التاريخ الاوربي

نبذة عن المستشفى.. تعرف على تاريخ الرعاية الاجتماعية

اشتقت كلمة Hôpital (مستشفى) من اللفظة اللاتينية hospitium التي تعني “دار استقبال الضيوف”. بيد أن المستشفيات في أيامنا هذه لم تعد هي ملاجئ أو “فنادق”، الأزمنة السابقة، بل مراكز علاجية متطورة تتوفر على البنية المطلوبة لعلاج الجرحى والمرضى، ويوجد بمصالحها المختصة طاقم طبي ذو كفاءة عالية يستخدم أحدث التقنيات، وينكب على إنقاذ آلاف المرضى، لكن الصورة لم تكن على هذه الشاكلة من قبل.

المستشفيات قديما

في القرن السادس، وفي غمرة الحماس المسيحي للعمل الخيري، تم بناء أولی المستشفيات ببعض المدن، لإيواء المتشردين والمرضى. وقد أنشئ سنة 830م أحد أقدم وأشهر مستشفيات العالم، وهو L’Hotel-Dieu بباريس. ويقع وسط هذه المدينة، بـ “لیل دولا سیتی”،(Île de la Cité) قرب نوتردام، وكان ذا شهرة كبيرة. وكانت تشرف عليه بعض الراهبات والأغسطینیات، اللواتي كن، بذلك، أولى الممرضات.

وطيلة العصر الوسيط، ظل إحداث المأوي المفتوحة للمرضى والمعوزين مرتبطا بشكل واسع بالأفكار الدينية والاجتماعية. وهكذا كانت الكنيسة هي التي تنشئ وتدير المستشفيات في الغرب المسيحي. وكانت تخص بعلاجها في بداية الأمر رجال الدين، ثم صارت تتكفل تدريجيا بالمسافرين المرضى، إلى أن صارت تعالج لاحقا حتى غير المتدينين.

نشأة الرعاية الاجتماعية

خلال العصور الوسطى القديمة شرع المواطنون الميسورون في المدن في دعم إنشاء المآوي التي كان العامة يستفيدون فيها مجانا من العلاج الطبي والرعاية الاجتماعية. وفي القرن الرابع عشر أفلتت الإدارة الاستشفائية من يد الكنيسة، وصارت في عهدة السلطات البلدية رغم استمرار الراهبات والرهبان في تقديم خدماتهم. غير أن معظم المستشفيات في القرن السابع لم تكن تستقبل بعد سوى الفقراء، حيث كانت عتيقة ومكتظة وقذرة. كان ثلث المرضى يقضون نحبهم، وكان عدد الذين يعيشون بعد عملية جراحية قليلا جدا. لكن هذه الفترة نفسها شهدت ميلاد الفكرة الرامية إلى جعل الأطباء يستفيدون من المستشفيات في تكوينهم مثلما يستفيد منها المرضى في العلاج. ففي لیدن Leiden (بهولندا) بدأ الأطباء سنة 1626، ولأول مرة، في تعلم مهنتهم قرب المرضى.

وفي سنة 1830، بلغ عدد أسرة «أوتيل-ديو» HôtelDieu بباريس 1000 سرير. ولم يكن هذا المستشفى سوى واحد من 300 مستشفى موجودة بالعاصمة. وفي هذه الفترة وقع حدثان مشهودان مکنا المستشفيات من أداء الدور العلاجي الحديث الذي صار لها. فقد بدأ تصور جديد لعلاج المرضى العقليين بإنشاء معازل نفسية كانت أكثر إنسانية في معاملة المختلين. كما أدى اكتشاف المطهرات إلى وقاية المرضى المقيمين بالمستشفيات من الإصابات التعفنية القاتلة.

مميزات المستشفى

تقوم المستشفيات في الوقت الحاضر بعلاج المرضى في أحسن الشروط من طرف مهنيين مجازين ومتخصصين، فيهم الأطباء، والجراحون، والممرضات والصيادلة، والإحيائيون، واختصاصيو الحمية، واختصاصيو التدليك الطبي، والمساعدات الاجتماعيات، إلخ. ويشتغل في كل مصلحة عدة أطباء مداومين أو متعاونين، تحت إشراف طبيب رئيسي، ويساعدهم طلبة خارجيون وأطباء داخليون قيد التمرين.

ففي المستشفيات يتعلم الطلبة الخارجيون، الذين يدرسون الطب، مهنتهم المستقبلية. أما الأطباء الداخليون المتمرنون فهم الذين اجتازوا بنجاح مباراة الداخلية الصعبة. وهم يكملون معارفهم أو يتخصصون داخل المستشفي نفسه. وتتمثل غالبية الطاقم العامل بهذا الأخير في الممرضات المجازات اللائي يقدمن مختلف أنواع العلاج، وتساعدهن الطالبات الممرضات والمعالجات المعاونات.

المستشفيات الأوربية

وتعتبر المستشفيات الأروبية، وبدرجة أقل المستشفيات الأمريكية، مراكز للتعليم والبحث. فالأساتذة وأطباء مختلف المصالح اختصاصيون يفيدون من طرائق تشخيصية وعلاجية متطورة جدا. وغالبا ما يوجد بأروبا فرق واضح بين الأطباء العامين والأطباء الاختصاصيين.

فالأوائل يوجهون مرضاهم ذوي الحالات المستعصية إلى الآخرين الذين يعالجونهم ويخبرون الأطباء العامين بالتشخيص الذي وضعوه، والعلاج الموصوف، وتطور المرض. على عكس ذلك، يمارس غالبية الأطباء بالولايات المتحدة مهنتهم في العيادة وفي المستشفى في نفس الوقت. وتتميز أغلب مستشفيات الولايات المتحدة بكونها خصوصية، وتمول بفضل الواجبات التي يؤديها المرضي، والمبالغ المستخلصة من الضرائب، والهبات. ولا توجد مثل هذه المستشفيات التي تعتمد فقط على الهبات سوى بأمريكا.

تنظيمات استشفائية مختلفة

بينما توجد بالولايات المتحدة برامج عديدة حكومية وخاصة تسعى، بهدف غير مربح، إلى سداد النفقات الطبية، يعتبر التأمين على المرض في العديد من البلدان الأروبية جزءا لا يتجزأ من نظام الطب الاجتماعي. فالنفقات الطبية والاستشفائية مغطاة بالكامل من طرف تنظیمات تابعة للدولة، تملك مراكز العلاج أو تديرها. ويطبق هذا النظام بالسويد، وبريطانيا، وأستراليا، كما كان يطبق بالاتحاد السوفياتي السابق وتشيكوسلوفاكيا السابقة.

وتتميز مراكز العلاج في سويسرا بكونها خاصة. ويساهم السكان ماليا في أنظمة تطوعية للتأمين على المرض تغطي مجموع النفقات الطبية. بيد أن الدولة الفدرالية تقدم مساعدتها لمرضى الطبقات الاجتماعية المحرومة.

وفي فرنسا، يؤدي المشغلون والمأجورون اشتراكات لهيئة وطنية هي الضمان الاجتماعي تعوض لمنخرطيها إجمالا 80 % من نفقاتهم. ويمكن للمرضى اختيار الأطباء أو المستشفيات، سواء العمومية أو الخاصة التي أبرمت مع الدولة اتفاقية وطنية بخصوص التعرفة. وتدير وزارة الصحة بألمانيا ثلاثة أنواع من المستشفيات هي العمومية والخاصة والتطوعية. وتعود سلطة الوصاية لما يعرف بـ “لاندر” الذين يعينون أطباء كل مؤسسة، ويمولون الشطر الأعظم من نفقات التجهيز. ويعتبر الانخراط في الضمان الاجتماعي إجباريا إلى حدود سقف معين.

وقد قامت الحكومة البريطانية، سنة 1948، بتأميم كل المستشفيات العمومية والخاصة المتوفرة على الشروط المطلوبة وذلك بإصدار القانون المعروف باسم «National Health Service Act». ففي كل واحدة من الجهات الأربع عشرة، تقوم لجنة استشفائية جهوية بتسيير مجموع المستشفيات الواقعة ضمن نفوذها الترابي. وتقدم العلاجات الطبية والاستشفائية مجانا. ويؤدي كل البالغين النشطين اشتراكات إلزامية تمكن من موازنة الميزانية الوطنية للتأمين على المرض. غير أنه يوجد بهذا البلد، كما في فرنسا، عدد محدود من المؤسسات الاستشفائية الخاصة التي لا يؤمها سوى المرضى ذوي الدخل المرتفع.

وطبقت کندا، منذ سنة 1958، برنامجا شموليا، فدراليا وإقليميا في نفس الوقت، لتمويل المستشفيات. وبمقتضى هذا البرنامج التزمت كل من السلطات العمومية من جهة، والأقاليم من جهة أخرى، بتوفير نفقات استغلال المستشفيات، باستثناء تعويضات الأطباء.

الصين : اندماج الطب الحديث بالطب التقليدي

تعتمد المصالح الطبية بالصين، في آن واحد على الأطباء المكونين بالطريقة الغربية وعلى أكثر من 500,000 مطبب تقليدي. ويستعمل هؤلاء قبل العلاج العلمي أو خلاله أو بدله طرائق علاجية تعود إلى زمن الأسلاف تقوم على الوخز بالإبر والأعشاب، وكانت التجهيزات الصحية قبل قيام الجمهورية الشعبية سنة 1949 غير كافية، حيث لم تكن تتجاوز 500 مستشفى و 12,000 طبيب لما يناهز نصف مليار السكان. وخلال الخمسينيات والستينيات أخذ عدد المستشفيات والطاقم الطبي في الارتفاع بوتيرة سريعة.

اقرأ أيضا تاريخ الأوبئة بالمغرب.. عندما فتك بنا الطاعون

وفي إطار الثورة الثقافية خلال سنوات 1966-1969، حث ماوتسي تونغ على تكوين الأطباء المتجولين على الصعيد الوطني. وهم فلاحون شباب تلقوا تكوينا طبيا أوليا ومكثفا وتم تكليفهم بالتنقل عبر أرجاء الصين لكي يقدموا الإسعافات الأولية الضرورية في مراكز العلاج العمومية الموجودة في القرى. وقد قامت الدولة سنة 1968 بإصلاح المصالح الطبية الحضرية وإعادة تنظيم الخدمات الاستشفائية وتوزيع المهام بين الأطباء والممرضات. وفي سنة 1970، كانت الصين الشعبية قد كونت، في ظرف إحدى وعشرين سنة، 150.000 طبيب و 400.000 طبيب مساعد. وهكذا تغير عدد المستشفيات و وتيرة العلاج بشكل كبير بالنسبة لساكنة يبلغ تعدادها 800 مليون نسمة، وصارت الخدمات الصحية أكثر تغطية للسكان.

إن السياسات المعتمدة في مختلف البلدان لفائدة أنظمة التأمين على المرض والطب الاجتماعي تسعى إلى ضمان مزيد من المساواة العلاجية للمرضى مهما كان دخلهم.

وإجمالا، فإن الدلالة القديمة لكلمة Hôpital (مستشفى)، التي تشير إلى مكان يخصص استقبالا حسنا للمرضى ويسعفهم جسمانيا ومعنويا، قد عادت للظهور. وبذلك لم تعد حداثة هذا الملاذ الصحي مقتصرة فقط على تقنيات التشخيص وطرائق العلاج.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق