اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

موسي مونتفيوري شفيع اليهود لدى المخزن المغربي

يفيد الناصري، صاحب كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، أن صهرا لآل روتشيلد يقصد (موسى مونتفيوري)، حل بالمغرب في عام 1864 لملاقاة السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمان، بهدف التوسط للمغاربة اليهود.

لم يفصح صاحب الاستقصا عن اسم هذا اليهودي، الذي وصفه بـ “قارون زمانه وكانت له وجاهة كبيرة في دولة النجليز”، بل اكتفي بالقول إنه كان كما يقول أن يهود المغرب أرادوا التشبه بیهود مصر. وبالرجوع إلى المصادر التاريخية، نجد أن من توسط ليهود مصر عند محمد علي كان هو صهر روتشيلد، موشي مونتفيوري، الذي كان اقترح على حاكم مصر أن يمنح وطنا قوميا لليهود وأغراه بالمال من جهة، ومتوعدا إياه بسطوة فيكتوريا ملكة إنجلترا من جهة أخرى.

موسى مونتفيوري “المغربي” في إيطاليا

بتتبع أخبار موشي منتيفيوري تصفه المصادر الأوربية بالمحسن، سوف نجد أنه من أصول مغربية وليس هذا فحسب، بل هو وفق ما صرح به المؤرخ المغربي محمد كنبيب من عائلة مغربية يهودية من مدينة الصويرة والتي كانت على الأرجح من تجار السلطان وانتقلت للاستقرار بمدينة ليفورنو الإيطالية، قبل أن يمتهن ابنها الصرافة، لينتقل بعدها إلى لندن ويرتبط بآل روتشيلد بالمصاهرة.

لا يعرف محمد كنبيب متى انتقلت عائلة مونتفيوري إلى ليفورنو، لكنهم استقروا هناك واتخذوا اسما إيطاليا، ذلك أن حاكم هذه المدينة بعد أن تحولت من سلطة أل مديسيس إلى بيت لورين، حاول تشجيع التجار على الاستقرار هناك وأغراهم بامتيازات خاصة. وأصبحت المدينة مفتوحة على الأشخاص والأفكار حتی أنها طبعت وباللغة الإيطالية أول أجزاء موسوعة ديدرو ودالامبير.

كانت هذه المدينة الصغيرة تجذب التجار بفضل وضعها كمنطقة حرة إضافة إلى أن قوانينها كانت في صالح الأجانب والوافدين. إذ كانت تضمن الحصانة للأجانب وتوفر لهم الإعفاءات، لكن الأهم من هذا أنها كانت تضمن حرية العقيدة، وكان قانونها يتوجه إلى الأجانب بهذه العبارات

«فلتعلموا أيها التجار من أي أمة كنتم مشارقة، يهودا، إسبانيين، برتغاليين، يونانيين، ألمانيين، إيطاليين، أتراكا، موريطانيين، أرمن، فرس، أو غير ذلك أننا نمنحكم حقوقا حقيقية».

ومن ضمن هذه الحقوق حماية كل الهاربين من العدالة، إذا لم يكن الجرم قتلا للنفس. هذا ما جعل عائلة مونتفيوري تستقر بهذه المدينة. لا نعرف إن كان هناك مغاربة من عقائد أخرى قد استقروا بها أيضا. لكن تغيير الأسماء الذي صاحب استقرار بعض التجار بهذا المرفأ يجعل من الصعب على المؤرخ تحديد الهويات. موشي إذن سليل هذه العائلات التي استقرت طويلا أو قليلا بليفورنو قبل أن تنتقل إلى إنجلترا أو هولاندا.

موسى مونتيفيوري يحصل على نصف مراده بالمغرب

بحكم أن موسى مونتيفيوري كان في ميدان البنك، فلقد راكم أموالا طائلة وأصبح يحلم بمستقبل يكون له فيه سلطة. لذا وحسب بعض المصادر، سيصبح صديقا للأمير ألبير دو ساكس الذي سوف يصبح زوجا للملكة الشابة ملكة بريطانيا فيكتويا. ومن طرف الملكة جاء إلى محمد بن عبد الرحمان، ومن طرفها كذلك ذهب إلى محمد علي يطلب منه توطين اليهود بفلسطين.

لم يفلح في طلبه الأساسي، لكنه حصل على قانون الحرية الذي يتحدث عنه الناصري. ويبدو أن الناصري لم يكن مرتاحا لمجيئ موشي إلى قصر مراكش ولذا ربطه مجيئه بما سماه هَدّةُ مراكش.

“وفي سنة ثمانين ومائتين وألف وذلك يوم السبت الرابع من شعبان منها كانت هَذّةٌ البارود بمراكش، وذلك أنه كان بجامع الفناء منها فندق في بعض بيوته نحو أربعمائة قنطار من البارود وبه أيضا شيء من فحم الريش المتخذ للبارود فوقعت فيه نار وسرت منه إلى جميع البارود فنفض وقت الغروب من اليوم المذكور والناس كثيرون حول الفندق فطار الفندق بما فيه، وكانت حيطانه عادية وطار من كان حوله من الناس قبل نحو الثلاثمائة فمنهم من لم يوجد أصلا ومنهم من وجد بعضه من يد أو رجل ونحو ذلك، وتهدمت كل دار كانت متلاشية بمراكش وانخلعت الأقفال من الأبواب وصرصرت السقوف والحيطان وكان الحدث عظيما”

الناصري

بعد هذا التفصيل، يتحدث صاحب الاستقصا بمرارة عما عبر عنه بـ “ما ظهر منهم من تطاول وطيش”، وهو يقصد المغاربة اليهود. والناصري لا يذكر موشي مونتفيوري بالاسم، رغم أنه من غير المستبعد أن يكون قد عرفه وهو الذي ذهب عند الخليفة العثماني، وكان معروفا بدفاعه عن فكرة وطن قومي لليهودي في منتصف القرن التاسع عشر، الغريب هو أن يربط مجيئه لمراكش بعدد من الكوارث، و يستشف من كلامه أن ما حدث من توقيع لظهير الحرية لليهود كان بمثابة كارثة.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق