اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

ملاح اليهود بـ مراكش.. القصة الكاملة

اقرأ في هذا المقال
  • جذور استقرار اليهود بـ ملاح مراكش
  • اختلاف حول تاريخ بناء الملاح اليهودي
  • حي الملاح اليهودي في محيط القصر الملكي
  • ملاح مراكش بيع وأسواق وسقايات
  • تغير ملامح الملاح اليهودي
  • الأوضاع المزرية ليهود الملاح

كان اليهود ، في عهد الأمير علي بن يوسف المرابطي، لا يقيمون بمدينة مراكش في بداية تأسيسها ولا يتوفرون على ملاح خاص بهم، فقد كانوا يدخلون إليها في النهار للقيام بأعمالهم وقضاء مآربهم، وقبل حلول المساء يغادرون المدينة مخافة استباحة مالهم ودمهم وهو العرف الذي كان سائدا أنذاك، مما جعلهم حريصين على الانصراف منها في آخر النهار.

جذور استقرار اليهود بـ ملاح مراكش

يُرجع بعض الباحثين إلى أن أصول يهود مراكش تعود إلى مدينة أغمات والقرى المحيطة بها، وذلك قبل مجيء اليهود المطرودين من الأندلس، بحيث يحتمل أن هذه الطائفة اليهودية القادمة من إسبانيا هي التي شجعت اليهود البلديين للتوجه إلى مدينة مراكش للإقامة بها، ويبدو أن قرار منع اليهود من الاستقرار بالمدينة لم يعد معمولا به كما كان الأمر في عهد المرابطين.

ولا نتوفر على معلومات معلومات بخصوص الفترة التي سمحت فيها السلطات الحاكمة لليهود بالسكن في مدينة مراكش، ويحتمل أن ذلك كان في نهاية القرن 15م، الذي تزامن مع وصول الأفواج الأولى من يهود الأندلس المطرودين من إسبانيا. ففي هذه الفترة، وفدت على المغرب أعداد كبيرة من اليهود الروميين الدين قصدوا الحواضر المغربية، فكانت مراكش مقصد بعضهم.

تبعا لذلك، وردت بعض الإشارات عند مارمول كارفخال تفيد أن مراكش كانت تضم سنة 1540م حيا لليهود به أزيد من ثلاثة آلاف منزل! وبعد ثلاث عشرة سنة، إثر آخر زيارة لديكو دي طوريس لمراكش أصبح بالمدينة تجمعان لليهود يقيم بها الآلاف منهم.

كان موقع التجمع اليهودي الأول، حسب ما ورد عند ديكو دي طوريس بما يعرف بحومة “المواسين” بمراكش، ويرى كاستون دوفيردان أن اسم “المواسين” عُرف به أحد دروب التي كان يصنع فيه ” الموسى” وكان ذلك من اختصاص اليهود. أما موقع التجمع اليهودي الثاني فحدد في مكان قد يكون محاذيا لحومة “أسوال” التي أصبحت تنطق تحريفا بـ “أسول”، مما جعل هذا الباحث يتساءل عن علاقة اسم حومة ” أسول ” بأصل اليهود المغاربة المعروفون باسم ” أسولين “.

اختلاف حول تاريخ بناء الملاح اليهودي

لم يكن تجميع اليهود في حي خاص بهم بمراكش هو الأول من نوعه في حاضرة مغربية، بل يعد الثاني، حيث أقيم لهم قبل ذلك في سنة 1438م، أو قبل ذلك، حيا مشابها بفاس. ومن المرجح أن تزايد أعداد اليهود بمراكش، وما كان لذلك من آثار على التركيبة الاجتماعية للمدينة هو الذي دفع الأشراف السعديين إلى تخصيص حي لهم.

هناك اتفاق بين المصادر التاريخية على أن السلطان عبد الله الغالب بأمر الله السعدي (946-981هـ/ 1557-1574م) هو من أمر ببناء حي خاص لليهود بمراكش، وكانت الغاية من ذلك حشد يهود المدينة داخله وفصلهم عن المسلمين، إلا أن هناك اختلافا في تاريخ ذلك، وقد حاولت الباحثة إميلي غوتريك ضبط هذا التاريخ بالاعتماد على بعض المعطيات المصدرية المباشرة، إضافة إلى ما توصلت إليه مما علق في الذاكرة الشعبية اليهودية.

فبالنسبة للمعطيات المصدرية، فقد اعتمدت الباحثة على نصين لإسبانيين أقاما بمراكش مدة من الزمن، غير أنهما غادراها قبيل الشروع في بناء الملاح، وهما مارمول كارفخال صاحب كتاب “إفريقيا”، وديكو دي طوريس، صاحب كتاب “تاريخ الشرفاء”.

فخلال الفترة التي كان مارمول مقيما بمراكش إلى حدود سنة 1540م لم يكن ملاح اليهود قد بني، حيث أورد في كتابه أن اليهود المقيمين بـ مراكش كانوا يمتلكون منازل وسط المدينة، وكانوا مختلطين مع السكان المسلمين. لم يكن الملاح موجودا أيضا سنة 1553م، لأنه في آخر زيارة لطوريس خلال هذه السنة، وحسب ما أشار إليه في كتابه أن اليهود كانوا يقيمون في تجمعين سكنيين متفرقين، وقد نبه أن هناك أمرا سلطانيا بتخصيص حي يهودي “Judéria” أحيطت به الأسوار في ساحة كبيرة بموضع داخل المدينة بالقرب من باب فاس، حيث خصص لاستقبال ألفي يهودي، كانوا يقيمون متفرقين بين ظهراني المسلمين.

أفاد هاذان المؤلفان بمصدريهما ومزامنتهما خلال إقامتها بمراكش للفترة التي سبقت إقامة ملاح خاص باليهود، إلا أنه عند شروع كل منهما في تصنيف كتابه (طوريس سنة 1554م) و(مارمول سنة 1570م) ظهر الملاح للوجود!

انطلاقا من ذلك، وحسب بعض الباحثين، فإن الملاح اليهودي بمراكش بني بين سنتي 1553م و1573م، يعني بين تاريخ آخَر مرة زار فيها ديكو دي طوريس المدينة وتاريخ تأليف مارمول كرفخال لكتابه عن إفريقيا.

اقرأ أيضا: تاريج اليهود بالمغرب 2000 سنة من الاستقرار

تحتفظ الذاكرة الشعبية لليهود، أيضا، ببعض المعطيات المهمة عن تاريخ تأسيس الملاح بمراكش، حيث ورد عندهم تاريخ حسب التقويم العبري، يشير لسنة 5317 وهي توافق في التقويم الميلادي سنة 1556م أو1557م غير أن هذا التاريخ الميلادي لا نتوفر على ما يدعمه من مادة مصدرية.

تمكن بعض الباحثين في نفس السياق من التقاط إشارات يمكنها أن تفيد في تحديد تاريخ بناء ملاح مراكش، ويتعلق الأمر بزمن إنشاء جامع حي المواسين وملحقاته، فقد ورد عند الإفراني ما يفيد أن:

«أهل الورع يجتنبون الصلاة في الجامع مدة بعد بنائه لأن مكانه كان مقبرة لليهود، كما أن أحبار اليهود يتحاشون المرور من حي المواسير خوفا من الدنس»

وهذا ما يؤكد أن الحي المجاور لحي الصباغين كانت تقيم به جماعة مهمة من اليهود. كما أشار الإفراني إلى سنة 970هـ / 1562م كتاريخ لبداية تشييد الجامع المذكور، وغير مستبعد أن عملية تهيئ المجال للبناء اقتضت نقل اليهود المقيمين هناك، مما يدعو لاحتمال تخصيص حي لاستقبالهم. وتبعا لذلك، تبنت بعض الروايات العبرية الفترة بين سنتي 1557م المستندة على التقويم العبري و1562م، وهي السنة التي بدأت فيها أشغال بناء جامع المواسين. وانطلاقا من ذلك، اعتمدت سنة 1560م للتأريخ لإنشاء حي خاص باليهود بمراكش عُرف فيما بعد بالملاح.

أما الباحثة إميلي غوتريك، واستنادا إلى نص مصدري معاصر، فقد تبنت سنة 1557م كتاريخ لبناء ملاح مراكش، وقد سايرها في ذلك الباحث غاستون دوفردان.

حي الملاح اليهودي في محيط القصر الملكي

اعتبر حي اليهود بـ مراكش ثاني بناء من نوعه بالمغرب بعد ملاح اليهود بفاس، مما جعل بعض الباحثين يرون أن كل حي مستحدث خاص باليهود حمل اسم “الملاح” “Mellah”، بل ذهب كودفروي دممبين أنه لا علاقة لهذا الاسم بالتفسيرات الشائعة التي ذهبت إلى أنه مرتبط بقيام اليهود بتمليح رؤوس الثوار المقطوعة قبل تعليقها على أسوار ومداخل المدينة، حيث أكد أن هذا الاسم يُعرف به موضع بفاس الجديد، يحتمل أن اليهود أقاموا به في مستهل القرن 15م، فأضحى كناية على الحي الذي استقروا به، ثم انتقل بعد ذلك ليستعمل في مختلف المدن المغربية التي ظهر فيها هذا النوع من الأحياء الخاصة باليهود.

تجدر الإشارة إلى أن حي اليهود المستحدث بمراكش لم يكن يعرف منذ بداية إقامة اليهود به باسم “الملاح”، حيث تأخر الأمر إلى حدود سنة 1639م، لينعت هذا الحي باسم الملاح في مصدر عبري-مغربي، ثم تكرر الاسم بعد ذلك سنة 1680م في نص مصدري مغربي، ثم استعمله القنصل الدنماركي جورج هوست سنة 1760م في وصف حي اليهود.

تحتفظ الذاكرة الشعبية اليهودية بإشارات مهمة عن الموضع الذي خصص لبناء ملاح اليهود بـمراكش، فهناك رواية متداولة بينهم عبارة عن حكاية مفادها أنه في سنة 1557م طلب سلطان المغرب آنذاك عبد الله الغالب بن محمد الشيخ السعدي من وزيره الأكبر أن يبحث عن مكان مناسب بالحاضرة مراكش لإنشاء حي جديد لليهود، فاهتدي الوزير إلى المكان الموجود قرب جنان العافية في محيط القصر السلطاني.

تصميم قديم حي الملاح بمراكش
تصميم قديم لحي الملاح اليهودي بمدينة مراكش

وبعد انتهاء أشغال البناء، انتقل اليهود إلى الحي الجديد، وقد حرص السلطان على حق كل يهودي في مبادلة منزله بآخر في الملاح، أو أخذ مقابل مالي عن منزله القديم، فتركت الحرية لهم ليدبروا أمورهم حسب مصالحهم ورغباتهم، غير أن امرأة أرملة رفضت مغادرة منزلها القديم. وبعد تعنتها الشديد، قدمت بين يدي السلطان، وقد اعتذرت له مبررة ذلك بكونها لا تستطيع مغادرة المنزل الذي ترعرعت فيه وعاش فيه والداها وأجدادها، قبل السلطان عذرها، فأمر بأن يخلى سبيلها على أن يحاط علما عند وفاتها. أدركت المرأة الوفاة، فأخبر السلطان بذلك، فأمر أن يترك بيتها على حاله، وهو المعروف إلى اليوم بـ “بيت اليهودية” أو “برج اليهودية”.

ملاح مراكش بيع وأسواق وسقايات

لا يعرف من قام بوضع التصميم الأولي لحي اليهود بمراكش لغياب الإشارات المصدرية في الموضوع، غير أن الرواية الشفهية التي كانت متداولة بين اليهود تشير إلى اسم مردخاي بن العطار، حيث شارك في أعمال التشييد وكان من الساهرين عليها، بل ارتبطت بشخصه بعض الكرامات التي كان لها دور كبير في حماية الحي اليهودي وكل المستقرين فيه.

أحيط الملاح بسور تخلله المدخل الرئيس بالجهة الشمالية الغربية، وهو مواجه للقصبة التي تتصل بباقي أحياء المدينة. أما في الجهة الغربية، فيحده سور القصبة الموحدية. يُظهر موقعا السورين الغربي والجنوبي أن الملاح السعدي كان يشمل أيضا المجال المعروف ببريمة، كما أن السور الذي يمتد بالجهة الشرقية ويفصل حومة بريمة عن جنان العافية ينتمي للفترة السعدية، ويحتمل أنه توسع ليشمل السور الشمالي من الملاح.

وبهذا، فالملاح الذي ظهر زمن السعديين كان يستغرق مساحة الملاح القائم اليوم، يضاف إليها الأراضي التي أقيمت عليها حومة بريمة، وقد اتخذ هذا المجال شكلا مستطيلا طوله 700 مترا وعرضه 250 مترا. وتبعا لذلك، قدرت مساحته ب 17.5 هكتار، عرفت توسعة سنة 1594م، حيث أضيفت مساحة تقدر بثمانية هكتارات في الجهة الشرقية خصصت لتكون مقبرة لليهود بعد أن كانت عبارة عن أراضي زراعية تلبي حاجيات سكان الحي ومستلزماتهم.

دفعت المساحة التي كان يمتد عليها ملاح مراكش بعض الأوربيين إلى وصفه بالمدينة الصغيرة، ويشار إلى أن الكثير من هؤلاء كانوا يفضلون الإقامة بملاح اليهود عند زيارتهم لمراكش، وهكذا نجد أن بعض السفراء الأوربيين كالدون فرانسيسكو داكوسطا، مبعوث الملك فيليب الثاني، نزل بملاح اليهود، وقد يفسر هذا بالأجواء المناسبة للإقامة التي يجدونها في هذا الحي اليهودي.

اتخذت دروب الحي اليهودي في غالبيتها شكلا متشابكا، ويحتمل أن يكون ذلك مرتبطا بهاجس أمني يقتضي تنظيم الملاح بشكل معين لضمان المراقبة المستمرة والحماية الفعالة له.

تشكل ملاح اليهود بمراكش، حسب بعض الإشارات المصدرية، من بيعة أو عدة بيع مخصصة لممارسة الشعائر الدينية ولتلقي الدروس التعليمية، ومن الطبيعي أن تكون هناك أسواق ضمت مختلف البضائع والمنتجات الحرفية، لما اشتهر به اليهود من اهتمام بالتجارة وصياغة الحلي واحتراف بعض الصنائع، إضافة إلى وجود سقايات في نقط مختلفة من دروب الحي لتزويد القاطنين به بحاجياتهم من الماء، ثم هناك مقبرة أحدثت منذ سنة 1594.

المقبرة اليهودية بمدينة مراكش
المقبرة اليهودية بمراكش

تغير ملامح الملاح

ورد في وثيقة غير منشورة عن ملاح مراكش في نهاية القرن 19م أن اليهود المقيمين به رفعوا شكواهم بضيق سكناهم للسلطان مولاي الحسن الأول، فعين وزيره فضول غريط لإحصاء الدور والمحلات السكنية الضيقة الموجودة بالملاح، وقد نفذ العملية كاتب الوزير المذكور عبد الكبير بن هاشم الكتاني وعون باشا مراكش عبد الله بن عمر الشياظمي، وقد أسفرت العملية عن الزيادة في توسعة بعض دور الملاح.

الأوضاع المزرية ليهود الملاح

تضمنت هذه الوثيقة بعض المعطيات عن عدد الدور التى شملها الإحصاء وهي 210 دارا مكونة من 1272 غرفة، يقيم بها ما مجموعه 5032 من الرجال والنساء البالغين، دون احتساب الأطفال الذين استثنوا من الإحصاء. وفي هذا الصدد، تشير الوثيقة إلى أن الغرفة الواحدة تقيم بها عائلات بأكملها الوالدان والأبناء وأزواجهم، وأحيانا أقرباء أزواجهم، وهذا يعني أن ما بين ستة وسبعة أفراد بالغين يسكنون بغرفة واحدة دون احتساب الأطفال الصغار.

تغيرت الصورة التي كانت للملاح في بداياته الأولى مع الوضع الذي أضحى عليه في مطلع القرن العشرين حيث أصبحت قاتمة للغاية، بل وصفت بأنها صورة “جهنم”، وقد نقل بعض رحالة هذه الفترة ملامح من هذه الصورة المخيفة، حيث أشار جوزي بنيش إلى أن بعض الأسر داخل هذا الحي مكونة من عشرة أفراد يعيشون داخل نفس الغرفة مقابل كراء سومته خمس فرنكات للشهر، وكان يوضع على الأرض حصير يشكل الفراش الذي ينام عليه الجميع، كما أنهم “مختلطين اختلاطا يبعث على الأسف”. أما دي بيريني فيذكر أنه شاهد “دورا تصلح لسكن عائلة على درجة بسيطة من اليسر، وقد اجتمع بداخلها ما بين أربعين وخمسين فردا”!

هناك تقارب كبير بين ما أورده الفرنسي أوجين أوبان وما تضمنه التقييد الإحصائي المخزني الذي أنجز سنة 1891م، بخصوص عدد سكان مراكش من اليهود، حيث حصرهم في 14000 نسمة، وبذلك اعتبره أكبر ملاح بالمغرب على الإطلاق، كما أشار إلى أنه يضم حوالي ستمائة منزل، خصصت حوالي مائة منها لإقامة عائلة واحدة بكل دار، بينما الخمسمائة الباقية من الدور كانت مكدسة جدا بالسكان، فغالبا ما كانت تعيش أسرة مكونة من عشرة أفراد في غرفة واحدة، أما الأخوين طارو فيتساءلان:

أي حالة اشمئزاز عندما ترميك الأقدار بالملاح، إنه أحد الأمكنة المخيفة بالعالم تجمع عشرين ألف يهودي في مكان ضيق جدا لحياتهم!

يعزى هذا التحول إلى النمو الديمغرافي الكبير الذي عرفته ساكنة مراكش من اليهود، في حين أن مساحة الحي التي تحدها الأسوار بقيت ثابتة دون أي توسع إلى غاية مطلع الألفية الثالثة حيث خضع لترميمات وتوسيعات مهمة.

المصدر
الإفراني: نزهة الحاديمارمول كارفخال: إفريقيادييغو دي طوريس: تاريخ الشرفاء
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق