تاريخ المغرب

عندما هاجم الأمازيغ المغاربة المور على الجزائر الرومانية

كان الأوربيون أول من اهتم بالمعالم الأثرية للحضارة المغربية القديمة وذلك لأسباب استعمارية معروفة، فقاموا بجردها ودراستها وفق تصورهم ومنطلقاتهم التي أبعدتهم عن الحقيقة التاريخية، التي هي هدف كل بحث جاد مبني على الموضوعية بعيدا عن المغالطة والتحريف.

وقليلة هي الدراسات الأوربية الجادة التي لم تنح هذا المنحى، إذ أن جلها تضمنت مغالطات شوهت تاريخ المغرب وحضارته القديمة، مما يتطلب منا اليوم الرجوع إلى المصادر التاريخية والآثار التي اعتمدها أولئك الباحثون، للقيام بدراسات وفق المنهاج العلمي الرصين، مقدمين إزاءها فرضيات علمية موضوعية، من شأنها أن تساهم في فهم تاريخينا الطويل ومعرفة الدور الهام الذي قام به أجدادنا الأمازيغ المور في شمال افريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط منذ آلاف السنين.

وتشكل النقائش المسماة: “نقائش معاهدات السلام بين الباكوات والأمازيغ والرومان في موريطانيا الطنجية خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين”. نموذجا من تلك الكتابات المنقوشة القديمة بالمغرب، ويبلغ مجموع هذه النقائش المدروسة خمس عشر نقيشة، ثلاث عشرة منها عثر عليها بموقع وليلي.

ولعل أهمية هذه النقائش تكمن في كونها تبرز بوضوح طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الأمازيغ والرومان في موريطانيا الطنجية، وأن الموريين كانوا قوة يحسب لها ألف حساب في المجال السياسي والعسكري بالمنطقة عصرئد.

نقائش معاهدات السلام بين الباكوات الأمازيغ والرومان خلال القرن الثاني ميلادي

يعود الفضل في إلقاء الضوء على العلاقات السياسية بين الباكوات والرومان إلى حوالي خمس عشرة نقيشة إبيغرافية، عثر على ثلاث عشرة منها في موقع وليلي بموريطانيا الطنجية، وعلى واحدة بروما، وواحدة أخرى بيتينيس بالجزائر.

أقدم النقائش التي تحدثت عن الباكوات الأمازيغ المور كتبت على قاعدة تمثال تعود لموقع كرطينا (تينيس بالجزائر) كانت معروضة بمتحف الآثار القديمة بالجزائر العاصمة، الذي كان يحمل اسم متحف كَسيل قبل استقلال الجزائر.

وعلى الرغم من أن هذه النقيشة تتحدث عن الباكوات في ولاية موريطانيا القيصرية، إلا أن ترجمتها والتعليق عليها تساعدنا على متابعة تطور العلاقات بين الرومان والباكوات، والتي سنلاحظ من خلال هذه النقيشة أنها انطلقت عسكرية، إذ بدأت بهجومهم على كارطينا ثم تحولت إلى سياسية فيما بعد.

وهذا نص النقيشة المكتوبة على قاعدة تمثال لموقع تينيس بالجزائر:

” كايوس فولسينوس أو بطاطوس ابن ماركوس من قبيلة كويرينا، فلامين أغسطس العضو في مجلس الإثنين خلال خمس سنوات، كاهناً وعضواً في مجلس الإثنين، وعرافاً، وقاضياً بلدياً، وخزانا، الذي صان المستعمرة من هجوم الباكوات، ويشهد على ذلك قرار مجلس (العشرة) والشعب سواء منهم مواطني كارطينا أو سكانها (العاديين) وهو الأول (في المدينة الذي أقيم له) هذا التمثال وليس لأحد قبله عن طريق التبرع”.

تتحدث هذه النقيشة عن هجوم تعرضت له مدينة كارطينا على يد قبيلة الباكوات التي قطعت مناطق شاسعة قبل الوصول إلى الهدف المقصود، وهناك تساؤل يفرض نفسه وهو: كيف يمكن الربط بين مواطن الباكوات التي كانت تقع خلال القرن الثاني الميلادي في الأطلس المتوسط، وهجومهم على كارطينا بموريطانيا القيصرية؟

موطن قبائل الباكاوات المورية
موطن قبائل الباكوات الموريين

لكي تتضح الرؤيا يبدو أنه من الأفضل العودة إلى ترجمة حياة الامبراطور الروماني هادريانوس حيث يذكر صاحب تاريخ أغسطس في إشارة مقتضبة إلى أحداث وقلاقل وقعت سنة 122م وقضى عليها هادريانوس.

فهل كانت الأحداث خطيرة لدرجة أنها فرضت على الامبراطور -الذي كان موجودا بإسبانيا- الرحيل إلى شمال افريقيا ليقود بنفسه عمليات القضاء على الثوار؟ 

يبدو أن الأمر كذلك، وإن الحالة كانت جد خطيرة. ولكي يؤكد لابروس مرور هادريانوس بموريطانيا اعتمد بالخصوص على النقود التي سكت في روما والاسكندرية والتي يلاحظ عليها شعارات حربية؛ فنقود روما مكتوب عليها “حملة أغسطس” ومؤرخة بـ 122 – 123م؛ وفي نقود الإسكندرية إهداء لا يمكن أن يوافق إلا حملة موريطانيا.

هجوم الباكوات الأمازيغ المور على كارطينا الرومانية بالجزائر

فمواطن الباكوات الأمازيغ كانت في الأصل محصورة بين وسط وشمال الأطلس المتوسط والضفة الغربية لنهر ملوية، وهذا التحديد يفسر هجومهم المفاجئ على كارطينا وبالتالي عودتهم بسرعة إلى مواطنهم بموريطانيا الطنجية رغم فشلهم. وعودتهم تؤكد أنهم يستوطنون منطقة تقع خارج النفوذ الروماني. وهذا يفسر لنا أيضا المحاولات التي ستقوم بها روما فيما بعد لاستمالة زعمائها إلى جانبهم ومحاولة احتوائهم.

إقامة النظام الدفاعي الليمس

ومن النتائج المباشرة لهجوم الأمازيغ الموريين على كارطينا قيام السلطات الرومانية في موريطانيا القيصرية بتغطية الولاية بنظام دفاعي يمهد لإقامة الليمس، شمل القلاع والطرق الرابطة بينها، كما أنشأ الامبراطور هادريانوس معسكر جميلة في نوميديا الذي تتجلى فيه سياسته الدفاعية.

تحركات القبائل الأمازيغية

أما النتائج البعيدة التي ستتسبب فيها هذه التجهيزات الدفاعية التي أنشئت والتي أضيفت إليها عناصر أخرى فيما بعد، هي أنها ستعمل كلها على سد طرق الانتجاع والرعي التقليدية في وجه القبائل الرحل وأنصاف الرحل؛ إذ ستقطع طرق المنتجعات الموجودة في الشمال، مما سيدفع بالقبائل إلى الاتجاه غربا للبحث عن منتجعات جديدة لتعويض ما ضاع منها.

والمنطقة الوحيدة أو المنفذ الوحيد الخالي من عناصر دفاعية – حسب ما وصلت إليه الأبحاث الأثرية – هي منطقة وادي ملوشة (ملوية)؛ وستقع على هذه المنطقة ضغوط كبيرة ستدفع بقبائل أخرى إلى الاتجاه دائما إلى الغرب، يعني إلى موريطانيا الطنجية، مما سيؤدي بالقبائل الموجودة بالطنجية إلى التحرك تحت الضغط، إما إلى الشمال وإما إلى الغرب.

مواطن القبائل الأمازيغية المورية في مملكة موريطانيا
مناطق استقرار القبائل المورية بمملكة موريطانيا

فبالنسبة للشمال عبرت مضيق جبل طارق وهاجمت ولاية البتيك بإسبانيا؛ وبالنسبة للغرب هاجمت المراكز الرومانية بموريطانيا الطنجية، وهذا الضغط المتوالي دفع القبائل الموريطانية وبالتالي السلطات الرومانية إلى البحث عن وسائل أخرى بجانب الوسائل العسكرية للإبقاء على بعض القبائل الموريطانية خارج هذه التحركات ومهادنتها للرومان، وهذه الوسائل سياسية بالدرجة الأولى. والمتمثلة في معاهدات السلام التي عقدت بين القبائل الأمازيغية والولاة الرومان بموريطانيا الطنجية.

عقد معاهدات السلام

ويتأكد نجاح أو فشل هذه السياسة في معاهدات السلام التي عقدت بين قبائل الباكوات وولاة موريطانيا الطنجية، وتعود أقدم هذه الإشارات السلمية إلى سنة 140م، وهي عبارة عن تقدمة من زعيم الباكوات إلى الإمبراطور انطونين معروضة بداخل حديقة موقع وليلي.

المصدر
مصطفى أعشي: نقائش معاهدات السلام بين الباكوات الأمازيغ والرومان في موريطانيا الطنجية
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق