تاريخ الأدب

هوميروس والملحمة اليونانية

لعب هوميروس دورا لا مثيل له في تاريخ شعبه. لقد كان اليونانيون يحفظون عن ظهر قلب، وهم بعد أطفال في المدارس، أعمال ذلك الذي كانوا يسمونه «الشاعر» فحسب، بسبب تفوقه.

الإلياذة والأوديسية: سرد شعري للصراعات الخالدة بين الإنسان والقدر

لقد كتبت تعليقات حول نصوص هوميروس، ونسخت هذه النصوص مرارا. وقد شكّلت أساس العديد من الكتابات الشعرية، والتراجيدية، وحتى الفلسفية. واليوم أيضا، هنالك الكثيرون الذي يعتقدون أن من إيجابيات دراسة اليونانية، القدرة على قراءة الإلياذة والأوديسة في الأصل. إن قراءة هذين العملين الكبيرين تمنح دائما متعة كبرى: متعة اكتشاف عالم، هو في نفس الوقت غريب عنا، بشكل عجيب، وقريب مما نحمله في دواخلنا.

ظروف ازدهار الملحمة

إن الشعب اليوناني، كما نعرفه من خلال النصوص التي خلفها لنا ومن خلال الأركيولوجيا (الحفريات)، التي تكشف لنا، كل يوم شهادات جديدة، ليس شعبا متأصلا في شبه الجزيرة اليونانية. بل إنه ينتمي في الأصل إلى المجموعة الكبرى الهندية-الأوربية. وقد انسلخ عنها في موجات متعاقبة من البشر، جاءت من الشمال الشرقي لتستقر في اليونان، متبنية أسلوب عيش الأهالي، خاصة أهل كْريت وحضارتهم، لكن الوافدين فرضوا في نهاية المطاف لغتهم وهيمنتهم السياسية.

وقد سميت الأقوام الأولى، التي وصلت بتلك الطريقة بين القرنين التاسع عشر والرابع عشر قبل الميلاد، بالآخيّين. وقد عرفت حضارتهم المسمات بالمسِّينية، نهاية عنيفة، حوالي القرن الثاني عشر ق.م، لدى وصول موجة أخرى من الغزاة الدّوريّون، وهم محاربون عتاة قساة. خلال قرون الاضطرابات التي تلت ذلك، هاجر عدد من الإغريق الأيونيين إلى جزر نهر إيجه وإلى آسيا الصغرى، حيث عرفت حضارتهم ازدهارا جديدا عظيما، عن طريق احتكاكهم بالثقافات الشرقية.

في آسيا الصغرى، وفي هذا السياق التاريخي ظهرت خلال القرنين الثامن والسابع ق.م قصيدتان كبيرتان (حوالي 16.000 بيت تضمنتها الإلياذة و 10.000 تضمنتها الأوديسة)، نسبهما الأقدمون إلى هوميروس. إن هاتين الملحمتين تشيدان بالحقبة التي انصرمت منذ حوالي أربعة قرون، حين كان الآخيُّون سادة اليونان، وكانت سيطرتهم تمتد إلى ما وراء البحار، حتى طروادة.

وقد كُتبتا بعدد من اللهجات اليونانية، واستُبعدت منهما اللهجة الدّورية، التي هي أقل سلاسة ورهافة.

هوميروس: الأساطير والتاريخ

هكذا، فإن الإلياذة والأوديسة تدوران حول أحداث موغلة في القدم. وقد أظهرت الأبحاث الأركيولوجية أن مدينة طروادة قد وجدت فعلا.

أما المؤلف المزعوم لهاتين الملحمتين، الشاعر الأعمى هوميروس، فلربّما ينتمي إلى الأسطورة. لأنه إذا كان هنالك من يجعل مسقط رأسه هذه المدينة اليونانية أو تلك، فإن وجوده الفعلي اليوم مثار نقاش. ويتم التساؤل خاصة عما إذا كان هو مؤلفهما الوحيد.

تمثال هوميروس
تمثال نصفي لـ هوميروس من العصر الهلنستي

ولأن الإلياذة تبدو، لأسباب عديدة، سابقة على الأوديسة بقرن، فإن العلماء يميلون إلى الاعتقاد بوجود مؤلّفين، أو بأن هنالك على الأقل شاعرين عبقريين، قد ألفا عددا من الفصول، التي غنَّى بعضها شعراء جوَّالون، وأعادوا صياغتها باستمرار.

غضب آخيل

إن الإلياذة، التي تعتبر بالإجماع أقدم النصين، لتتميز بالوحدة بشكل مدهش. إنها وحدة تشمل تعددية، كما قيل. ذلك أن هذا العمل يحتوي الكثير جدا من التفاصيل، رغم أن تيمته موجزة ومسجلة في البيت الأول من النشيد الأول :

«يا ربة الإلهام، تغني بغضب آخیل، ابن بيلي…»

على عكس ما يتم تصوره عادة، فإن الإلياذة لا تروي وقائع حرب طروادة بأكملها؛ وهكذا فإن قصة حصان طروادة الشهيرة لا توجد إلا في الأوديسة. وهي لا تصف إلا أحداث فترة وجيزة، تمتد حوالي شهرين تقريبا، بينما كان الحصار المضروب على طروادة قد استمر طيلة سنوات، حسب ما يروى عادة. إن «غضبة» آخيل الشهيرة هي التي تشكل الدفعة الدرامية الأساسية للملحمة. فاليونانيون أو الآخيون، الذي اتخذوا مواقعهم أمام أسوار طروادة، يحاصرون المدينة. وآلهة الأولمب نفسها منقسمة إلى فريقين، وكل منهما يسعى إلى دعم البطل الذي يسانده. وأغاممنون، ملك المسينيين، هو بشكل ما الجنرال الأكبر للآخيين. وقد استغل سلطته المطلقة، وأهان بشكل عنيف آخيل، إذ سلبه أسيرة كانت ضمن قسطه من الغنيمة.

وتملك آخيل غضب رهيب، فانسحب من القتال مع جميع من تحت إمرته من المقاتلين. وخلال أيام عديدة، حمي وطيس الحرب، وكثرت المبارزات الفردية، و غرقت ضواحي طروادة في الدماء، وبدأ اليونانيون يفقدون عددا من المواقع. ورغم أنه تم التَّوسُّلُ لأخيل، وهو أكثر المحاربين الآخيين شجاعة وإقداما، ولكنه أيضا أكثرهم تعنتا، فقد رفض العودة إلى القتال مالم يؤخذ له حقه.

كان يجب انتظار اللحظة التي أوشك فيها الطرواديون على إحراق السفن اليونانية، ليتخذ آخيل قراره، لا بنسيان الإهانة التي تعرض لها، ولكن على الأقل بإرسال صديقه الحميم بَاتْروكْل، مدججا بسلاحه هو (أي آخيل). وقد أفلح في إبعاد الطرواديين، ولكنه قُتل من طرف هيكتور، ابن بریام، ملك طروادة.

إذاك تملك آخيل هياج عارم وتعطش للانتقام، وسرى فيه نفس فوق طاقة البشر، فشهر سلاحه من جديد وقتل هیکتور، رغم علمه بأن موته سيلي موت عدوّه بعد وقت قليل.

سلطة غاشمة

إن الغضب والحماسة والإيمان هي خصائص كل الأبطال الكبار للملاحم الغربية. فبعد المحارب اليوناني بزمن طويل، سيظهر رولان، ابن أخ شارلمان، الذي يدفعه شعور بالكرامة ملتهب ومتجاوز لأحاسيس الإنسان العادي، إلى القيام بأفعال يتجاوز فيها نفسه.

إن غضبه، ذلك شعور البدائي المتولد من العنف ومن التمرد، لمن الصنف الذي قد يؤدي بصاحبه إما إلى المجد أو إلى التهلكة. فالغضب الملحمي له وجهان : إنه علامة على كبرياء مريضة، وهو من أثر العزلة، بقدر ما هو دعامة للشجاعة والبطولة. إنه، إذ يرتبط بالقضايا النبيلة وبحب الوطن، يصبح ضربا من المغالاة المقدسة، التي يشوبها الالتباس بشكل أساسي، ويستنكرها الآلهة بقدر ما يباركونها، باعتبارها وسيلة خلاص البشر.

والبطل نفسه، مثل بقية الشخصيات، ليس بمتحكم في هذه القوة العميقة. إنه مستهدف من قبلها، وهو يتحمل وقْعها. إن ما يمنح الإلياذة نكهتها المريرة، هو الحضور الذي لا يقاوم للقدر، الذي يتحكم في الآلهة والبشر، وأحكامه تعرف عن طريق التنبؤات، لكن ليس هنالك إرادة إنسانية بمقدورها أن تقف في وجهه.

إن القراء المعاصرين لا يتصورون بعفوية هذا النوع من القانون الأعلى، الذي يتحكم بلا شفقة في مصير الكائنات، ويخضعهم لسلطته، ويأخذهم إلى حيث هو مقدر لهم منذ الأزل، سيدا عظيم البأس لا يطال.

مع ذلك فإن الإنسان يتقبل قدره بفعل حر يقوم به. هكذا، فإن هیکتور يتوقف للحظة تحت أسوار طروادة : أيذهب للقتال ضد آخيل أم يعود إلى المدينة ؟

إن اللعبة التراجيدية في الإلياذة تتم في هذه اللحظات، حين يتردد الإنسان، ويتأرجح فكره، والبطل الحقيقي هو الذي يقبل الموت لنيل «مجد خالد».

عودة عولیس

إن الأوديسة جد مختلفة عن الإلياذة. فهي على مستوى الشكل، أقل صرامة، كما أنها أكثر تنوعا. وربما تحضر فيها الأحداث الخارقة بشكل أكبر. ويتم اللجوء إلى ما هو عجائبي بتواتر أكبر، لإيجاد حلول لعدد من المواقف. كما أن هنالك تدخلا للآلهة في أحيان كثيرة لإنقاذ عوليس من الأوضاع الحرجة. إضافة إلى هذا، فبينما كان أبطال الإلياذة يتميزون بمآثرهم كمحاربين، فإن عوليس هو، أولا وقبل كل شيء، داهية. وهو صاحب «الحيل الألف»، الذي تحميه أثينا على الخصوص، وهي إلهة الذكاء.

تجري أحداث الأوديسة بعد عشر سنوات على سقوط طروادة في أيدي اليونانيين. لقد عاد كل الأبطال الآخيين إلى ديارهم، إلا عولیس، ملك إيتاکا، الذي استبقته الحورية كاليبسو بقصد الزواج منه.

تبتدي الملحمة برحلات تليماك، ابن عولیس، التي يسعى من خلالها إلى الحصول على أخبار تتعلق بأبيه. وفي الواقع، فإن الوضع في مملكة إيتاكا أصبح لا يطاق: فهنالك حشد من المتعجرفين، الطامعين في الزواج بالملكة بينلوب، الذين استقروا في القصر، حيث يأكلون ويشربون بإفراط، ويأتون على خيرات صاحبه. بعد أن عرف تليماك أن والده حي، عاد إلى القصر. لكن الطامعين في الزواج كانوا يخططون لقتله…

خلال هذا الوقت، فإن عوليس، الذي لا يستطيع أن ينسى إيتاکا، سوف يتوصل أخيرا إلى التنصل من عروض كاليبسو. لكن أخطارا أخرى تترصده، مع ذلك ، لأن بوسيدون، إله البحار، يطارده بكراهية. وستقذف زوبعة رهيبة، أثارها الإله الخانق، بالبطل إلى ساحل الفياصيين. وقد أنجد واستقبل بشكل باهر في بلاط الملك ألسينوس، فطفق يحكي لمضيفيه ما خاضه من مغامرات في طريقه : ومن فم عولیس، نتعرف إلى قصة السِّيكلوب (عملاق أسطوري بعين واحدة)، وقصة سيرسيه الساحرة، كما يردُ ذكر الموتى، وما حدث مع حوريات البحر.

ويرحل عوليس من جديد، ويصل أخيرا إلى قصره. لكنه لن يستعيد مكانته دون عناء : فعليه أن يجعل أهله يتعرفون عليه، بعد كل سنوات الغياب تلك، وأن يثأر، بصورة دموية، من الطامعين اللثام.

السفر

إن الأوديسة لا تقدم لنا فقط عالما عجائبيا، يعمره العمالقة والمسوخ. فنحن نجد فيها، أيضا، عالما مألوفا، يصوّره عدد هائل من اللوحات المتعلقة بالحياة اليومية، والمثيرة للانفعال، التي تشهد في نفس الوقت على الحياة في العصور القديمة، وعلى فن صاحبها : وهكذا نجد نوسیکا وخادماتها يلعبن الكرة بعد أن انتهين من الغسيل؛ وعوليس وهو يقضي فترة من الزّمن عند راعي الخنازير أومي ؛ والكلب، وهو الكائن الوحيد الذي تعرف على سيده لدى وصوله إلى إيتاکا..

كما يلاحظ ذلك غابرييل جرمان، فإن كل هذه العناصر تمنح هذا العمل طابعا روائيا، يجعلها في متناول القارئ أكثر من الإلياذة.

وهذا المظهر نفسه محسوس على مستوى التركيب: فالقصص التي يرويها الأبطال تحتل مكانا كبيرا في الأوديسة، وفيها يتم الانتقال بسرعة من مكان إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى. ويتم السرد عبر العديد من المنعرجات، كالسفر نفسه.

يمكننا أن نرى في هذا الإبحار الذي تتخلله المخاطر، دلالات متنوعة. فالبعض يرى فيه تصويرا مجازيا ذا طابع أخلاقي، يقوم المسافر حسبه باستكشاف العالم الآخر : وحقيقي أنه على عولیس، في العديد من الأحيان، أن يتنصل من إغراء ما، وأن الجزاء الحسن يكافئ الفضيلة دائما. فالطامعون في بينلوب يعاقبون بشكل شنیع، لكن عولیس وبينلوب يشهدان نهاية محنتهما.

وهنالك آخرون يعتقدون أن الأوقيانوس الآهل بالمسوخ والأحابيل، يمثل المخزون الهائل للاشعور. إن عوليس يتوصّل إلى تفادي كل المخاطر التي تتربص بالإنسان، والقائمة في أعماقه هو نفسه، من خلال الجمع بين الفضول والدّهاء. إنه يستكشف المخاطر ، يتعرف عليها، لكن بعيدا عن أن يؤدي ثمنها منها من حياته، فهو ينفلت منها ليرويها.

كنز ضائع (تقريبا)

لا يمكننا الحديث عن الملاحم الهوميروسية، دون الإشارة إلى الكنز العجيب الذي تشكله على مستوى اللغة والشعر والأسلوب. فالقصيدتان مكتوبتان حسب الشكل السداسي المقاطع، بصورة صارمة، فالبيت مكون من ستة مقاطع، كل منها مكون من أجزاء لفظية طويلة ووجيزة ومن علامة نبر. وتشمل نهاية البيت بالضرورة خمسة أجزاء لفظية، ذات إيقاع ثابت.

إن الانتظام الإيقاعي للأبيات، التي هي موضوعة للإنشاد، يلائم موسيقى الكلمات. والروح الشاعرية لهذه النصوص العتيقة أصبحت تقريبا بعيدة عن متناولنا، وصعوبة تناولها تتزايد أكثر فأكثر، إذ تتوجب معرفة اللغة من أجل تقدير غنى تلك النصوص، مادامت الترجمات لا تقدم إلا محاكاة شاحبة لها. إن سير التاريخ، الذي لا يمكن إيقافه، ببعدنا عن تلك المنابع، أو على الأقل، يحرمنا من الوعي بها.

إن الميثولوجيا تبقى خزانا لا ينضب من الصور والأساطير التي نتغذى عليها. وهكذا، فحتى سينما الخيال العلمي تمتح من منابعها، بحيث نجد أحد أفلام هذا النوع، وقد حاز نجاحا باهرا، يحمل عنوان : «أوديسة الفضاء»، فما أقدر الكلمات على الرحيل عبر الزمن!.

ومن المثير أن نلاحظ أنه في كل التاريخ الأدبي للشعوب الغربية، منذ ما يناهز الثلاثة آلاف سنة، لا نجد أي قصيدة ملحمية حظيت بالاهتمام، سوى الإلياذة والأوديسة. هل معنى ذلك أن الشعوب الأخرى ليس لها «عقل ملحمي» ؟

ذلك ممكن، لكن الأولى أن نفكر أن الإغريق في العهد الملحمي، وخاصة الأيونيين، كانوا يتميزون بفتوة القلب والروح ، وبضرب من البراءة أيضا. الشيء الذي يجعلهم يقدّرون هذا النوع من الشعر.

من كان هوميروس؟ هل وجد على الأقل؟

إننا نعرف فحسب، أنه خلال قرنين أو ثلاثة، كان الشعراء الجوّالون يقومون بالإنشاد والتغني من الذاكرة. فيما بعد، حين انتشرت الكتابة قام رواة الملاحم بجرد لكل القصائد المتعلقة بآخیل وعوليس. ومن المعلوم، على كل حال، أن هذا العمل قد تم بشكل منظم في القرن السادس قبل الميلاد، بأمر من بیزیسترات طاغية أثينا، من طرف راو أو عدة رواة. لكن سواء أكان مؤلفهما واحدا أم كان لهما عدد من المؤلفين، فإن الإلياذة، قصة المعارك، والأوديسة، رواية المغامرات، ستبقيان حيتين، إلى الأبد، في ذاكرة الشعوب.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق