أعلام وشخصياتبيوغرافيا

مهاتما غاندي: المناضل والأب الروحي للأمة الهندية

كان موهانداس کرمشاند غاندي Mohandas Karamchand Gandhi رجلا فریدا من نوعه. فقد كان يجمع بين الحنكة، على المستوى السياسي، وبين خصال القديسين وإخلاص المصلحين. والثورة السلمية التي تزعمها أسهمت في تخليص بلاده من سيطرة بريطانيا. وعاش حياة ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف.

كان يتغذى على الخضار والفواكه وحليب المعيز. بل إنه كان يستطيع أن يستغني حتى عن هذا القليل من الطعام، إذا فرضت ذلك ضرورة سياسية. وقطعة القماش البسيطة المحاكة باليد (الدوتي)، والتي كان يلف بها وسطه، ترمز إلى ارتباطه بطبقة الفلاحين الفقراء. وقد أصبح بالنسبة لأتباعه – جميع الهنود تقریبا – هو المهاتما (الروح السامية).

غاندي الزعيم الهندي
مهاتما غاندي مع اثنتين من مناصراته. لقد وصل إشعاعه الروحي حدا جعل أناسا من كل الأجناس، ومختبف الملل يسعون إليه ليتلقوا منه التشجيع، وليمضوا في الطريف التي رسمها..

وكان، بحق، أبا للأمة (الأب الروحي). وأصبح الزعيم الأكثر شعبية، وقد تمكن من تحقيق أهدافه بفضل استقامته وطاقته العارمة وعاطفته الدينية، ودعوته إلى احترام الحقوق، إضافة إلى ميزاته الأخرى.

من هو مهاتما غاندي

ولد غاندي يوم 2 أكتوبر 1869، في مدينة بوربندر، الواقعة على ساحل بحر عمان. وكان الأصغر من بين الأطفال الأربعة للوزير الأول لإمارة بوربندر. وكانت شبه الجزيرة الهندية منقسمة إذاك، إلى «هند بريطانية»، خاضعة مباشرة لسلطة الإنجليز، وإلى «دول قائمة بذاتها»، يحكم كل منها أمیر (انتقلت إليه السلطة بالوراثة)، «يساعده» مستشار بريطاني.

وحين أصبح غاندي طالبا، أبدى تفوقا كبيرا في المواد التي كان يميل إليها، مثل الرياضيات ولكن مستواه كان ضعيفا، فيما يتعلق بمواد كان يكرهها (مثل الإنجليزية). ولهذا الضرب من الكراهية مغزاه.

بعد حصوله على دبلوم الدراسات الثانوية، التحق مهاتما غاندي بمعهد ساملداس، وقضى فيه ستة شهور فقط، إذ وجد صعوبات في التحصيل. وقد اقترح عليه أحد أصدقائه إنهاء دراسته بإنجلترا، فصادف ذلك الاقتراح هوى في نفسه. هكذا قرر أن يباشر دراسة القانون في ذلك البلد، حتى يتسنى له أن يشغل، فيما بعد، نفس منصب والده. لكن الإقامة في لندن تتطلب مالا كثيرا، ثم إن عائلته لم تعد ميسورة الحال، فوالده كان قد توفي قبل سنتين.

وإضافة إلى هذا، فإن أمه كانت تتخوف من إمكانية تأثره بالشبان الإنجليز، «الماجنين، أكلي اللحوم ..» لكن غاندي ألح في الطلب، فتم بيع بعض الأملاك، إضافة إلى حلي أمه، واجتمع له قدر من المال مكنه من السفر.

محام شاب، أنيق

لم يكن التمرن على المحاماة، في إينر تامبل، يتطلب قدرا كبيرا من المال، كما توقع غاندي، الذي استكمل تكوينه (فيما كان يدرس القانون أيضا). وقد قاوم – بشيء من الصعوبة – إغراء تناول اللحوم (فلكم كان يبدو نحيفا بالمقارنة مع أترابه من أكلة اللحم !). بل إنه أصبح عضوا نشيطا في «جمعية النباتيين بلندن».

وفي 11 يونيو 1891، اجتاز الامتحان النهائي بنجاح، فأدرج اسمه ورقمه في سجل المحكمة العليا، لكنه عاد فورا إلى الهند. وفي بومباي، لم يبد، خلال مرافعاته الأولى، أنه محام لامع حقا، فكثيرا ما كان يرتج عليه.. وعلى غير انتظار، اقترح عليه تاجر هندي منصب مستشار قانوني في جنوب افريقيا، فركب البحر من جديد، متوجها نحو دوربان، هذه المرة. وسرعان ما أصبح يجسد شخصية المحامي الميسور، في نموذجها السائد خلال عهد الملك إدوار، بقبعته الفاخرة، وياقته الصلبة، والريدنغوت… والمنزل الفاره بضواحي دوربان، والمكتب الكبير حيث يشتغل عدة كتاب.

مهاتما غاندي والنزوع الروحاني

باشر غاندي العمل السياسي، وهو في جنوب أفريقيا، وأحواله المادية ممتازة تماما. وهنالك تحدد في ذهنه مبدأ «ساتياغارا»، أي الكفاح مع نبذ العنف (اللاعنف). كان «البيض» قد سنوا قوانین (بطاقات التسجيل، ضرائب، وإكراهات أخرى) بهدف مراقبة الجالية الهندية، وإرغام أعضائها على العودة إلى بلادهم. أصبح غاندي، إذن، زعيم الدعوة إلى المواجهة، التي تمت، بادئ ذي بدء، في المحاكم، ثم من خلال تجمعات، فلقاءات، بلندن، مع موظفين سامين. وحوالي سنة 1914، كان كفاح غاندي قد أتى أكله، إذ أصبح لهذا الأخير ملايين الأتباع من بين الهنود.

لیس قدیسا تماما

إن فترات العزلة الجديدة، التي قضاها مهاتما غاندي في لندن وفي جنوب أفريقيا، ودثاره ذا الإيحاء الديني، وإرادة العفة (براماشريا) التي عبر عنها سنة 1906، عوامل قد تجعلنا نعتقد أنه كان من الزهاد. والحال أنه لم يكن قدیسا تماما، بل كان ميالا إلى الملذات الحسية وسلطويا أيضا. كان يطالب زوجته بالخضوع التام، كما كان مسيطرا على أبنائه… بل إنه رفض تعليمهم، على اعتبار أن التعليم سيفسد أرواحهم البريئة. ولم يكن لهذا الموقف من أثر سيئ على غاندي، فقد كسب أنصارا من جميع الأجناس والملل والفئات الاجتماعية. وكثيرا ماكان أتباعه يضحون بوظائفهم أو يتخلون عن أملاكهم ليتبعوا النهج الذي سنه لهم.

غاندي والعودة إلى الوطن

حين عاد غاندي إلى الهند، سنة 1914، بدا وكأنه غريب في وطنه. ولم يشعر أنه حقا في بلاده، إلا حينما باشر عملية الدفاع عن زارعي أشجار النيلة في ولاية بيهار. وفيما يتعلق مظالم من هذا النوع، كان تدخل غاندي (مع التهديد بـ «الإضراب عن الطعام»، والتمسك بالحقيقة والكفاح من أجلها بشكل مسالم) كافيا لفرض بعض التنازلات.

خلال تلك الفترة، كان غاندي من الرعایا المخلصين للتاج البريطاني، وقد حصل، سنة 1915، على وسام «قیصر إي هند» الذهبي، مكافأة له على أعماله ذات الطابع الانساني.

غاندي.. العصيان المدني

ثم حدث تحول في موقف مهاتما غاندي، سنة 1918. فقد جاءت مراسيم «راولات»، التي أضيفت إلى التشريع المتعلق بالهند، لتمنح موظفي الحكومة سلطة الإقدام على اعتقالات تعسفية وعلى حبس الأفراد، بذريعة مكافحة “الإرهاب”.

وقد رأی غاندي في تلك المراسيم مسا بحرية الهنود.. وقد دعا غاندي إلى المقاومة غير العنيفة، وكان لدعوته هاته نتائج رهيبة. ففي أمريستار، بولاية البنجاب، أمر ضابط بريطاني جنوده بإطلاق الرصاص على حشد متجمهر وغیر مسلح، وقتل أربعمائة شخص، وجرح أكثر من ألف آخرین. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح غاندي معادیا للحكومة البريطانية.

المهاتما غاندي.. داعية اللاعنف

وخلال السنوات العشرين الموالية، صارت أحداث حياة غاندي وثيقة الارتباط بوقائع تاریخ الهند. ففي بداية العشرينيات، دعا إلى عدم التعاون مع الإنجليز. وقد قاطع أتباعه بضائع الإنجليز، ونشاطهم التجاري، وحتى المؤسسات التعليمية التي كان يسيرها بريطانيون. ومن أجل الاستغناء عن القماش المستورد، بادر الهنود إلى غزل القطن المحلي وحياكته وغاندي نفسه أعطى المثال، فقد حاك رداءه بنفسه على نول يدوي.

Mahatma-Gandhi غاندي محاط بأتباعه
المهاتما غاندي محاطا بأتباعه

وفي سنة 1922 ، ازداد حماس غاندي بفعل نجاح الإيرلنديين في تحقيق “الاستقلال”، فدعا إلى العصيان المدني، الذي يفترض أمورا لها خطورتها، کرفض أداء الضرائب. ولأن مقاومة السلمية ووجهت بالقمع العنيف، اضطر المهاتما إلى التنازل عن عدد من مطالبه. ولكن حرکته مافتئت تتطور، بل إنها أصبحت أكثر جذرية، حين انضم إليها جواهر لال نهرو.

في تلك الآونة، كان فوز حزب العمال الإنجليزي في الانتخابات (1929) قد غير بعض معطيات الكفاح الوطني الهندي : فهذا الحزب كان أكثر تعاطفا مع الهنود من حزب المحافظين.

اقرأ ايضا مارتن لوثر كينغ .. مناهض العنصرية

هكذا أقيمت العديد من الموائد المستديرة، في لندن، حول المسألة الهندية، وكان غاندي حاضرا خلال الدورتين، الثانية والثالثة من المحادثات التي انبثق عنها دستور جديد خاص بالهند، واكتسبت قوة القانون في 4 غشت 1935.

ولكن بدا أن الإصلاحات العديدة المتوخاة من هذه القوانين الجديدة، لن تجد طريقها إلى التحقق فقد تعممت الاضطرابات بين الجماعات النشيطة على المستوى السياسي، وحدثت مواجهات بين اليساريين من جهة، والمعتدلين واليمين من جهة ثانية، وبين المسلمين والهندوس، وهاجمت الأقليات بعضها بعضا. واستشرى العنف، فأهملت المقتضيات الدستورية التي كان منتظرا أن تطال مجالات الترابية، وأن يتم، طبقا لها، إصلاح زراعي وتخطيط اقتصادي جديد تقوم به الحكومات الجهوية التي أصبح المشرفون عليها من الهنود.

ومع هذا، فلا ذلك العنف ولا حتى ما قام به المهاتما كانا كافيين لتحرير البلاد.

استقلال الهند

بانتهاء الحرب العالمية الثانية، وضع حد الهيمنة بريطانيا على الهند. وفيما كان عدد من الزعماء الهنود يؤازرون إما الحلفاء أو اليابانيين، رفض غاندي مناصرة أي من الطرفين، انسجاما مع مبدأ نبذ العنف الذي تمسك به طيلة حياته.

كانت بريطانيا العظمی قد خرجت من الحرب منتصرة، ومنهكة أيضا، على المستويين العسكري والاقتصادي. هكذا بادرت إلى قطع علاقاتها مع الهند. فبعد أن حصلت هذه الأخيرة على الاستقلال سنة 1947، لم تعد بريطانيا تبالي بمصيرها. وسرعان ما انقسمت المستعمرة السابقة إلى دولتين عدوتين.

كان غاندي يتوق، منذ أيام شبابه، إلى رؤية بلاده وقد تحررت وکرس لهذا الهدف کل طاقاته، وقضى في السجن حوالي سبع سنوات… ولكن المشكلات الأليمة لم تكن قد انتهت بالنسبة إليه، فانقسام البلاد إلى وطنين – الهند والباكستان – كان عامل استشراء عنف رهيب.

غاندي العجوز الهندي الذي قتل وهو يدعو إلى التسامح

وفي 13 يناير 1948، أقدم غاندي على «الصيام»، للمرة الأخيرة، احتجاجا على المعارك بين المسلمين والهندوس، والتي أريقت فيها الدماء بغزارة. ثم أصيب المهاتما بجرح قاتل، إذ رماه أحد القتلة بثلاث رصاصات قاتلة سقط على إثرها أمام بيرلاهاوس، في دلهي الجديدة.

تمثال وجه غاندي الحزين
منحوتة تمثل وجه غاندي، الناضح بالألم. قكما لو أن داعية نبذ العنف كان يستشعر من خلال رؤيا باطنية، قرب نهايته المأساوية: ذلك أنه اغتيل في دلهي سنة 1948، على يد أحد البراهمة المتزمتين. لكنه حقق، قبل ذلك، هدفه : فالهند كانت قد حصلت على استقلالها قبل الحادثة بسنة.

لم يكتف غاندي بخوض الصراع من أجل استقلال بلاده، بل إنه حاول أيضا أن يصلح من أحوال المجتمع، وقد حارب بعض عادات الهندوس، مثل تزويج الأطفال واستعباد النساء كما ناضل ضد تقسيم المجتمع إلى فئات مغلقة. وكانت المواعظ التي ألقاها، دفاعا عن « الممنوع لَمْسُهُم »، مجدية شيئا ما بالنسبة لهذه الفئة المنبوذة.

وفي أواخر حياته، بدا المهاتما متطلعا إلى جعل الهند مجتمعا زراعيا، مثاليا، معافی من «المظاهر المرضية» للحضارة الغربية (المصانع، القطارات، الأسلحة). وقد ارتأی غاندي، القديس، الرائي، والرجل العملي، من أجل الوصول إلى هدفه هذا، أن يلجأ إلى أسلوبه الفعال في الكفاح المدني اللاعنفي.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق