عين على التاريخمقالات

نابليون بونابرت والمغرب.. الغزو الذي لم يتحقق!

كان المغرب عبر التاريخ ولازال، بحكم موقعه الجغرافي، نقطة اتصال وجسر عبور بين العالم الإسلامي. فهو يرتبط بالبلدان الإسلامية ويعتبر أخر بلد في غرب العالم الإسلامي. كما له جذور وارتباطات تاريخية وتواصل ثقافي مع إيفريقيا جنوب الصحراء. بالإضافة إلى أنه يجاور القارة الأوربية شمالا وتجمعه مع دولها علاقات تجارية وديبلوماسية تتأرجح أهميتها وقوتها حسب الظروف الدولية والإقليمية والداخلية للبلدان الأوربية والمغرب. كل هذه العوامل جعلت المغرب محط الأطماع الاستعمارية للدول الأوربية. وبالخصوص فرنسا، فرالروايات التاريخية تحدثت عن نية نابليون بونابرت في احتلال المغرب !

فإلى أي حد تصح هذه الرواية؟

المغرب يغري نابليون بونابارت

في هذا المجال، تبرز إحدى هذه المشاريع الاستعمارية الفرنسية تجاه المغرب التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية وكان نابليون بونابرت، «امبراطور فرنسا»، هو المحرك الأساسي ومهندس هذه السياسة. وفعلا، جلبت الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وبالأخص المغرب، أنظار «السياسة المتوسطية» لنابليون بونابرت.

فمن خلالها كان نابليون يرمي إلى جعل البحر الأبيض المتوسط، بمنطقتيه الشرقية والغربية، «بحيرة فرنسية» ومركزا للتجارة الفرنسية منذ فشله وخروجه من مصر وتقلده مناصب الحكم في فرنسا، حيث وضح ذلك في إحدى تصريحاته قائلا :

“إن هدفي الأساسي والدائم هو أن أصبح سيد البحر الأبيض المتوسط بدون منازع”

الحرب البحرية لسفن العسكرية الفرنسية في البحر المتوسط ضد انجلترا
أسطول القوات البحرية الفرنسية في البحر الأبيض المتوسط

وفي رسالته إلى وزير البحرية الفرنسي الأميرال دوكريس يؤكد قائلا :

“إن سيطرتنا على بلد من شمال إفريقيا ستشكل ضربة صارمة لإنجلترا”

بعد الاحتلال النابليوني لشبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1808، أصبح المغرب يجاور فرنسا من الضفة الجنوبية لبوغاز، مما دفع بونابرت إلى استعمال عدة أوراق للضغط عليه بل وتهديده وبالتالي التفكير في احتلاله. فمن الناحية القانونية أهلته هذه الوضعية احتلال الثغور المغربية التابعة للاستعمار الإسباني. وبذلك فإن احتلال إسبانيا خول لنابليون بونابرت الاهتمام المباشر بالمغرب واتخاذ سياسة محددة تجاه هذا البلد.

فمنذ بداية شهر ماي لسنة 1808 أصبحت جل مراسلات بونابرت تهتم بالمغرب. فقد أمر إمبراطور فرنسا بإعداد مذكرة حول الثغور المغربية التي تستعمرها إسبانيا كما طلب معلومات دقيقة حول مدينة طنجة وكيفية ولوج فرقة عسكرية خليج هذه المدينة.

حروب نابليون بونابرت في أوربا والبحر المتوسط
حروب نابليون بونابرت التوسعية في أوربا

كان طبيعيا أن يترك هذا الاحتلال الفرنسي لإسبانيا أثره في أوساط المخزن المغربي والعلماء والرأي العام المغربي. وانتشرت في المغرب إشاعات حول احتمال غزو الجيش الفرنسي للمغرب. وفي هذا الصدد سجل المؤرخ الذي عايش الأحداث، وهو الضعيف الرباطي مايلي :

« وفي هذه السنة 1222هـ، قوي سلطان الفرنسيس وهو نابليون بنابرطي وقهر أجناس النصارى وغلبهم ولا بقي مخالفا عليه إلا اللنقليز، وأراد الخروج للمغرب وأتى بأجناس النصارى للبوغاز وإلى طريفا والخزيرات وصنع قنطرة من اللوح ليقطع عليها… وفي أوائل محرم (فبراير مارس 1808م) شاع وذاع بأن النصارى دمرهم االله خارجين للمغرب، وأخذ الناس في الاستعداد للجهاد من جميع جهات المغرب كأهل فاس وتطاون والرباط وسلا وغير ذلك، وفي يوم الثلاثاء 13 صفر من العام المذكور، ورد كتاب السلطان من مراكش يحذر أهل سلا وأهل الرباط من بني الأصفر ووافق يوم الخميس من مارس. وبعث لكل مرسي من مراسي المغرب مثل الصويرة وأكادير وزمور وسلا والرباط والمهدية والعرائش وطنجة وتطاون، وأمر كل قبيلة مجاورة لكل مرسي تأتي بخيلها ورجالها وأمر العمال أن يميزوا على ساحل البحر».

أمام تأزم الدبلوماسية الفرنسية في المغرب ونقصان تأثيراتها في الساحة المخزنية من جهة، ومن جهة أخرى عدم استجابة السلطة المركزية المغربية لمطالب فرنسا، قرر نابليون بونابرت إخراج مشاريعه تجاه المغرب إلى ميدان التنفيذ. وقبل المضي في ذلك، حاول الاعتماد على مساعي تهيء له الأرضية وتساعده على الوصول إلى الأهداف التي رسمها. فما هي هذه المساعي والأدوات التي استعملها في هذا الغرض؟

إسباني يعرض خدماته على نابليون

عندما وجه نابليون بونابرت عنايته لاحتلال المغرب واتضحت أطماعه التوسعية وأصبحت تشكل تهديدا واقعيا، كان يتواجد بفرنسا في هذه الفترة رحالة إسباني الأصل يدعى دومينجو باديا، سبق له أن زار المغرب في مطلع القرن التاسع عشر متسترا تحت اسم علي باي العباسي، وتمكن من جمع معلومات وفيرة حول البلد والسكان. وعندما سمع عن مشاريع نابليون تجاه المغرب طلب مقابلة إمبراطور فرنسا ليقدم له مشروعا حول كيفية احتلال المغرب.

عند مقابلته لنابليون عهد هذا الأخير لحاجب القصر بوصي والذي يتكلم بطلاقة اللغة الإسبانية، أن يتحادث مع دومينجو باديا حول رحلته إلى المغرب ويطلع على المخطوطات والأوراق التي يملكها هذا الرحالة ويعد له تقريرا عن ذلك.

بعد بضعة أيام من انتهاء هذه المقابلة، كتب باديا مذكرة إلى بونابرت يلخص فيها أهم مخططاته ومشاريعه في المغرب:

“ينبغي على أن أوضح لجلالة الإمبراطور أنني كنت أبحث عن مختلف الوسائل والأساليب لوضع دستور في المغرب. وكان سينتج عن هذه العملية فتح الموانئ المغربية المغلقة أمام التجارة الخارجية بسبب التعصب الذي يتميز به المولى سليمان، وكذلك منح حرية التجارة والضمانة القصوى للأجانب في هذا البلد… اتفق كل علماء فاس بأن المولى سليمان ارتكب إثما عندما رفض تطبيق الدستور وأن علي بار على حق. فكتب السلطان إلى رسالة بخط يده يأمرني بالسكوت أو الرحيل”

ويسترسل باديا في مذكرته بأسلوب المبالغة والتمويه، ويختتمها بتوضيحه لبونابرت الطريقة السهلة، في نظره، لاحتلال المغرب :

« إذا كان لجلالة الإمبراطور الغرض في شن حملة عسكرية على المغرب، فمما لاشك فيه أنه إذا وضع هذه الحملة تحت إسمي فسوف لن تجد أية مقاومة، وبذلك سنوفر دماء أبطالنا. وإذا كنا فقط نريد إرهاب السلطان فإننا سنحصل على النتيجة الإيجابية لهذه العملية بالكتابة أنا شخصيا لأخيه المولى عبد السلام وإلى كل أصدقائي في هذا البلد، وأعلن لهم أنني إلى جانب جلالة الإمبراطور حيث نعتزم القيام بزيارتهم. فهناك الكثير من العمليات في هذا المضمار التي يمكن التفكير فيها وكيفية الحصول على نتائج إيجابية عند تطبيقها. وإذا ارتأى جلالة الإمبراطور ذلك فيمكن تخصيص حصة للتداول ومناقشة هذا الموضوع ».

لم يظهر نابليون بونابرت أي اهتمام بمشاريع الرحالة دومينجو باديا، فقد اعتبر أن هذه الشخصية قد انطفأ صيتها بالمغرب ولم يعد لها أي وزن، علاوة على ذلك لم يرغب في أن يعهد بمهمة سرية إلى إسباني كان سابقا قد أثار الاهتمام والفضول، بالإضافة إلى أنه كان لا يثق في «أحلام» الرحالين والأدباء والمكتشفين ويفضل سياسة واضحة وواقعية يقوم بتنفيذها رجل ذو خبرة في هذا الميدان، ويتضح هذا من خلال الرسالة التي وجهها بونابرت إلى أحد مسؤوليه قائلا :

«لا أريد أن يقوم بهذه المهمة شخص ذو أحلام خيالية، ولا أديب يهوى الحكايات، من أريده هو مهندس ماهر ذو تفكير دقيق ومضبوط، والذي يعرف كيف يلاحظ ويستمع ويسجل. كما ينبغي أن يكون جنديا قادرا على تقييم الأوضاع العسكرية في إيجابياتها وسلبياتها، ويعرف ما تحتاجه الحملة العسكرية في ميدان المعركة».

وفي 16 ماي من سنة 1808 وجه بونابرت رسالة إلى المارشال ميرا قائد الجيوش الفرنسية في إسبانيا مخاطبا إياه بقوله :

«أكلفكم بتعيين ضابط مهندس ذكي، الذي سيذهب إلى سبتة ومنها إلى طنجة ليلتقي بقنصلنا هناك ويذهبا سويا إلى فاس حيث سيسلم رسالتنا مباشرة إلى يد سلطان المغرب. أريده أن يتفاهم جيدا مع قنصلنا حول كيفية اتخاذ الإجراءات الضرورية والصالحة لمحو التأثير الإنجليزي في المغرب. كما أريد منه أن يسجل ملاحظاته حول الطرق والمدن، ويعد لنا تقريرا حول وضعية الحصون الدفاعية وطبيعة الميدان والقوة العسكرية في هذا البلد وباختصار كل ما يهمنا في الميدان العسكري».

ومن خلال هذه الرسالة الواضحة، يتبين أن مهمة هذا الضابط الفرنسي انحصرت في هدفين : الأول يشمل القيام بمهمة دبلوماسية وسياسية لدى السلطان المولى سليمان، والهدف الثاني يتمثل في دراسة أوضاع المغرب والاطلاع على التحصينات والتضاريس والسكان من أجل تهيئة مخطط الاحتلال المغرب.

مرسول نابليون إلى سلطان المغرب

أراد نابليون بونابرت تنفيذ مخططه بسرعة. فبعد ستة أيام من رسالته السابقة، كان المارشال ميرا قد عين ضابطا لتنفيذ هذه المهمة يدعي أنطوان بوريل. وتم اختيار هذا الضابط وفق معايير محددة تجلت في التجربة العسكرية التي اكتسبها وبالأخص خبراته ومعرفته بالمسلمين وبالبلاد الإسلامية، حيث شارك مع جيش نابليون بونابرت في الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 وفي جميع المعارك التي خاضها الجيش الفرنسي في هذا البلد وفي منطقة الشام.

غادر الضابط الفرنسي العاصمة الإسبانية وتوجه مباشرة إلى مدينة طنجة التي وصل إليها في 26 ماي من سنة 1808، ووجد في استقباله القنصل الفرنسي أورنانو. قام هذا الأخير بتقديمه لحاكم المدينة الوزير محمد السلاوي وأخبره بتواجد السلطان بمنطقة الريف لتهدئة الأوضاع.

وفي 5 غشت من نفس السنة غادر أورنانو والضابط بوريل طنجة ليصلا في اليوم التالي إلى فاس. وبعد يومين خصص لهما السلطان المولى سليمان استقبالا رسميا، فتناول القنصل الفرنسي في البداية الكلمة ووجه للسلطان خطابا كان محتواه بروتوكوليا، ولم يعبر عن النوايا والمقاصد الحقيقية لنابليون بونابرت تجاه المغرب. وبعد ذلك تناول الضابط بوريل الكلمة بنفس الأسلوب ونفس التعبير، وقدم رسالة بونابرت إلى السلطان لتنتهي بعد ذلك هذه المقابلة الرسمية.

في 21 غشت استقبل أخ السلطان الأمير عبد السلام المبعوثين الفرنسيين، وفي هذه المقابلة صرح القنصل الفرنسي أن الإمبراطور نابليون بونابرت يؤسفه أن يرى المغرب وقد أصبح منطقة نفوذ لإنجلترا وأن المولى سليمان يقدم كثيرا من التنازلات لأعداء فرنسا مما يسهل أمامهم الطريق لإلحاق الأضرار بفرنسا، كما أكد أورنانو أن سماح السلطان لإنجلترا باحتلال جزيرة بيريخيل (تورة) يعتبر عدوانا سافرا لم تحترم بموجبه سياسة الحياد التي ينهجها المولى سليمان.

وردا على هذا الخطاب أكد الأمير عبد السلام أن أخاه السلطان مستعد لتقديم نفس الامتيازات لإمبراطور فرنسا ولكن لا يمكن له أن يغلق موانئه في وجه السفن الإنجليزية إلا عند وقوع الحرب وهذا ما لا يريده السلطان أبدا. وعند تناوله الكلمة أيد الضابط بوريل خطاب القنصل أورنانو، وركز على سياسة إنجلترا محاولا إبراز الجانب السلبي لها واختتم كلامه قائلا :

«.. والإنجليز دائما يظهرون صداقة مخادعة التي لا تسفر عن نتائج إيجابية»

وكان رد الأمير عبد السلام يتلخص في كون المخزن المغربي يعتبر الأحداث الأوربية أجنبية عنه، غير أنه مستعد لإعلان الحرب على من يريدها ويبحث عنها.

وفي اليوم التالي من هذه المقابلة أي يوم 22 غشت من سنة 1808 تلقي القنصل أورنانو والضابط بوريل الأمر بمغادرة فاس وانتهاء مهمتهما في الساحة المخزنية. وعند رجوعه إلى مدينة طنجة لم يستطع الضابط الالتحاق بفرنسا عبر إسبانيا نظرا للحصار الشديد الذي فرضه الأسطول الإنجليزي على بوغاز. ولم يتمكن من السفر إلا يوم 27 فبراير من سنة 1810 ، ويعني هذا أنه مكث في طنجة ما يناهز سبعة عشر شهرا، تمكن خلال هذه المدة من جمع معلومات وفيرة على المغرب تهم الجانب العسكري والجغرافي والاجتماعي ليحقق الهدف الثاني من وراء مهمته.

من خلال استعراض المهمة التي قام بها المبعوث العسكري لنابليون بونابرت إلى السلطان المولى سليمان، يتبين أن الهدف الدبلوماسي السياسي لهذه البعثة باء بالفشل ولم يحقق بونابرت من وراءه نتائج إيجابية، ومن جانبه رأي المخزن أن هذه البعثة بشكلها ومضمونها لم تحترم الأعراف الدبلوماسية ولا التقاليد المغربية المألوفة عبر المسار التاريخي للعلاقات المغربية الأوربية.

هذا ما نلمسه في «الرسالة التهديدية» التي بعثها بونابرت مع الضابط بوريل إلى المولى سليمان. فبعد الموقف المغربي المنحاز لإنجلترا، لجأ بونابرت إلى أسلوب التهديد. ففي هذه الرسالة أكد للسلطان المغربي أن القوات الفرنسية بدخولها لإسبانيا أصبحت تجاور المغرب، وأن العاهل الجديد لإسبانيا، أخوه جوزيف، يريد تمتين العلاقات مع المملكة الشريفة، كما يطلعه بأنه على علم تام بما توفره السلطات المغربية لإنجلترا من امتيازات مهمة في المواني المغربية، كما أن هذه الامتيازات استفحلت مع الاحتلال الإنجليزي لجزيرة بيريخيل.

وبعد هذا التوضيح الجريء وضع بونابرت السلطان أمام خيارين : إما أن يحافظ على استمرارية العلاقات الحسنة مع فرنسا، أو أن يصبح عدوا لها. فإذا أراد الاختيار الأول : فإننا ويقول بونابرت موجها كلامه للسلطان

“نحثك على الإيقاف الفوري للامتيازات الممنوحة لإنجلترا، وأن لا تسمح لها بالإقامة في تلك الجزيرة، وأن تضع حدا للتموينات الخاصة به. وإذا لم تستجب لمقترحاتنا هذه سنعتبرك في صفوف أعدائنا”

ويسترسل بونابرت مبرزا قوة جيوشه التي تسيطر على أوربا من بحر البلطيق إلى بوغاز ومهددا السلطان سليمان بقوله :

«وبهذه القوات العسكرية نستطيع دحر أي هجوم أو الانتقام من الذين يلحقوا الأضرار بنا، سواء بطريق مباشر أو عبر حياد خادع»

حلم لم يتحقق

كان طبيعيا أن تغضب السلطان سليمان هذه الرسالة التي خالفت الأعراف الديبلوماسية الدولية وتؤثر على موقفه تجاه فرنسا. هذا ما لاحظه القنصل الفرنسي أورنانو وعبر عنه في رسالته إلى وزير الخارجية الفرنسي قائلا له :

إن مضمون رسالة جلالة الإمبراطور أغضب السلطان”

كما عبر الوزير محمد السلاوي عن امتعاضه في رسالة بعثها إلى اللورد كولينكوود، أحد الضباط الإنجليز في معركة الطرف الأغر (21 أكتوبر 1805). واصفاً نابليون بونابرت بقوله :

«إنه المجرم الكبير الذي مافتئ يهين ويشتم عباد الله الأتقياء» 

رغم أن المهمة الدبلوماسية لم تكلل بالنجاح، فإن الضابط بوريل استطاع أن يحقق أهداف مهمته العسكرية الاستخباراتية التي كلفه بها بونابرت في المغرب. ففي مذكرته كشف عن هذه التعليمات بقوله :

“أمرني جلالة الإمبراطور أن أبذل جهدي للقيام باستطلاع دقيق حول الطريق الرابط بين طنجة وفاس وأن أسجل كل الملاحظات حول وضعية الجيش المغربي وطريقته في القتال”

سجل هذه الملاحظات في المذكرة التي قدمها لبونابرت في 3 يونيو 1810 وسماها : «مذكرة عسكرية حول إمبراطورية المغرب». تضم هذه المذكرة أربعة أقسام :

  1. حول «مساحة الإمبراطورية المغربية ونظامها العسكري»، سجل فيه بتفصيل تركيبة الجيش المغربي، ويتطرق إلى الكيفية التي يتم بها اختيار وضم الجنود وإلى الراتب المالي واللباس وكيفية تزويد الجيش بالخيول والعتاد العسكري والخدمة الصحية وكيفية تعليمه فنون الحرب وكذلك حول التحصينات الدفاعية. وبصفة عامة يمكن القول إنه مصدر مهم وشامل لأنه يمدنا بمعلومات حول الجيش المغربي في بداية القرن التاسع عشر.
  2. القسم الثاني هو عبارة عن استطلاع عسكري ذهابا وإيابا من طنجة إلى فاس ومن طنجة إلى العرائش.
  3. القسم الثالث فيتطرق فيه إلى الأسطول البحري والسكان والتجارة المغربية.
  4. القسم الأخير مخصص للمناخ والطقس في المغرب والمنتوجات الفلاحية المغربية.

أما التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح ويفرض طرحه هنا هو هل استفاد بونابرت من المهمة العسكرية لمبعوثه الخاص، وهل استخدمها لتنفيذ مشاريعه التوسعية في المغرب ؟

استقبل بونابرت الضابط بوريل بعد عودته في يوم 21 مارس 1810، أي ما يناهز سنتين على إرساله إلى المغرب. وخلال هذه المدة أضحت الظروف العسكرية في البحر الأبيض المتوسط، وبالأخص في شبه الجزيرة الإيبيرية لغير صالح فرنسا في صراعها مع إنجلترا. فرغم الحصار القاري الذي فرضه نابليون بونابرت لضرب القوة الاقتصادية الإنجليزية فإن حصيلته لم تكن إيجابية.

وظل المغرب يشكل مصدرا تموينيا مهما للمستعمرة الإنجليزية وللأسطول الإنجليزي المرابط في البحر الأبيض المتوسط. واعتبارا لهذه المصالح والمنافع التجارية التي تجلبها إنجلترا من المغرب ظلت تقاوم القوة العسكرية الفرنسية وتقف بالمرصاد لطموحات ومشاريع نابليون بونابرت حتى لا تترك له مجالا لمد نفوذه العسكري في المغرب.

فهم بونابرت وأدرك أن الاستراتيجية العسكرية تحتم عليه محاربة الإنجليز والقضاء على قوتهم البحرية إذا أراد أن يسيطر على المغرب، وهذا الذي لم يكن في استطاعته بعد كثرة الهزائم التي مني بها عند كل مواجهة بحرية مع الأسطول الإنجليزي وبذلك يمكن اعتبار هذا السبب هو العامل الأساسي الذي دفع نابليون بونابرت في هذه الفترة إلى عدم التمكن من تنفيذ أطماعه ومشاريعه الاستعمارية في المغرب.

بواسطة
عبد الحفيظ حمان: زمان
المصدر
عبد الحفيظ حمان: المغرب والثورة الفرنسيةمحمد الضعيف الرباطي: تاريخ الدولة السعيدةJ.Caillé : Napoléon et le MarocLa mission de capitaine Burel au Maroc
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق