عين على التاريخمقالات

منظمة الوجود الفرنسي.. مجانين الاستعمار

تحولت منظمة "الوجود الفرنسي" من جمعية تدافع عن مصالح المعمرين الفرنسيين إلى منظمة إرهابية وجهت نيرانها صوب المغاربة المدافعين عن استقلال المغرب . فمن تكون هذه المنظمة السرية؟

أفاقت مدينة الدار البيضاء، صبيحة يوم الأربعاء 30 يونيو 1954، على وقع إطلاق النار من مسدس إدريس الحريزي صوب الفرنسي إيميل ايرو. وتعتبر هذه الواقعة واحدة من أبرز عمليات المقاومة تأثيرا فالمستهدف لم يكن شخصا عاديا. بل كان الدكتور إيروكان رمزا من رموز الاستعمار، وأحد أهم المدافعين من أجل بقاء الوجود الفرنسي في المغرب.

كان إبراهيم فردوس ومحمد بلمختار الأنصاري يتتبعان أثر إيرو منذ مايو 1954 حيث أسند إليهما الشهيد محمد الزرقطوني مهمة اغتياله. تأخرت العملية بسبب سفر ايرو خارج الدار البيضاء، ليكون اغتياله نهاية يونيو بمثابة تكريم لروح محمد الزرقطوني الذي استشهد في 18 يونيو، كما ذكر ذلك محمد بن المختار الأنصاري في مذكراته المعنونة بـ «جولات في ذاكرة مقاوم» حيث يقول:

“جراء استشهاد السي محمد الزرقطوني توقفت كل العمليات الفدائية، وذلك إلى أن تفتدي روحه بضربة موجعة في عمق كيان المستعمر، والتي لن توجه إلا لشخصية مرمروقة بارزة هي شخصية الدكتور ايرو، والتي خطط لها وأمر بها الشهيد الزرقطوني”.

لم تكن منظمة «الوجود الفرنسي»، التي أسسها إيرو، مجرد جمعية مدنية تدافع عن مصالح المعمرين الفرنسيين في المغرب، بقدر ما كانت منظمة إرهابية مسلحة، جعلت «مكافحة الإرهاب» مهمتها الأساسية. أياما قليلة بعد سقوط إيميل إيرو، صبيحة ذلك اليوم الصيفي المشمس، خرجت مجموعة من عناصر هذه المنظمة في جولة انتقامية أطلقت خلالها الرصاص وألقت قنابل على من صادفتهم من سكان المدينة القديمة بالدار البيضاء.

كان هؤلاء المعمرون يعتبرون المقاومة الوطنية «إرهابا» يقتضي ردا أبلغ من ذلك الذي يصدر عن أجهزة الأمن والقضاء الاستعماري. تشكلت ميليشيا مسلحة تتراوح أعمالها بين اغتيال من تصادفهم في الطريق العام من مغاربة، أثناء العمليات الانتقامية، وبين اغتيالات سياسية مخطط لها سلفا تستهدف الوطنيين المغاربة وأنصارهم من الفرنسيين الليبراليين.

” المغرب لنا ” شعار منظمة الوجود الفرنسي

أدرك المعمرون الفرنسيون، بعد نفي محمد الخامس وتصاعد حركة المقاومة، أن وجودهم في المغرب لم يعد مضمونا إلى الأبد. خاصة أن سياق الخمسينات تميز ببداية تراجع الامبراطورية الاستعمارية في العالم، فكان شمال إفريقيا، ثم الجزائر بالخصوص، بمثابة القلاع الأخيرة التي لا يجب التخلي عنها بالنسبة للمعمرين. قلاع تتحصن وراءها مصالح اقتصادية كبيرة بالنسبة لبعض كبار رجال الأعمال الفرنسيين، فضلا عن الامتيازات التي يتمتع بها المعمرون. كان تأثير ذلك قويا على السياسية الفرنسية في مواجهة «الأزمة المغربية»، إذ كثيرا ما برز تفاوت بين الخط الرسمي، الذي يظهر أحيانا استعدادا للتجاوب مع بعض مطالب الوطنيين، والخط المتطرف، الذي يصر على عدم عودة محمد الخامس، واعتماد القمع خيارا وحيدا لمواجهة المنتفضين وقادة الحركة الوطنية.

عبرت جمعية «الوجود الفرنسي» عن الخط الأخير محليا، في الدار البيضاء خصوصا، لكنها كانت في نفس الوقت أداة لرعاية مصالح اقتصادية ومالية لرجال أعمال فرنسيين، التقت موضوعيا مع عقيدة شائعة وسط الجيش الفرنسي آنئذ تعتبر استمرار الوجود الفرنسي في المستعمرات أمرا بديهيا لا يحتاج لأدني تبرير.

في هذا الإطار، ظهرت جمعية “الوجود الفرنسي” في شتنبر 1953، ثم توحدت مع جمعيات فرنسية أخرى ليعلن تأسيس «الاتحاد من أجل الوجود الفرنسي» ربيع السنة الموالية. أعلنت هذه المنظمة أنها تسعى «للدفاع عن المصالح المعنوية والمادية لسكان المغرب»، وفقا لمنشور صادر عنها بتاريخ 25 يونيو 1954، يورده شارل أندري جوليان في مؤلفه المرجع «Le Maroc face aux imperialismes». لعل وجود شخصية مثل الباشا الكلاوي، عضوا في اللجنة الشرفية للجمعية، يوضح حقيقة المصالح التي تدافع عنها، كما يشير إلى ذلك الباحث جامع بيضا في مؤلفه حول الصحافة الصادرة بالفرنسية في المغرب. هذه الصحافة التي برزت منها جرائد مجموعة «ماس»، وخاصة «لافيجي ماروكان» باعتبارها الناطقة الرسمية باسم «الوجود الفرنسي»، وقد كان إيميل إيرو، نفسه، مديرا لهذه الجريدة.

كان أحمد بنكيران، في تلك الفترة، من بين مناضلي حزب الاستقلال الشباب الذين سعوا لربط صلات بالفرنسيين الأحرار في المغرب لإقناعهم بعدالة المطالب الوطنية، وفضح القمع الذي يمارس على المغاربة في هذا السياق، تعرف بنكيران على المجموعة التي كان ينشطها أنطوان مازيلا وجاك رايتزر وبيير كولسترمان والكومندان سارتو… تدريجيا بدأ بعض رجال الأعمال الفرنسيين في المغرب يسعون بدورهم للتواصل مع الوطنيين، وفي هذا النطاق اقتنع جاك لوميكر دوبروي، بأطروحة الفرنسيين الأحرار والتحق بهم، فكان ذلك سبب اغتياله من طرف عناصر من الوجود الفرنسي»، بيد أن تأثير الفرنسيين الأحرار كان هامشيا وسط المعمرين الأوربيين. «كانت أطروحة المعمرين المتطرفين، وخاصة في منظمة الوجود الفرنسي» هي الأكثر تاثيرا وسط الأوربيين في الدار البيضاء. أما نحن فكان صوتنا غير مسموع تماما. كثيراً ما كنا لا نحظى حتى بموعد لمقابلة مع مسؤول سياسي أو شخصية مؤثرة في باريس، عندما كنا نتوجه إليهم للدفاع عن مطالبنا بالاستقلال وعودة محمد الخامس.

أعتقد أن العنصر الأساسي الذي أثر على الرأي العام الأوربي بالمغرب هو حركة المقاومة الوطنية. مع تصاعد العمليات الفدائية بدأت النساء الأوربيات، خاصة، يتساءلن عن مستقبل أطفالهن في المغرب»، كما يتذكر بنكيران، متحدثا لـ «زمان».

إرهاب و «الإرهاب المضاد»

تفيد التفاصيل التي يعرضها جوليان عن هذه الفترة، وكذا تلك التي يقدمها فرانسوا بروش حول جريمة اغتيال الليبرالي الفرنسي جاك لوميكر دوبروي، أن نشاط منظمة الوجود الفرنسي اتخذ واجهتين أساسيتين. الواجهة الأولى كانت على المستوى السياسي من خلال الضغوط والحملات الدعائية القوية ضد الحركة الوطنية، وضد عودة محمد الخامس. استهدفت هذه الضغوط التأثير على القرار السياسي في باريس، ودعم الجناح الاستعماري المتطرف في الجيش والأحزاب الفرنسية ليحتل مواقع القرار في السياسة الفرنسية تجاه مستعمراتها في شمال إفريقيا. كما استهدفت هذه الأنشطة تأليب المعمرين الأوربيين ضد أي «تنازل» قد يصدر عن باريس لصالح الحركة الوطنية وقد استمر هذا النشاط الدعائي حتى بعد عودة محمد الخامس وإعلان الاستقلال. فضلا عن تنظيم تجمعات احتجاجية وإضرابات وتوزيع مناشير تشتكي مما اعتبرتقاعس الإدارة الاستعمارية في مواجهة العمليات الفدائية.

أما الواجهة الثانية فتمثلت في عمليات “المكافحة الارهاب” وذلك من خلال ميليشيا منظمة تضم خليطا من رجال الشرطة الاستعمارية في المغرب، وبعض رجال العصابات من ذوى السوابق العدلية.

ظل هذا النشاط الإرهابي موازيا للجمعية دون أن تتبناه رسميا وعندما اقترحته على فرانسيس لاكوست، المقيم العام الفرنسي، رفضه. حدث ذلك أثناء لقاء جمع لاكوست بالدكتور فرنارد كوس، خليفة إيرو في قيادة «الوجود الفرنسي»، وممثلين عن جمعية قدماء محاربي الجيش الفرنسي في إيطاليا والشرق الأوسط، غداة عملية السوق المركزي بالدار البيضاء.

رسميا، كانت الإقامة العامة والسلطات المركزية في باريس تعتبر «الإرهاب المضاد» أعمالا غير قانونية تستوجب الملاحقة القضائية. عمليا، كانت أجهزة الأمن الفرنسية توفر الرجال والسلاح والحماية لتلك الميليشيا التي تنفذ جرائم «الوجود الفرنسي». بل إن كثيرا من أعضاء هذه الميليشيا اتضح لاحقا أنهم موظفون في جهاز المخابرات الفرنسي سديك».

كان السياق الذي اقترح فيه على لاكوست تأسيس منظمة موازية ل “مكافحة الإرهاب” مفعما بمشاعر الانتقام إثر عملية السوق المركزي، التي نفذت في 24 دجنبر 1954. لا أدل على ذلك مما ورد في افتتاحية أسبوعية «باريس» الصادرة في الدار البيضاء والناطقة بدورها باسم المعمرين المتطرفين. فبتاريخ 7 يناير 1955 كتبت الجريدة قائلة إنه :

«في مواجهة الإرهاب، ظهر أن القمع غير كاف. لا يمكن محاربته إلا بملاحقته في نفس ملعبه، وشله بنفس أساليبه. إذا كان ثمة رجال يتحملون هذه المسؤولية، فلا يمكن إدانتهم. في وسط رجولي (فحل) الإرهاب يولد الإرهاب المضاد (…) العين بالعين».

صودر العدد الذي تضمن هذه الدعوة دون أن يمنع ذلك تنفيذ الوعيد، بل إن عناصر «الوجود الفرنسي» لم تكن تنتظر حصول سقوط ضحايا أوربيين في العمليات الفدائية لتبدأ نشاطها الإرهابي. ففي 2 دجنبر 1954 كان منشور منسوب لمنظمة متطرفة مقربة من الوجود الفرنسي يعلن أنهم سيقطعون خمسة «رؤوس كبرى» للوطنيين مقابل أي أوربى يسقط ضحية لـ «الإرهاب».

وقبل ذلك بسنة بدأت تظهر بصمات الإرهاب الاستعماري. فابتداء من 3 دجنبر 1953 سجل اختفاء خمسة مواطنين مغاربة في مدن فاس والرباط وسلا والدار البيضاء، كلهم أعضاء في حزب الاستقلال، وجميعهم شوهدوا لآخر مرة رفقة أشخاص أوربيي المظهر.

نسبت هذه الاختطافات لمنظمة سرية سميت «اليد البيضاء»، ثم سرعان ما أضحت تسمى «اليد الحمراء» على غرار التسمية التي حملتها تلك المنظمة المنسوب إليها اغتيال فرحات حشاد في تونس. ليظهر لاحقا أنها مجرد تسميات تضليلية أبدعتها المخابرات الفرنسية. لذلك ظلت تلك العناصر تتمتع بالإفلات من العقاب، حتى عندما سقط ضحيتها مواطن فرنسي من طينة جاك لوميكر دوبروي.

في حماية الشرطة

اغتيل دوبروي يوم 11 يونيو 1955، دون أن يعتقل قتلته. في 24 أبريل 1958 اعترف أحدهم، لوي دامياني، للقضاء الفرنسي في باريس أنه كان مشاركا في العملية رفقة ثلاثة أشخاص آخرين طوني، كونكو ولويجي. فتح القضاء الملف مجددا وأوقف المتهمون الثلاثة، ليفرج عنهم في 2 شتنبر 1959. عندما توجه جون بيير لوميكر دوبروي إلى إدمون ميشلي، وزير العدل الفرنسي، ليحتج على هذا الإفراج، أخبره الأخير أن القرار صادر عن الوزير الأول ليصدر بعدها عفو خاص لصالح القتلة.

كانت عصابة الأربعة جزءا من ميليشيا منظمة تتمركز حول فرانسوا أفيفال صاحب حانة لاجيروند بالدارالبيضاء. عندما عين الكوميسير بوتيجون مديرا جديدا لمصالح الأمن الاستعماري بالمغرب صيف سنة 1955، باشر تحقيقات حول جرائم «الوجود الفرنسي»، وخاصة اغتيال لوميكر دوبروي، ليتضح له أن فرانسوا أفيفال كان في الواقع موظفا لدى المخابرات الفرنسية، حسب ما يورده فرانسوا بروش.

لم يكن بوتيجون أول من يطلع على حقيقة أن عناصر «الوجود الفرنسي» الناشطة في الاغتيالات كانت جزء من أجهزة الأمن الفرنسية. يتذكر أحمد بنكيران، على سبيل المثال، أن أنطوان مازيلا مدير جريدة «ماروك بريس» الناطقة باسم الفرنسيين الأحرار، كان يتوصل بمعلومات متواترة عن أنشطة مجموعة أفيفال، وذلك بواسطة رجل أمن فرنسي يدعي فورستيي، كان في نفس الوقت متعاونا مع جريدة «ماروك بريس» في الصفحة الرياضية.

«كان مؤكدا أن الشرطة الفرنسية متورطة في عمليات «الوجود الفرنسي»، ولما أدركوا أن فوريستيي ينقل أخبارهم دبروا له حادثة سير توفي على إثرها»، وفق ما يتذكره بنكيران. قبل وفاته، زود فورستيي، عن طريق أنطوان مازيلا، إدارة الشرطة الإستعمارية بالدارالبيضاء والإقامة العامة بالرباط ، بالعديد من المعلومات التي كان من شأنها تفكيك ومتابعة منظمة الوجود الفرنسي، تضمنت تلك المعلومات أسماء ورتب العديد من رجال الشرطة الفرنسيين الأعضاء ضمن الميليشيا التي يوجهها فرانسوا أفيفال. بيد أن السلطات الاستعمارية ظلت صامتة عما يقع.

بعد اغتيال دوبروي، بعثت الحكومة الفرنسية روجي ويبو، مدير “مراقبة التراب الوطني الفرنسي»، إلى المغرب للتحقيق في موضوع «الإرهاب المضاد» الذي يمارسه عناصر «الوجود الفرنسي». ظهر أن ما لا يقل عن ستة رجال شرطة متورطون ضمن عمليات هذه الميليشيا، كان على رأسهم المفتش ديلرويو ، وحارس الأمن جون بوجول. ظهر أن المجموعة، التي كان يقودها بوجول، نفذت حوالي 50 عملية ما بين نونبر 1954 وماي 1955. كانوا يجوبون شوارع الدارالبيضاء فوق سياراتهم ويطلقون النار على من يصادفهم من المغاربة.

بيد أن القضاء أطلق سراح هؤلاء المتهمين، في محاكمة جرت تحت ضغط المظاهرات التي كانت تنظمها جمعية الوجود الفرنسي» تضامنا مع المتهمين، علما أن التحقيقات أظهرت تورط شخصيات سامية مثل باسكال بونيفاص، المراقب المدني في الدار البيضاء، والباشا الكلاوي، وعبد الرحمان الحجوي، حاجب السلطان محمد بن عرفة، وذلك وفق مايورده شارل أندري جوليان بهذا الخصوص.

خلف الستار

خلفت عمليات «الوجود الفرنسي» سقوط العديد من الضحايا المغاربة والفرنسيين المدافعين عن استقلال المغرب، ودشنت منهجية خاصة في الدفاع عن المصالح الاستعمارية في المغرب، يبدو أنها ظلت معتمدة حتى بعد الاستقلال. ذلك أن هذا العنف لم يكن سوى امتداد لمصالح اقتصادية كبيرة. رسم فرانسوا بروش، في مؤلفه «Assassinat de Le Maigre Dubreuil» خطاطة معبرة عن ارتباط العنف الذي مارسته ميليشيا «الوجود الفرنسي» بتلك المصالح المادية.

بالنسبة إليه لم يكن «الوجود الفرنسي» سوى أداة تخدم مصالح اقتصادية أهم بكثير من مصالح أعضائها وزبنائها من الموظفين والتجار المعمرين. يقع إميل روش، رئيس المجلس الاقتصادي في 1954، في قلب شبكة المصالح هاته. اشتهر روش بنشاطه في المضاربات العقارية بالمغرب، وكانت له مساهمات في مجموعة من الشركات الفرنسية العاملة بالمملكة، وروابط وثيقة بالإدارة الاستعمارية عن طريق باسكال بونيفاص، والباشا الكلاوي. كان روش يمثل وجهة نظر المعمرين المتطرفين في باريس ويدافع عنها.

كذلك كان شأن وزراء وبرلمانيين آخرين من مختلف الأحزاب الفرنسية، يملك معظمهم أسهما، أو مسؤوليات إدارية، في شركات الأشغال العمومية والصناعة والتجارة النشيطة بالمغرب. في مستوى أعلى، يوجد كبار رجال الأعمال، ملاك تلك الشركات، وخاصة الثلاثي، بلوشتاين بلانكيت، مارسيل داسو، ومارسيل بوساك.

«كان هذا الثلاثي يولي اهتماما كبيرا للمغرب، خاصة بوساك، الذي كان يملك جريدة L’Ourore المدافعة عن مصالح هذا اللوبي» كما يوضح فرانسوا بروش.

لم يكن بوساك الوحيد الذي يمول الإعلام الدعائي للوجود الاستعماري في المغرب، عائلة بيير ماس، أحد أغنى المعمرين الفرنسيين، كانت تمول المجموعة الصحافية «ماس» التي تصدر عنها العديد من الجرائد. كذلك الشأن بالنسبة لكوستاف أكوتوريي، أحد أكبر ملاك الأراضي الفلاحية من بين المعمرين، والمشارك في إدارة المكتب الشريف للفوسفاط وغيره من المقاولات والأبناك، والذي كان يمول جرائد تروج دعاية «الوجود الفرنسي»، ثم أخيرا يوجد تأثير قادة الجيش الذين كان فقدان المستعمرات، بالنسبة إليهم، أمرا غير وارد إطلاقا. «المبرر السياسي لهؤلاء كان واضحا. فرنسا يجب أن تبقى في المغرب.

هكذا بكل بساطة. على رأس هذا الصف يوجد الماريشال جوان، الماريشال الوحيد في فرنسا آنئذ». كما يضيف نفس المصدر، معلوم أن جوان شغل منصب المقيم العام بالمغرب ما بين 1947 و 1951، ثم شغل بعد ذلك منصب المفتش العام للجيش الفرنسي، وقائد قطاع وسط أوربا لتحالف الناتو. إلى جانب جوان، برز جنرالات أخرون متشددون كانت لهم مواقع في المغرب وتأثير على القرارات السياسية في باريس.

آخر رمق

ينبه فرانسوا بروش إلى أن الروابط بين مختلف هذه الفئات ومنظمة «الوجود الفرنسي» لم تكن صريحة ومباشرة، بقدر ما كان الأمر عبارة عن التقاء موضوعي للمصالح، وتوفير تغطية إعلامية سياسية وأمنية لنشاط الوجود الفرنسي في المغرب. عندما تأكد للفرنسيين أن لا مناص من التفاوض مع محمد الخامس والحركة الوطنية، والبحث عن حماية المصالح الفرنسية في ظل هذا الإطار الجديد، استمر نشطاء «الوجود الفرنسي» في محاولات يائسة لإجهاض هذا المسار.

أثناء المفاوضات الشاقة التي سبقت عودة محمد الخامس، أصدرت منظمة «الوجود الفرنسي» بيانا، في 30 شتنبر 1955 تعلن فيه أنها لن تقبل أي حل لا يوافق عليه السلطان بن عرفة مطالبة بأن يعين الأخير وريثا للعرش قبل رحيله، كما يوضح ذلك شارل أندري جوليان.

لما ظهر أن القرار الفرنسي استقر على عودة محمد الخامس نهائيا، طالبت المنظمة بالاعتراف الرسمي بـ «وجود طائفة فرنسية، تقيم في المغرب بشكل مستمر وتظل خاضعة للسيادة الفرنسية»، مع ما يقتضيه ذلك من تمكينها من «وضع خاص امتيازي»، وتمثيلية في المؤسسات الإدارية والمجالس المسيرة للمدن والجهات التي تضم أكبر النسب من القاطنين الأوربيين. بعبارة أخرى، خلق دولة للمعمرين، داخل الدولة المغربية المستقلة، كما يعلق شارل أندري جوليان مستغربا.

خاب أمل «الوجود الفرنسي» في هذه الصيغة أيضا، فلم تبق سوى الدعوة للثورة ضد محمد الخامس العائد توا للعرش. ففي شتنبر 1956 دعا منشور صادر عن هذه المنظمة، ما سماه «المغرب البربري» إلى الثورة على السلطان «العربي»، والحكومة «العربية»، فكانت هذه المحاولة اليائسة سببا في طرد 64 فرنسيا أعضاء المنظمة من المغرب، وسط احتجاج السفير الفرنسي بالرباط لما اعتبره غيابا للأدلة التي تبرر طردهم.

من رينوشي إلى جو أطيا

قامت تجربة الميليشيا التي أسستها منظمة الوجود الفرنسي على الاستعانة بخدمات رجال عصابات من ذوي السوابق العدلية في تنفيذ الاغتيالات مع توفير الحماية القضائية لهم. من بين هؤلاء اشتهر في جو رينوشي. حظي الأخير بحماية السلطات الاستعمارية بل كان بعض موظفيها يرتبط به مباشرة، كما تؤكد ذلك وثائق يوردها شارل أندري جوليان.

إلى جانب رينوشي اشتهر أيضا جو أطيا، «رجل العصابات الذي أصبح متخصصا في نيل أحكام البراءة من طرف القضاء الفرنسي»، كما كانت تصفه الصحافة آنذاك. برز اسم أطيا في محاولة اغتيال علال الفاسي في طنجة سنة 1956، دبرتها المخابرات الفرنسية، كما ظهر لاحقا. من عصابة جو أطيا هاته سيخرج بوشيس وشركاؤه الثلاثة المتورطون في اختطاف المهدي بنبركة سنة 1965، تحت إشراف المخابرات الفرنسية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق