأضحت المراهنة عليه من قبيل المجازفة.

والحقيقة أن حصول انقلابين عسكريين خلال سنة واحدة جعل فئات عريضة من المغاربة اليهود المتبقين يشعرون في قرارة أنفسهم بأن شيئا ما يهددهم، ودفع بأشد المتشبثين بأرض المغرب إلى التفكير في الرحيل بشكل جدي، والعديد منهم قرر الرحيل صوب بقاع أخرى أكثر أمنا واستقرارا على رأسها فرنسا وإسرائيل.

لم يطردهم أحد (المغاربة اليهود) بكل معنى الكلمة ولكنهم دفعوا دفعا باتجاه الرحيل. وكانت الضربة للوجود اليهودي بالمغرب قاضية، فتسارع الأحداث المأساوية كان بداية للفزع الحقيقي، الذي كانت الجماعة اليهودية تخشاه فعلا، فأدركت أن الرحيل بات محتما. وتوالى بذلك رحيلهم أفرادا وجماعات حتى تضاءل عددهم اليوم إلى 2000 مغربي يهودي، معظمهم يعيشون في مدينة الدار البيضاء.

أما هؤلاء الذين اختاروا الذهاب إلى إسرائيل ظنا منهم بأنها المكان الآمن والأصح بالنسبة لهم فقد انتظرهم التمييز والاستيلاء الثقافي والاقتصادي من طرف قادة إسرائيل ذوي الأصول الأشكنازية الأوربية، كما تجلى ذلك في حركة الفهود السود عام 1971.

في نظرة استشراف للمستقبل يصف المحامي الطنجي كارلوس دي نصري (carlos de nesry) مؤلف كتاب الاسرائليون المغاربة ساعة الاختيار، حالة أبناء الجماعة اليهودية المغربية الذين فضلو طوعا أو كرها الهجرة نحو بلاد بعيدة تاركين وراءهم سياقا ثقافيا أصيلا يصعب نسيانه، وفضاءات نسجت فيها علاقات وجرت فيها أحداث يستحيل أن تنسخ بوعي جديد أو يمحوها زمن مديد، قائلا:

لم يتوجه الذاهبون بالتحديد إلى إسرائيل … كندا وفنزويلا والبرازيل وإلى أصقاع بعيدة براقة حيث رأوا الأمان والازدهار لمؤسساتهم. ولن يكون ذلك اقتلاعا من جذور المغرب وعلامته ستتبعهم دائما في ثلوج كندا وشتاء الغرب، وتحت السماء الاستوائية وفوق الرصيف المجهول للعواصم الأوربية وفي شراسة كل الأدغال الحديثة.

لن يتم نسيان أرض النور على الفور، لن يتم نسيان بلد المصايف والأزمنة الرحيمة، وتعاقب الأيام والليالي المفعمة والعمل الدؤوب والجهد المحموم والوجاهة والكرم المجاني تقريبا.. وسيضاف إلى ذلك العوامل المتنوعة التي ستؤخر التكيف مع العوالم الظاهرة والتحتية غير المعروفة والمجتمعات الجديدة .. وسيظهر الحنين للذين لا يعرفون بعد أن الطعم العميق للهجرة طعم مر عادة وأن الأوطان حتى تلك المتبناة لا ترتجل. وسيعود عدد كبير من هؤلاء المهاجرين للظرفيين إلى التأسف على مغادرتهم، وسيسلك كثير منهم طريق العودة، وسيكونون سعداء جدا لرؤية الشواطئ التي لم تكن قط غير مضيافة، والأفاق التي على مقاسهم وشهادات زمن البراءة.. الترحال هو عادة للتكفير، ونادرا ما يكون قدرا. وبدون شك ربما كانت هذه وتلك خاصية حتمية لإسرائيل”

فهل سيتحقق يوما حلم كارلوس دو نصري؟ ويعود المغاربة اليهود أفرادا وزرافات إلى وطنهم الأم “المغرب”؟

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق