تاريخ الأتراك

العالم الإسلامي في مواجهة غزو المغول

في الوقت الذي كان فيه وطن المسلمين يصارع جحافل الصلبيين أواخر الدولة السلجوقية من الغرب، تعرض من جهة الشرق لهجوم وحشي قادته قبائل المغول، والذي بدا لأول وهلة أن أية قوة غير قادرة على رده أو إيقاف تقدمه.

أصل المغول

هم من العنصر الطوراني الذي ينتمي إليه الأتراك أيضا. نشأوا في الهضبة المعروفة بهضبة منغوليا، الممتدة في أواسط آسيا جنوبي سيبيريا وشمالي التّبت وغربي منشوريا وشرقي التركستان، بين جبال التاي غربا وجبال خنجان شرقا، وكانوا قبائل بدوية متنقلة اشتهرت بالقوة والتعطش لسفك الدماء.

تصل بهم الدرجة إلى أن يناموا وقد أمالوا رؤوسهم على أعناق دوابهم. ولا يزرعون حقلا أو يحرثون أرضا بل هم في تجوال دائم، وهم صغار الأجسام إذا ما وقفوا على أقدامهم، ولكنهم عمالقة عظام إذا ما امتطوا ظهور جيادهم.

من كتاب جنكيز خان و جحافل المغول، هارولد لام

جنكيز خان مؤسس الإمبراطورية المغولية

ولد تموجين الملقب بـ جنكيز خان عام 1155م، ولذكائه وصبره وبُعْدِ نظره وشجاعته استطاع أن ينشىء شعبا وأن يكوّن دولة تعد من أعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم. وقد بدأ جنكيز خان باجتذاب كبار الشخصيات من قبيلته وإخضاع المناوئين له في هذه القبيلة، ثم أخذ يتوسع على حساب القبائل المجاورة حتي أرغمها على قبول زعامته والاعتراف به خانا أعظم سنة 1206م. ومنذ أن تأسست الدولة عام 1203م انطلق المغول في فتوحاتهم الخارجية يدمرون ويخربون إلى أن أوقفهم المماليك سنة 1260م في معركة عين جالوت.

حبت الطبيعة تيموجين سيئاتها وحسناتها : فوهبته قوة جسمانية وتعطشا للدماء وذكاء فطريا منذ نعومة أظافره. إذ كان المصارع الأول بين أقرانه. وذبح أحد إخوانه من أجل سمكة سرقها منه أخوه أثناء الصيد … تمكن تيموجين من المحافظة على مراعي أسرته فتحسنت حالته المالية، ثم بدأت تتوافد عليه بعض القبائل لما توسمته فيه من زعامة مقبلة بعد أن بلغ عمره السابعة عشر … واصل تيموجين خطة والده في الزعامة والتوسع على حساب المناطق المجاورة … وتمكن في فترة (1203م – 1206م) من السيطرة على كافة المناطق الكائنة بين نهري أمور في الشمال الشرقي وتاريم في الجنوب الغربي … شرّع جنكيز خان لإمبراطورتيه دستورا (قوانين الياسا أو الياسق) سنة 1206م ليَحُلّ محل الأعراف القبلية.

فتوح المغول

ما كاد يحل عام 1227م، وهو العام الذي مات فيه جنكيز خان، حتى كان معظم أراضي الصين الشمالية وكوريا وجنوب روسيا والجهات الوسطى من الفولغا أراضي تحت الرقابة المغولية، وفيما بين 1230م و 1242م تابع المغول زحفهم غربا، فوصلوا إلى بولونيا والمجر وهددوا أوروبا كلها، وفي ذات الوقت اتجهت جموع منهم نحو البلاد الإسلامية، فخربوا كل ما وصلته أيديهم من معالم المدنية والعمران. وبعد تصفية الدولة الخوارزمية، التي كانت تقبض على إيران وشمال الهند وأفغانستان وخضوع ملك أرمينيا وسلطان سلاجقة الروم بآسيا الصغرى، هُددت بغداد ولاح الخطر على العباسيين الذين حكموا لمدة تزيد عن خمسة قرون.

خريطة الامبراطورية المغولية
خريطة الإمبراطورية المغولية في أقصى اتساعها

آثار الغزو المغولي

… فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد (التتار) وتحكم في تلك الأستار أولو الزيغ والعناد. فأصبحت تلك القصور کالممحوّ من السطور، وأمست تلك الأوطان مأوى للأصداء والغربان، يتجاوب في نواحيها البوم ويتناوح في أراجيها الريح السّمُوم، يستوحش فيها الأنيس ويرثى لمصابها إبليس.

من وصف « ياقوت بن عبد الله الحموي » في كتاب معجم البلدان لخروج المغول إلى خراسان

سقوط بغداد

لما تمّ لـ هولاكو، حفيد جنكيز خان القضاء على الحشاشين في إيران، أخذ يستعد للهجوم على بغداد، فأرسل إلى الخليفة العباسي يطالبه بإعلان الطاعة ودفع الجزية، وإذ لم تَجِد مطالبه أذنا صاغية، شرع في تنفيذ تهديداته. وقد ظهرت جيوش هولاكو أمام أسوار بغداد في 18 يناير من عام 1258م، وفي اليوم السادس من شهر فبراير اعتلت جيوشه أسوار المدينة وتسرّبت إلى داخلها لتصنع مجزرة رهيبة، وتقتل من أهل بغداد في أربعين يوما ثمانين ألفا، فيهم الخليفة وعائلته.

كان لسقوط بغداد في يد المغول نتائج خطيرة منها :

  • القضاء على الخلافة العباسية التي عمرت أكثر من خمسة قرون.
  • الوحدة الإسلامية التي ارتبطت بالخلافة أصبحت صعبة المنال.
  • تراجع اللغة العربية في إيران وآسيا الصغرى وإفساح المجال للفارسية والتركية.
  • ضياع مكانة المدن الإسلامية القديمة وانتقال مراكز الجاذبية والسلطان إلى مدن أخرى كتبريز.

وصف ابن الكثير حال مدينة بغداد بعد غزوها من طرف المغول وسقوطها على يد التتار فقال:

وبعد الأربعين يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها. ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتی تعدی وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون… ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتعانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى…

البداية والنهاية ج13 لابن الكثير

المماليك في مواجهة المغول

بعد بغداد اتجه المغول إلى بلاد الشام التي صارت بعد الأيوبيين للمماليك في مصر، فاستولوا على أهم مدنها كحلب ودمشق، وفعلوا بها ما فعلوه بغيرها من تدمير وتقتيل وتخريب، وفي عين جالوت قرب النّاصرة بفلسطين، التقى سنة 1260م، جیش المغول الذي قاده كيتبغا وجيش المماليك الذي قاده سيف الدين قطز. وأظهر قطز شجاعة فائقة فحمل بنفسه على جيش المغول وشتت جموعه وأسر قائده. وبعد هذا الانتصار، في عين جالوت، تسنّى للمماليك تعقب المغول في بلاد الشام حتى أخرجوا منها واستراح العالم الإسلامي من شرورهم التي طالما أرعبته وجفل منها.

تيار الإسلام يجرف المغول

المغول الذين ضربوا الحضارة العربية الإسلامية بعنف، وتعاونوا لفترة من الزمن مع الصليبيين للقضاء على صانعي هذه الحضارة، لم يلبثوا أن اعتنقوا الإسلام وتحولوا إلى حماة له ومدافعين عنه.

وقد بدأ إقبالهم على الإسلام منذ عهد بركة خان (1256م – 1267م) زعيم القبيلة الذهبية التي حكمت الجهات الجنوبية من روسيا، وأصبح الدين الرسمي لخانات فارس، وهم أحفاد هولاكو، ابتداء من عهد غازان (1295م-1405م) وإذا كان تيمورلنك timur lenk (1370م – 1405م)، الذي سيطر على الشرق الأوسط وروسيا، قد أساء إلى الإسلام والمسلمين أكثر مما أفاد، فإن بعضا من ذريته خدموا الدين والحضارة بشكل جيد.

فقد حدث بعد موت تيمورلنك أن أحد أحفاده، وهو ظهير الدين محمد المعروف باسم “بابر”، استطاع أن يجمع المغول والأتراك تحت لواء واحد، وسار بهم من فرغانة بأفغانستان إلى الهند، حيث استولى على لاهور. ومن أكرا، التي جعلها عاصمة له، تمكن من توحيد شمال الهند تحت سلطته. فإلى بابر يرجع الفضل في تثبيت أركان الإسلام بالمنطقة وتمهيد الطريق لتوسيع رقعته حتى يشمل شبه جزيرة الهند كلها، وإلى جانب ولوع بابر بإنشاء المساجد الجميلة، فإن فن العمارة الإسلامية المغولية، الذي هو من أجمل طرز العمارة في الإسلام، ولد على يده.

ومن نافلة القول أنه جاء بعد بابر سلاطين عظام أكملوا فتح الهند وتوحيدها تحت راية الإسلام. كان من بينهم نصر الدين محمد همايون، وجلال الدين محمد أكبر، وشاه جيهان الذي خلف لنا أثرا بديعا، هو تاج محل، الذي بناه لتخليد ذكرى حب زوجته الفاضلة ممتاز محل.

وهكذا أسهم مغول الهند، الذين حكموا حتى سنة 1858م، بنصيبهم في بناء الحضارة الإسلامية والدفاع عن قيم الإسلام ومبادئه.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق