التاريخ العالمي

الثورة البلشفية وقيام الاتحاد السوفيتي

بحلول الحرب العالمية الأولى ومشاركة روسيا فيها إلى جانب الحلفاء انهار الحكم القيصري المتأزم. واغتنم حزب البولشفيك “البلاشفة” نقمة الجماهير الروسية لتأطيرها وإعلان الثورة البلشفية والاستيلاء على السلطة. وبعد تكوين الاتحاد السوفيتي عرفت البلاد تحولات كبيرة غيرت بنية المجتمع وتركيبه في إطار الاشتراكية السوفياتية.

الثورة الروسية: ظروفها ومراحلها

أفرزت الوضعية الداخلية لروسيا القيصرية تناقضات وصراعات حادة

أ) احتدت الفوارق بين الفئات المركبة للمجتمع الروسي، وهيمن الرأسمال الأجنبي على حركة التصنيع في البلاد

كانت روسيا القيصرية تمتد على مساحة 2 مليون كيلومتر مربع، وبلغ عدد سكانها سنة 1914 حوالي 174 مليون نسمة. وكانت الفلاحة تشكل النشاط الاقتصادي الأساسي الذي يعيش منه، بشكل مباشر، أكثر من % 85 من سكان روسيا. وسيطرت الفيودالية الروسية التي بلغ عدد أفرادها حوالي مليون نسمة على أجود الأراضي، وكانت تصدر أغلب إنتاجاتها نحو دول أوروبا الغربية، واحتكرت عناصرها الوظائف الرئيسية في أجهزة الدولة الجيش ومجلس «الدوما» (البرلمان الروسي)، وتمتعت بامتيازات وراثية. في حين كان أغلب الفلاحين الروس عرضة لمجاعات دورية وأوبئة وأشكال مختلفة من القهر.

وعبر الأقنان عن وضعيتهم ومطالبهم بواسطة انتفاضات متعددة ومتفاوتة الأهمية، جعلت البوادي الروسية في توتر مستمر، واستمر ذلك إلى سنة 1905 حيث قامت انتفاضة واسعة، على إثر انهزام الجيوش القيصرية أمام اليابان، خلال الحرب الروسية اليابانية 1904. فاضطر النظام القيصري الى سن بعض الاصلاحات وزع خلالها أراضي على أقلية من الفلاحين لخلق فئة وسطى في البوادي (الكولاك)، بهدف التخفيف من المواجهة القائمة بين الفلاحين الفقراء (الموجيك) والملاكين الكبار. لكن هذا الإجراء لم يخفف من أزمة البوادي ومن مطالبة الفلاحين بالأرض.

وبالمقارنة مع التطور الذي عرفته دول غرب أوربا، تميزت حركة التصنيع في روسيا بالبطء. وكان السبب الأساسي في ذلك هو نمط الانتاج السائد في البوادي، والذي عجز عن توفير فائض كاف لتطوير المبادلات الداخلية والقيام باستثمارات صناعية. واستمر هذا التطور البطيء إلى حوالي سنة 1910 حيث عرفت روسيا توسعا صناعيا بسبب ارتفاع أسعار المواد الفلاحية المصدرة، واستعداد البلاد للحرب التي ظهرت مؤشراتها.

وارتبط النمو الصناعي في روسيا بالرساميل الأجنبية التي سيطرت على ثلث رأسمال الشركات الصناعية ونصف رأسمال الأبناك الكبرى وفرضت حالة تبعية على الاقتصاد الروسي، إذ احتكر الأجانب (فرنسا وبريطانيا وبلجيكا..) % 85 من الاستثمارات المعدنية و % 33 من الاستثمارات في قطاع النسيج و % 90 من الاستثمارات في قطاع النقل البحري.

ومست حركة التصنيع بنوع من التكثف مدنا ومناطق من أهمها سان بترسبورغ وموسكو وحوض الدوناس والقوقاز. فظهرت بأهم المدن الروسية بورجوازية حديثة وطموحة، لكنها شديدة الارتباط بالرأسمالية الأوربية وتابعة لها. وأدت حركة التصنيع إلى تكوين طبقة عاملة بلغت حوالي ثلاثة ملايين نسمة في بداية القرن العشرين، وتركزت أساسا بالمدن الكبرى. وتميزت وضعيتها بالبؤس الشديد الناتج عن كثرة ساعات العمل اليومية وعن ضعف الأجور والتشغيل الواسع للأطفال والنساء.

ب أدى تشبث النظام القيصري بمبادئ الحكم الفردي إلى انعزاله وتعدد الحركات المعارضة له

« سمع في هذه الأيام الأخيرة في بعض المجالس الاقليمية أن أناسا يتحمسون لأفكار جنونية وباطلة مثل المشاركة في تسيير الشؤون الداخلية للبلاد. فليعلم الجميع بأنني مع تفاني في خدمة مصالح الشعب، اعتزم التشبت بمبادئ الحكم الفردي بنفس الاستماتة التي تشبت بها والدي الراحل»

من خطاب للقيصر الروسي نيقولا الثاني سنة 1894

بهذا التصريح دشن «نيقولا الثاني» عهده سنة 1894 بعد اغتيال والده ألكسندر الثالث. تميز حكمه هو الآخر بالطابع الفردي المطلق، يجمع كل السلطات بين يديه: فهو القائد السياسي والروحي للبلاد، الذي يُشرع، ويعين الموظفين والوزراء، ويصدر الأحكام، ويعلن الحرب.

القيصر الروسي نيقولا الثاني عائلة رومانوف
القيصر نيقولا الثاني: عائلة رومانوف ما بين 1913 و 1914 قبيل قيام الثورة البلشفية.
(Library of Commons via Wikicommons)

وكان الحكم القيصري يمثل مصالح الملاكين الكبار التقليديين الذين تقلص نفوذهم الاقتصادي مع استفحال الأزمة في البوادي وبداية حركة وبعد انهزام الجيش الروسي أمام اليابان في حرب 1906 وبفعل ضغط الانتفاضة الشعبية، قبل الحكم القيصري إنشاء مجلس وطني بمثابة برلمان (مجلس دوما الدولة)، وسن دستورا للإمبراطورية. لكن «مجلس الدوما» لم يكن يتمتع بسلطة تشريعية حقيقية، بل ظل يلعب دورا استشاريا فقط، وفق نظام يضمن الأغلبية لأصحاب الأراضي.

واستمر الحكم القيصري في مواجهة عدة قوى معارضة في آن واحد، وتمثل عدوه الأول في الفلاحين الذين تميزوا بغليان كبير وتنظيم محدود. وساهم صراعهم الدائم في إضعاف الملاكين الكبار والحكم القيصري.

أما في المدن، فقد تميزت الطبقة العاملة بمواجهتها المستمرة للبورجوازية والحكم القيصري، وأفرزت هذه المواجهة تنظيمات نقابية وسياسية عديدة، كان من أهمها «الحزب العمالي الاشتراكي الروسي» الذي تأسس سنة 1898، وجمع في أول الأمر عددا من التيارات الاشتراكية الروسية وفي سنة 1903، انقسم الحزب العمالي الاشتراكي الروسي الى تيارين: منشفيك وبولشفيك. فكان المنشفيك، بزعامة بليخانوف ومارطوف، يرون ضرورة التحالف غير المشروط مع البورجوازية لتطوير النظام الرأسمالي في البلاد بتوسيع قاعدة البروليتاريا؛ لأنهم اعتبروا أن المجتمع الروسي يغلب عليه الطابع الفلاحي، ولم ينضج بعد للانتقال إلى الاشتراكية. أما البولشقيك برئاسة «لينين» فقد ألحوا على ضرورة تكوين حزب عمالي قوي ومنضبط، والاستعداد للثورة الاشتراكية، كما أنهم ركزوا على التحالف مع صغار الفلاحين.

وكان نمو البورجوازية مُعرقلا بحكم موقع الملاكين الكبار في الهرم الاجتماعي، وكان القيصر يحد من توسع مشاركتها في جهاز الدولة ومجلس الدوما. لذا مثل «الحزب الدستوري الديمقراطي” قوة معارضة ظلت تراقب بطموح كبير تطور الأحداث فتظهر تارة تقربها للقيصر وتعرض تارة أخرى تحالفها للقوى الثورية.

ولقبت الامبراطورية الروسية “بسجن الشعوب” لإخضاعها لعدد كبير من القوميات المختلفة على امتداد أراضيها الأوربية والأسيوية. فكانت الأراضي المستعمرة تمثل 17.8 مليون كيلومتر مربع، وبلغ عدد سكانها 8 مليون نسمة.

وجمعت الإمبراطورية قوميات متعددة ومتنوعة من حيث الجنس واللغة والمعتقدات. تفاوتت فيما بينها في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، فالمناطق الغربية مثلا، كانت تسير نحو التصنيع، في حين ظلت المناطق الجنوبية والشرقية تعيش في إطار العلاقات الرعوية والاقطاعية. وسخر القياصرة أراضي المستعمرات وشعوبها للرفع من المداخيل الجبائية بفرض الضرائب المرتفعة على الفلاحين الصغار، كما نزعوا منهم أراضيهم لتوزيعها على المعمرين الروس.

ومع توسع شبكة السكك الحديدية ازداد ارتباط القوميات بالنظام الاقتصادي المركزي، وتحولت إلى مصادر للمنتوجات الفلاحية والخامات الصناعية. وكانت شعوب المستعمرات تعاني من قمع شديد لثقافتها ولغتها ومعتقداتها. فدفعت هذه الظروف كلها القوميات المختلفة إلى مواجهة الحكم القيصري والملاكين الكبار من أجل التحرر الوطني، واكتست هذه المواجهة أشكالا مختلفة ومتفاوتة، من حيث القوة والتنظيم والوعي، مُساهمة في إضعاف الحكم القيصري.

2)  عجلت هزيمة روسيا في الحرب العالمية الأولى بقيام الثورة

أ) أطاحت ثورة فبراير 1917 بالنظام القيصري بعد استفحال الأزمة الداخلية

دخلت الامبراطورية الروسية الحرب العالمية الأولى بحكم ارتباط سياستها الخارجية بدول غرب أوربا، وبهدف الحصول على أراضي جديدة على حساب النمسا والبلقان وتركيا. وعلى المستوى الداخلي، استهدف النظام القيصري خنق كل معارضة لسياسته والتخفيف من الاضرابات العمالية والتحركات الثورية التي تصاعدت ما بين 1912 و1914، وذلك بإثارة الشعور الوطني لدى الفلاحين والعمال الروس من أجل تشكيل تحالف وطني مقدس موجه نحو الخطر الخارجي.

واتخذت جل الأحزاب الروسية مواقف مؤيدة للحرب، واندمجت إلى جانبها حتى بعض التيارات اليسارية الممثلة للفئات الوسطى والفلاحين. في حين عارض الحزب البولشفى بشدة الدخول في الحرب داعيا لتحويلها إلى حرب ثورية للإطاحة بالنظام القيصري وبالأنظمة الرأسمالية الأوربية وفي نهاية سنة 1914، أي بعد خمسة أشهر من بداية الحرب، وصل عدد القتلى في الصفوف الروسية إلى 000 500 جندي. وفي سنة 1915 تراجعت القوات الروسية بمسافة 20 كيلومتر، وخسرت الامبراطورية أراضي بولونيا وليتوانيا، وأصبحت في حالة حصار فعلي.

وأثارت هذه الخسائر لدى الجنود والبحارة سخطا على القيادة، فازداد عدد الفارين من الجبهات بشكل ضخم، وخصوصا في الجهة الشمالية وفي أسطول البلطيق، كما أدت هذه الوضعية إلى انتشار التمرد في صفوف الجيش.

ولم تستطع المصانع الروسية الاستجابة لحاجيات الجبهة من العتاد الحربي والذخيرة، وذلك رغم تحولها إلى مصانع حربية. كما عجزت البوادي عن توفير المواد الغذائية بسبب تجنيد الفلاحين. وتعطلت السكك الحديدية وتعرقل تزويد الجيش بالحد الأدنى من الأسلحة والمؤونة. وفي نفس الوقت الذي عجز فيه الاقتصاد الروسي عن مواجهة متطلبات الحرب، اشتدت الأزمة الداخلية ووقع عبؤها على الفئات الواسعة من السكان. فكانت البلاد تعاني من نقص شديد في الحاجيات الملحة. فتضاعف ثمن الرطل الواحد من الخبز ست مرات، ومن المتر الواحد من النسيج القطني 12 مرة، والنسيج الصوفي 20 مرة، عما كان عليه قبل بداية الحرب.

وهكذا امتصت الحرب كل موارد روسيا القيصرية. وعمت حركة الاضرابات أهم مناطق البلاد، وصعد الفلاحون مطالبهم بالأرض عن طريق إحراق ضيعات الاقطاعيين والاستيلاء على الغلل. وظهرت بوادر القلق والتمرد في صفوف الجيش.

في هذه الظروف بحثت الحكومة القيصرية عن الوسائل اللازمة لتلافي الثورة. ففكرت في عقد صلح مع ألمانيا حتى تتفرغ للمشاكل الداخلية. إلا أن ارتباط المصالح مع فرنسا وبريطانيا لم يسمح بذلك. فأصبح القيصر عاجزا عن مواجهة الموقف. فتخلت عنه العناصر الموالية له، وبدأت تفكر في إيجاد خلف له. غير أن الثورة كانت قد اندلعت بإضراب عمال مصنع «بوتيلوف» في 18 يناير 1917 في بتروغراد (سان بترسبورغ حتى سنة 1914)، ثم تحول ذلك إلى إضراب عام، وسارت صفوف المتظاهرين إلى وسط العاصمة منددة بالحكم القيصري ومطالبة بالخبز والسلام.

وفي نهاية شهر فبراير 1917، انضم ما يزيد عن ستين ألفا من جنود حامية يتروغراد إلى جانب العمال. وعمت الانتفاضة كافة أنحاء العاصمة، الشيء الذي اضطر القيصر نيقولا الثاني إلى التخلي عن العرش في 2 مارس 1917.

فحاولت البورجوازية الانفراد بالحكم بتكوين حكومة مؤقتة برئاسة «الأمير لفوف» ثم «كرنسكي». وساهم الى جانبها عناصر من الاشتراكيين المعتدلين، في حين رفض البولشفيون التعامل مع البورجوازية. وتشكلت بصفة موازية للحكومة سوفياتات – أي مجالس العمال بالمصانع ومجالس الفلاحين بالأرياف ومجالس الجنود بالحاميات وفي جبهات القتال – من أجل تكوين سلطة ثورية منبثقة عن هذه المجالس.

فتكون أول سوفيات للعمال والجنود بمدينة بتروغراد. وقام باحتلال بنك الدولة ودار صك النقود ومحطات السكك الحديدية والتلغراف ودور الطباعة. كما أشرف على إمداد المدينة بالمواد الغذائية.

وتشكلت سوفياتات مماثلة في موسكو ومناطق عديدة أخرى من البلاد الروسية، وبذلك أصبحت السلطة مزدوجة في أنحاء روسيا: فمن جهة، هناك الحكومة البورجوازية المؤقتة، ومن جهة أخرى هناك السوفياتات.

ب) أمام عجز الحكومة البورجوازية المؤقتة، نظم البلشفيك ثورة أكتوبر واستولوا على الحكم

كانت أغلبية سكان روسيا تنتظر من الحكومة الجديدة الإعلان الرسمي بإلغاء النظام القيصري، والعمل الفوري على إيقاف الحرب، وتوفير المواد الغذائية، وإقرار نظام 8 ساعات عمل يومية في المصانع وانتزاع الأراضي من كبار الملاكين وتوزيعها على الفلاحين، والسماح للقوميات بتقرير مصيرها، لكن «الحكومة المؤقتة» لم تستجب لهذه المطالب لشدة ارتباطها بالحلفاء ولرغبتها في الحفاظ على مصالح الملاكين الكبار وأرباب المصانع. فاستمرت مشاركتها في الحرب تاركة كل الاصلاحات إلى أن يتحقق النصر النهائي ضد الألمان.

فاستغل الحزب البولشفي هذا العجز واشتداد ضغط الأحداث لتعبئة السكان وتأطيرهم، رافعا الشعارات الأكثر شعبية: «السلام حالا، والأراضي للفلاحين، والمعامل للعمال، وكل السلطة للسوفيات». كما أعلن الحزب أن مرحلة الثورة البورجوازية قد انتهت وأنه حان الوقت للإطاحة بنظامها.

واستطاع البولشفيون مواجهة الحكومة المؤقتة والتصدي لمحاولة الأوساط المحافظة إقرار نظام دكتاتوري بزعامة الجنرال كورنيلوف (شتنبر 1917). ثم نظموا انتفاضة عامة بقيادة فلاديمير لينين Vladimir lenin يوم 26 أكتوبر 1917 تمكنوا على إثرها من استلام السلطة في العاصمة بتروغراد ثم في باقي البلاد.

“ولد لنين Lenin سنة 1870 بمدينة سيمبيرسك (أوليانوفسك حاليا). امتهن المحاماة أولا بمدينة بترسبورغ، ثم احتك بالفكر الاشتراكي السائد وقتئد بأوربا الغربية. وأخذ يعمل في النشاط السياسي، فنفي لمدة ثلاث سنوات إلى سيبيريا، وبعدها التجأ إلى غرب أوربا منذ سنة 1900. وعاش هناك حياة سياسية غنية بالتجارب والقراءات والكتابات الثورية، وعمل من هناك على تطوير الاتجاهات الثورية في روسيا، وعلى تنظيم حزب البوشفيك، فبرز كمنظر واستراتيجي مع داخل الحزب. وخلال الحرب العالمية الأولى التحق ببلاده ليساهم عن كثب في التغيرات اللاحقة بها وفي تدعيم أركان الثورة الاشتراكية.”

“إن الحكومة المؤقتة قد عزلت، وتم اعتقال معظم أعضائها. ولسوف تقترح السلطة السوفيتية على جميع الأمم عقد صلح ديمقراطي، وهدنة فورية على كل الجبهات. وستقوم بتأمين انتقال أملاك الإقطاعيين، وأملاك الأسرة المالكة والكنيسة إلى لجان الفلاحين. وستدافع عن حقوق الجنود، وستضفي على الجيش الطابع الديمقراطي. وتؤمن إشراف العمال على الانتاج. وستضمن استدعاء الجمعية التأسيسية في الموعد المحدد. وستتخذ كل التدابير الضرورية لتموين المدن بالخبز، ومد القرى بالحاجيات الأساسية. وستضمن لجميع الشعوب التي تعيش في روسيا الحق المطلق في تقرير مصيرها بنفسها.»

من تصريح المؤتمر الأول للسوفيات بتاريخ 1917 / 10 / 26

الخطوات الأولى والصعوبات التي واجهها نظام البلاشفة (1918 – 1925)

تمثلت أهم القرارات المتخذة من لدن البولشفيين في إبرام الصلح مع الألمان والسماح للقوميات بتقرير مصيرها وتأميم أهم المرافق الاقتصادية

اتخذ البلاشفة قرارات ثورية مستعجلة:

• على المستوى السياسي:

قام البولشفيون بحل الوزارات والهيئات المركزية، وكونوا حكومة جديدة (مجلس مفوضي الشعب) يرأسه لينين، واهتموا بإيقاف الحرب القائمة ضد الألمان. وناشدوا الدول المتحاربة للدخول في مفاوضات من أجل إقرار السلام. لكن الحلفاء لم يعيروا هذه المبادرة أي اهتمام واعتبروها بمثابة خيانة.

فدخل البولشفيون مفاوضات مع الألمان أوقفوا على إثرها الحرب في دجنبر 1917، ثم أبرموا معهم معاهدة بريست – ليتوفسك مارس 1918. وتم الصلح على حساب روسيا التي خسرت أراضي كثيرة (بولونيا والبلاد البالطية وفنلندا وأوكرانيا)، وفرضت عليها ستة ملايين مارك ذهبية من التعويضات. وفي يوليوز 1918 تم إقرار أول دستور اتخذت روسيا على إثره اسم الجمهورية الاشتراكية السوفياتية، وتأسست النواة الأولى للجيش الأحمر. واعترف مجلس مفوضي الشعب للقوميات التابعة لروسيا بحق تقرير المصير.

وقرر مجلس مفوضي الشعب أن يبني عمله في مسألة القوميات على المبادئ التالية:

  1. مساواة شعوب روسيا وسيادتها.
  2. حقوق شعوب روسيا في تقرير مصيرها بنفسها بحرية بما في ذلك حق الانفصال العام وتشكيل دولة مستقلة
  3. إلغاء كل الامتيازات والقيود ذات الطابع القومي والديني
  4. التطور الحر للأقليات القومية، وللعروق الاخرى التي تعيش على الأرض الروسية.

مقتطف من مرسوم حول القوميات: 9 نوفمبر 1917.

على المستوى الاقتصادي:

اهتم البلاشفة بمعالجة مشاكل البادية بالاستجابة لمطالب الفلاحين، وذلك بإصدار مرسوم ألغي الملكية الفردية للأرض والماشية التي كانت في حوزة الملاكين الكبار ورجال الكنيسة، وجعل الأرض تحت مراقبة لجان فلاحية تسهر على الانتاج بصفة جماعية وتضمن تموين المدن.

ولقي هذا المرسوم معارضة عنيفة من طرف الملاكين الكبار والكولاك، الذين قاموا بعمليات تخريبية كإحراق المحاصيل الزراعية والقضاء على الماشية وإتلاف التجهيزات. كما أن الفلاحين الفقراء بدورهم لم ينسجموا مع الطريقة الجماعية التي وضعت بها الأراضي تحت تصرفهم، لأنهم كانوا يطمحون في الحصول على ملكيات فردية.

وفي 16 نوفمبر 1917، تم فرض الرقابة العمالية على المؤسسات الصناعية والتجارية والمصرفية التي يفوق عدد العمال والموظفين فيها عن خمسة أفراد أو التي يزيد رقم معاملاتها النقدي السنوي عن عشرة آلاف روبل. كما قامت الدولة بتأميم وسائل النقل والتجارة الخارجية. وفي 21 يناير 1918، تم إلغاء القروض التي عقدها الحكم القيصري مع بنوك باريس ولندن وبرلين ونيويورك مما زاد في تأزم العلاقات مع البلدان الرأسمالية. ووصف لينين كل هذه الإجراءات بـ «هجوم الحرس الأحمر على رأس المال».

2) تعرضت الثورة البلشفية للتدخل الأجنبي ولحركات داخلية مضادة

عاشت روسيا ما بين 1919 و1921 حربا جديدة تمثلت في التدخل العسكري للدول الرأسمالية، ومساندتها المالية والعسكرية للحركات المضادة للثورة، والتي جمعت الملاكين الكبار الذين انتزعت منهم أراضيهم والبورجوازية التي تأممت مصالحها، معززين بالضباط الذين كونوا جيشا معارضا سمي بـ “الحرس الأبيض”.

وتزعم هذه الحركة جنرالات الجيش القيصري السابق بدعم من فرنسا وانجلترا، كما تدخلت بولونيا في أوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية واليابان في الشرق الأقصى، فأصبح الحكم البولشفى محاصرا من جميع الجهات واقتصر نفوذه على بتروغراد وموسكو وضواحيهما.

واستطاع الجيش الأبيض الاستيلاء على مناطق الحبوب الرئيسية ومصادر البترول والفحم، مما شل النشاط الاقتصادي وتسبب في انتشار المجاعة.

فعمل الحكم البولشفي على تنظيم الدفاع عن النظام الجديد بتعزيز الجيش الأحمر، تحت قيادة تروتسكي، الذي تمكن من تجنيد خمسة ملايين من العمال والفلاحين.

كما لجأ الحكم البولشفى إلى سياسة أكثر صرامة عرفت بـ «شيوعية الحرب». فاتخذت عدة إجراءات منها، تأميم المعامل الصغيرة، وإجبار جميع السكان على العمل، ومصادرة فائض إنتاج الفلاحين لضمان تغدية الجيش وسكان المدن، وتكفلت فيالق من العمال والجيش بجمع الفائض الفلاحي مستعملين القوة عند الضرورة. وأدى ذلك في كثير من الأحيان إلى وقوع صدامات مع الفلاحين وخاصة مع الكولاك.

وننقل لكم حديث فلاديمير لينين عن هذه التطورات التي شهدتها روسيا خلال هذه الفترة من كتاب: تاريخ الاتحاد السوفياتي:

“وعندما أصبحنا بعد حرب طويلة مضطرين لمواجهة عدة حروب أهلية لم تكن لدينا حلول عديدة. وبدون شك ارتكبت أخطاء عند تطبيق قرار معين، ووقع إجحاف في عدة حالات. هذا شيء يجب أن نعترف به علنا. لكنه نظرا لوضعية الحرب، فإن هذه السياسة كانت صائبة. ولم يكن لدينا مخرج آخر غير التطبيق المطلق لنظام الاحتكار الفوري بمصادرة فائض الإنتاج ودون أي تعويض.

لقد جاءت شيوعية الحرب نتيجة للحرب والخراب. ولم تكن، ولا يمكن لها أن تكون سياسة مطابقة للمهام الاقتصادية للطبقة العاملة. كانت شيوعية الحرب مجرد إجراء ظرفي”

وتمكن الجيش الأحمر سنة 1921 من إحراز انتصارات متوالية والقضاء على الحرس الأبيض. كما تراجعت القوات الأجنبية، ثم انسحبت من التراب الروسي. ويرجع انتصار البولشفيين إلى التضحيات الجسيمة التي قدمها السكان، وإلى تصدع صفوف الحرس الأبيض. كما يرجع إلى ظهور اضطرابات اجتماعية في بلدان غرب أوربا، وحركات تمرد في صفوف جيوشها المهاجمة لروسيا، مما اضطرها إلى سحب تلك الجيوش لمواجهة مشاكلها الداخلية

وأدت التدخلات الأجنبية والثورة المضادة ما بين 1919 و1921 إلى هلاك أكثر من ثمانية ملايين نسمة من جراء الحروب والمجاعة والأوبئة، خصوصا أن روسيا عاشت خلال هذه الفترة سنوات فلاحية رديئة. فانخفض الإنتاج الفلاحي بشكل خطير، وتخربت أهم المنشآت الصناعية. فعرفت البلاد مجاعات، وانتشرت الانتفاضات الفلاحية وانخفض حماس العمال. واستغل الكولاك هذه الظروف لإعلان رفضهم للنظام الجماعي والتشبث بامتيازاتهم، مما أصبح يهدد باندلاع حرب جديدة. وانتبه الحكم البولشفى إلى خطورة الموقف فسن السياسة الاقتصادية الجديدة NEP.

3) اضطر البلشفيون إلى نهج سياسة اقتصادية جديدة (1921 – 1928) عدلت القرارات الاقتصادية الأولى

تراجعت الحكومة البلشفية عن الاجراءات الاقتصادية لعدم انسجامها مع الظروف التي أصبحت تعيشها البلاد. فسمحت بعودة بعض الممارسات الرأسمالية، وشجعت المبادرة الفردية لدى المنتجين. ففي البادية تخلى الحكم عن مصادرة فائض الانتاج الزراعي، وفرض على الفلاحين ضريبة عينية تحدد مسبقا، وسمح لهم بيع فائضهم بكل حرية. فشجع ذلك على الزيادة في الانتاج من أجل الحصول على ربح أكبر.

وفي الصناعة تراجعت الدولة عن تأميم المصانع التي لا يفوق عدد عمالها عشرين عاملا. وأسندت تسيير المعامل الكبرى إلى شركات خاصة. واشتركت مع الممولين الأجانب في استثمارات جديدة. وفي التجارة ظهر نوع من الحرية مع استمرار تحكم الدولة في أهم دواليب المبادلات.

وبذلك انتعشت الأوساط الرأسمالية في روسيا، وبدأ تواجد ما قطاع خاص الى جانب القطاع العمومي فأصبحت الأوساط الرأسمالية تتحدث عن فشل التجربة الاشتراكية بروسيا وتتكهن بعودة النظام الرأسمالي.

لكن السياسة الاقتصادية الجديدة استهدفت في نظر المسؤولين البولشفيين حل المشاكل المستعجلة وطمأنة المنتجين من أجل خلق الظروف المواتية للانتقال إلى مرحلة البناء الاشتراكي. فتحسن الانتاج الفلاحي والصناعي، وعاد نوع من التوازن إلى الاقتصاد الذي كان قد شل منذ قيام الثورة البلشفية إبان الحرب العالمية الأولى.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق