تاريخ الأتراك

الرؤيا وأسطورة تأسيس الدولة العثمانية

نشأت الدولة العثمانية خلال القرن 13 م في مجال صراع بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، كواحدة من الإمارات التركمانية التي أطلق عليها اسم «الإمارات الطرفدارية» لوجودها على أطراف العالم الإسلامي والتي كانت تتخذ من «الجهاد» وظيفة لها لنشر الإسلام. ونجحت إمارة أل عثمان في الانتقال من إمارة صغيرة إلى دولة تسيطر على مجال ترابي مهم، امتد على ثلاث قارات.

ترتبط نشأة كل دولة بحكايات غرائبية يتم اختلاقها قبل التأسيس أو بعده في أغلب الحالات لتلعب دورا في تفسير تأسيس مدينة أو دولة، أو وصول شخص ما إلى السلطة واستئثار هبتها تفسيرا غيبيا غير خاضع لمنطق التاريخ وقوانينه، مثل تأسيس مدينة روما ومدينة فاس، أو رؤيا مؤسس الدولة المرينية عبد الحق بن محيو في المغرب الأقصى، ورؤيا سيووكتيكين Sevuk Tigin والد محمد غزنوي فاتح الهند على سبيل المثال.

كغيرها من الدول، اعتمدت الدولة العثمانية على الجانب الغيبي والأسطوري لتبرير أحقيتها بالحكم والسلطة، ويتمثل ذلك في الرؤى التي استعملت لإضفاء نوع من الشرعية على الدولة وسلاطينها. ويمكن إدراج هذه المسألة بالنظر إلى الشك والغموض الذي يلفها في خانة الأساطير المؤسسة للدول.

وبحسب تعريف ميرسيا إلياد Mircea E LIADE فإن الأسطورة تحكي قصة مقدسة وتروي حادثا مر في الزمن المؤسس، الزمن الخيالي للبدايات. وتذكر المصادر عن بداية الدولة العثمانية حكايات حول رؤيا تنبئ بقيام أحد أفراد الأسرة ببناء دولة وأنه صاحب ملك مستقبلي.

يعرف ابن منظور الرؤيا بأنها «ما رأيته في منامك»، دون أن يضيف أي شيء آخر عن معناها الغيبي والذي يقصد من خلاله الحلم كوسيلة لنقل المرئيات -أو في أحسن الحالات المعلومات والتنبؤات- خيالات توصل إلى حقيقة أعلى.

هكذا، تأخذ هذه المعلومات أصلها من الله أو من أشخاص قريبين من الله كالأنبياء والمتصوفة، وينظر إلى الرؤيا كحافز لدورها النشيط في الأحداث، ولوظيفتها في تغيير تدفق هذه الأحداث. كما تعكس أسطورة الرؤيا التفكير الكلاسيكي لأدب القرون الوسطى الذي يحاول إضفاء الشرعية على أصول الأسر. دون أن ننسى أن الرؤى وتفسيرها علم واسع له مكانته المميزة في الثقافة والفكر الإسلاميين.

ويستند هذا العلم في أصوله وقواعده و منطقه إلى ما ورد من الرؤى في القرآن والسنة، كرؤيا النبي يوسف والنبي إبراهيم، ورؤيا والدة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، إضافة إلى ما ورد في حكايات الأولياء الصالحين والمتصوفة حول الرؤى وتأويلاتها، وهو ما جعلها تعتبر نوعا من المعجزات لإخبارها بأحداث مستقبلية، وأعطاها نوعا من القدسية في ذهنية العامة خصوصا. وعلى هذا الأساس تم اعتبار الرؤى التي مهدت لقيام الدولة العثمانية رمزا من رموز شرعيتها.

رؤيا تأسيس الدولة العثمانية

تتداول المصادر العثمانية رؤيين بخصوص قيام الدولة العثمانية، واحدة لأرطغرل والد عثمان وهي غير واردة في جميع المصادر التاريخية، والثانية لعثمان نفسه وهي التي يتم الاستناد إليها لتفسير نشأة الدولة العثمانية. والروييان معا ثمتا في بيت رجلين تقيين.

مؤسس الدولة العثمانية

سنركز في هذه المقالة على رؤيا عثمان التي يعلق عليها مؤرخو الترك أهمية عظيمة.

لقد رأي عثمان في المنام كأنه راقد بجوار صاحب البيت أي الشيخ أده بالي ورأى بدرا صعد من صدر ذلك الشيخ (…) ومال على صدر عثمان وغاب فيه ثم خرجت من صلب عثمان شجرة عظيمة أخذ شكلها يعظم وجمالها يزيد بالتدريج إلى أن صارت شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء يستظل بظلها الظليل الواسع سائر سكان أقطار العالم الثلاثة ورأى كأن تحت هذه الدوحة جبالا أربعة ترتكز عليها القبة الخضراء العظيمة التي كونتها أوراق الدوحة العظيمة وأغصانها والتي تغطي العالم كله ورأى كأن منابع دجلة والفرات والدانوب والنيل تنفجر من أصل هذه الدوحة ..

طبعا لا يهم هنا حقيقة الرؤيا أو زيفها، وإنما الوظيفة التي أدتها بالنظر إلى المرحلة التي ظهرت فيها وبدأ تداولها خلالها. وقد كانت رؤيا عثمان مجالا للجدل بين الدارسين حيث اعتقد أحد الباحثين الأمريكيين أن قصة حلم عثمان الإلهي ربما تكون أسطورة إلا أنها كانت تهدف إلى التعبير عن فترة معينة في الحياة الفعلية لهذا الزعيم التركي الشاب، وبالتحديد، فترة اعتناقه لدين جديد، واتباعه لسيرة سياسية-عسكرية باسم هذا الدين.

كما يعتبرها بعض الباحثين الأتراك أحد الجوانب الأسطورية لمرحلة تأسيس الدولة العثمانية لتشابهها مع رؤيا سيووكتيكين Sevuk Tigin والد محمد غزنوي فاتح الهند في مسألة خروج الشجرة من صلب الرائي.

زمن استغلال الدولة العثمانية لأسطورة الرؤيا

يبدو أن الأمر كان لاحقا للمؤسس الأول “عثمان بن أرطغرل” خاصة أننا لم نطلع على مصدر معاصر له يشير إلى استغلاله لرؤياه خلال مرحلة توسيعه لإمارته، وتؤكد أغلب الدراسات أن الحديث عن هذه الرؤيا كان لاحقا لعثمان وأورخان، وهو ما يعني أنها مرتبطة بمسألة شرعية الدولة التي احتاجت تقديمها كتبرير لتوسعاتها خاصة في المناطق المسلمة على حساب الإمارات التركمانية، فحاولت الكتابات التاريخية التي عملت على تدوين نشأة الدولة العثمانية على إضفاء نوع من القدسية على هذه النشأة.

إذ يبدو أن خلفاء عثمان كانوا في حاجة إلى تقديم مشروعية دينية لبسط هيمنتهم على باقي الإمارات التركمانية في آسيا الصغرى. ويظهر من سياق الأسطورة الكرامية التاريخية، المؤسسية للدولة العثمانية، أنها نشأت أو على الأقل تطورت بعد استيلاء الدولة العلية على القسطنطينية العظمى، ثم على مصر والعراق والبلقان. وكان على السلاطين العثمانيين أن يؤكدوا على الأصل الإلهي لسلطتهم، فأسطورة الرؤيا تسبق محاولة عثمان الحصول على السلطة السياسية، وتظهر أن التأييد الإلهي يمنح السيادة لهذه الأسرة.

ويرى المؤرخ التركي خليل إنالجيك أن الإخباري عاشق باشازاده هو من أضاف قصة الرؤيا لنشأة الدولة العثمانية وربطها بالشيخ إده بالى للتأكيد على أن الله منح هذه الأسرة الهيمنة على العالم. وقد كان هذا الإخباري أول من أرخ للدولة العثمانية، وكان معاصرا للسلاطين محمد الأول ومراد الثاني ومحمد الفاتح ومشاركا في بعض حملات السلطان مراد الأول في البلقان ومعاصرا لفتح القسطنطينية.

وكان هؤلاء السلاطين وقبلهم بايزيد الأول ووالده مراد الأول قد ضموا عددا من الإمارات التركمانية وألحقوها بممتلكات الدولة العثمانية إضافة إلى التوسع في البلقان، وفي عهد سليم الأول وسليمان القانوني وسليم الثاني توسعت الدولة العثمانية لتصبح امبراطورية بضمها شعوب المشرق العربي وشمال افريقيا باستثناء المغرب.

استعملت الرؤيا لتبرير توسعات الدولة العثمانية أمام منافسيها والرافضين لهيمنة سلاطينها. وارتبطت الهالة الدينية الكبيرة التي تم إضفاء على الرؤيا بالنظر لمضمونها أولا، وبالنظر للمكان الذي روئيت فيه والشخص الذي فسرها أو أولها ، فرؤيا عثمان تمت في بيت شيخ بارز من شيوخ المتصوفة (الشيخ إده بالي) وهو من فسرها له بأنه سيكون له ولذريته شأن عظيم وأنهم سيحكمون العالم ويجمعون تحت سلطتهم مناطق شاسعة. ووافق بعد ذلك على زواج عثمان من ابنته ..

هكذا إذن شكلت الرؤيا إحدى ركائز الشرعية التي استندت إليها الدولة العثمانية في مواجهة المنافسين لفرض سلطتها داخل مجال محدد، حيث كان التركيز فيها على الجانب الغيبي الذي يصعب معه إخضاع المسألة للجانب العقلي. تضاف إليها طبعا هالة القدسية التي أحيطت بالرؤيا باعتبارها من كرامات الصالحين. فكان كل ذلك إضافة إلى ركائز أخرى من أسس شرعية الدولة العثمانية وأحقيتها في الوصول للحكم.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق