التاريخ العالمي

مؤتمر باندونغ ودول العالم الثالث.. حقائق ومعلومات

يضم العالم الثالث حوالي %85 من سكان العالم. أي ما يقرب من 6.5 مليار نسمة يوجد بينهم 700 مليون إلى مليار أمي. ويعاني هؤلاء السكان، بدرجات متفاوتة، من الجوع والأوبئة والأمراض المستوطنة، إلخ.

ما هي دول العالم الثالث؟

إن مفهوم «العالم الثالث»، في الواقع، دقيق جدا، خلافا لما قد يبدو عليه الأمر في الظاهر. وينبغي إبراز جانبين من جوانبه الأساسية على وجه الخصوص، وهما: الجانب السياسي، والجانب الاقتصادي.

ظهر مصطلح العالم الثالث في الأصل في فترة الحرب الباردة لتمييز تلك الدول غير المتحالفة مع الغرب (الناتو) ولا مع الشرق، الكتلة الشيوعية. يستخدم المصطلح اليوم غالبا لدلالة على البلدان النامية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا / أوقيانوسيا.

تبنت العديد من الدول الفقيرة هذا المصطلح لوصف نفسها.

على مر السنين، أصبح معنى المصطلح كلمة مرنة. حيث يستخدم مصطلح العالم الثالث لوصف البلدان ذات الظروف المتدنية أو المتخلفة أو ضعيفة الأداء في مجالات معينة والتي هي في حاجة ماسة إلى التنمية.

يقظة المستعمرين

في سنة 1945، بعد القصف النووي الرهيب الذي تعرضت له هيروشيما وناكازاكي، انتهت الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد خمس سنوات من المعارك العنيفة التي أدت، في نفس الوقت، إلى «إعادة توزيع الأوراق» في العالم، وإلى تغيير جذري في العقليات. حصل ذلك بالأخص لدى الشعوب التي استعمرتها القوات الأوروبية الكبرى، وأهم هذه القوات: بريطانيا العظمى، فرنسا، بلجيكا، وهولندا، أما إسبانيا والبرتغال اللتان كانتا في منجاة من الحرب، فقد كانت لهما أيضا «ممتلكات» لا تخلو من أهمية فيما وراء البحار.

وخلال هذه الحرب المهولة رأت الشعوب الملونة في البلدان المستعمرة أن المستعمرين البيض قد أهانتهم الهزيمة هم أيضا لمدة ما. وشاهدوا كذلك هذه الأمم المسيطرة وهي تصارع بضراوة للدفاع عن نفسها، أو لاستعادة حريتها المهددة أو المفقودة، واعتبروا آنذاك أنه حان الوقت بالنسبة لهم هم أيضا لانتزاع حريتهم السليبة.

وكان مؤتمر باندونغ الذي مكنهم من إيصال صوتهم إلى العالم، قد سبقه، قبل الحرب الأخيرة، لقاءان من نفس النوع، كانا يحملان دلالة هامة. ففي بيرفيل، سنة 1926م، ندد الوفد الهندي في المؤتمر العالمي للسلم بـ «اتحاد جميع القوات الأوروبية لاستغلال آسيا ولإخضاع شعوب أخرى». وفي بروكسيل، سنة 1927م، جمع مؤتمر الشعوب المضطهدة كل القادة الوطنيين الأوائل للعالم الثالث، ومن بينهم الهندي جواهر لال نهرو. وقد انبثقت عن هذا اللقاء فكرتان أساسيتان:

  1. أن الاستعمار الأوروبي يمكن أن يجد خلفا له في الإمبريالية الأمريكية؛
  2. ثانيهما أن تحرر الهند يمكن أن يكون مقدمة لاختفاء الإمبراطوريات الاستعمارية الأخرى.

وكان هذا التنبؤ الأخير واقعيا جدا فقد دق استقلال الهند، سنة 1947م، ناقوس الخطر بالنسبة إلى الاستعمار. وفي يوم 23 مارس من نفس السنة، اجتمع مئتان وخمسون مندوبا، قادمين من خمسة وعشرين بلدا أسيويا في مدينة نيودلهي. وخلال هذا الاجتماع تم ترسيخ تضامن الشعوب الإفريقية الأسيوية. وهو تضامن تجلى، لأول مرة، يوم 23 يناير 1949م، حينما حاولت هولندا، بالقوة، إعادة النظام الاستعماري إلى الأراضي الأندونيسية، هذه “الهند الهولندية” التي كان سوكارنو قد أعلن استقلالها منذ شهر غشت 1945م، غداة استسلام اليابان.

وفي نفس الوقت، تشكلت بالأمم المتحدة المجموعة الإفريقية الآسيوية التي كانت مكونة في البداية من اثنتي عشرة دولة، ثم من أربع عشرة دولة (بعد أن انضمت إليها إثيوبيا وليبريا في الأخير)، ومن ثمة كان لابد أن تستخلص المبادئ المشتركة: مناهضة الدول الاستعمارية الغربية، ورفض الانحياز لإحدى القوتين (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) اللتين كانتا آنذاك في أوج الحرب الباردة.

مؤتمر باندونغ

في يوم 18 أبريل 1955م بدأت بباندونغ (أندونسيا) أشغال المؤتمر الذي سيستمد اسمه من هذه المدينة. وكانت أربع وعشرون دولة، بعضها لم يحصل على استقلاله إلا منذ مدة وجيزة، ممثلة فيه بـ 600 مندوب، وقد حضر المؤتمر إضافة الى ذلك، عدد كبير من الملاحظين الوافدين من بلدان كانت لا تزال تحت الاحتلال من بينها المغرب، والجزائر، وتونس، وقبرص، وفلسطين.

بينما لم يحضر أي وفد من إفريقيا الجنوبية، وصين تشان كاي تشيك (التايوان حاليا)، والكوريتين، اللتين لم تكونا قد تخلصتا بعد من تأثير سنتين من حرب الشمال ضد الجنوب، وقد شاركت في مؤتمر باندونغ البلدان التالية: أفغانستان، المملكة العربية السعودية، الكمبودج، جمهورية الصين الشعبية، غانا، مصر، إثيوبيا، العراق، إيران، اليابان، الأردن، اللاووس، لبنان، ليبريا، ليبيا، النيبال، الفلبين، السودان، سوريا، تايلاند، تركيا، الفيتنام الشمالية، والفيتنام الجنوبية، اليمن.

والواقع أن هذه الدول المشاركة لم تكن متجانسة في شيء. فبعض المشاركين في المؤتمر كانوا مرتبطين بالغرب بواسطة اتفاقيات عسكرية. وكان آخرون، حول نهرو، يدعون إلى حياد صارم. وهناك، في الأخير، من كانوا يتجهون بنظراتهم، بتعاطف، نحو الصين الشعبية، تلك القوة الصاعدة، وكذلك نحو الاتحاد السوفياتي الذي كان «استعماره» لمنغوليا ولجهات أخرى، مع ذلك، موضوع تنديد في هذه المناسبة.

وكان الرابط الرئيسي الذي يجمع بين هذه الدول يكمن خصوصا في الإرادة الراسخة التي كانت تحرك الجميع، والمتمثلة في الإشعار بوزنها السياسي في العالم، وفي إيصال صوتها إلى «لكبار». وكان للبيان الختامي الذي تمت تلاوته والمصادقة عليه بالإجماع صدى عالمي. فلأول مرة، أرادت الشعوب المستعمَرة المكونة لـ العالم الثالث، ومن بينها تلك التي تسمى عادة بـ «الشعوب الملونة» أن تؤكد أنها وضعت حدا لتبعيتها ولوضعيتها الدونية. وللحصول على انعتاقها قررت أن تعطي لنفسها الوسائل الاقتصادية:

  • بالزيادة، لصالحها، في المعونة الثنائية أو المتعددة الأطراف التي تتلقاها من البلدان الغنية.  
  • بإقامة تعاون متزايد مع الهيئات الدولية، سواء أكانت سياسية مثل هيئة الأمم المتحدة، (التي طلب منها إنشاء صندوق خاص للتنمية)، أم اقتصادية، مثل البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD).

ولنفس الغرض، صاغ المؤتمرون مطلبا جوهريا يتعلق بالمطالبة باستقرار أسعار المواد الأولية بصفتها أحد مواردها الرئيسية، وهي أسعار تخضع خضوعا تاما لقانون العرض والطلب.

درجات من التخلف

للتخلف درجات، مادامت جميع البلدان التي تعاني منه ليست متخلفة بنفس الكيفية. ولأجل ذلك تم تصنيف أربع مستويات.

  • في الطليعة، توجد البلدان التي خرجت من التخلف. مثل اليابان، ومعظم بلدان أوروبا الشرقية.
  • دول أوروبية نصف متقدمة، وهي دول تسير في طريق التقدم بوتيرة قارة إلى حد ما، كيوغسلافيا السابقة، إسبانيا، البرتغال، اليونان، إيرلاندا، إيسلندا؛ وبالشرق الأوسط، إسرائيل.
  • البلدان السائرة في طريق النمو، وهي بلدان تتقدم ببطء، ولكن بشكل أكيد، مثل الصين أو البرازيل. أو البلدان التي عرفت تراجعا مؤقتا، مثل الأورغواي، والدول التي تبذل كل ما استطاعتها للخروج من وضعية التخلف مثل الهند، ومصر، والمغرب والجزائر، إلخ.
  • الأمم التي هي تحت مستوى الدول الفقيرة والمكونة للعالم الثالث والعالم الرابع، والتي تسد رمق عيشها بدخل بائس يقل عن 1000 دولار للفرد في السنة (للمقارنة نشير إلى أن الدخل الأوربي يقارب 20000 دولار أو أكثر).

الخاصيات الرئيسية لتخلف دول العالم الثالث

بماذا يعرف تخلف بلد ما؟

فيما يلي ما يمكن أن يطلق عليه جذاذة وصفية لخصائص دول العالم الثالث:

  • فلاحة بدائية، لا تكفي حتى لسد الحاجيات المعيشية الدنيا.
  • بنيات اجتماعية عتيقة.
  • صناعة واهنة، أو غير موجودة بتاتا.
  • أمية شاملة: نصف مليار من الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة، و783 مليون راشد لا يعرفون القراءة والكتابة. وهذه الأرقام تقل دون شك عن الأرقام الحقيقية.
  • نمو ديمغرافي انفجاري؛ إذ كلما ازدادت البلدان فقرا، زاد عدد سكانها بسرعة أكبر. ففي العالم، تبلغ نسبة معدل النمو بفائض المواليد على الوفيات %1.9، وإذا ظل هذا المعدل على حاله، فإن ساكنة الأرض ستتضاعف كل سبع وثلاثين سنة، الشيء الذي سيوصل الكثافة السكانية إلى فرد واحد في السنتيمتر المربع قبل سنة 3000! أما في كوستاريكا، البلد المتخلف الذي تبلغ فيه نسبة التكاثر السكاني %4، فإن عدد السكان يتضاعف كل ثماني عشرة سنة. وإذا استمر الأمر على ما هو عليه، فإن عدد سكانها سينتقل من 1.7 مليون إلى 75 مليونا في قرن واحد!

ما تم القيام به

ليس من قبيل الإنصاف أن نتغاضى عن المبادرات المتخذة والأعمال التي شرع فيها لمحاربة التخلف، ولنعد قليلا إلى الوراء. ففي سنة 1945م، وأمام المشكل المخيف الذي كانت تطرحه أوروبا المدَمَرة، أطلقت الولايات المتحدة مخطط مارشال «ضد الجوع، والبؤس، واليأس، والفوضى»، وهكذا تجمعت خمس عشرة دولة غربية في إطار المنظمة الأوربية للتعاون الاقتصادي (O. E. C. E) لتلقي هذه «الهبة» واقتسامها واستعمالها بكيفية رشيدة. وخلال أربع سنوات فقط، ساعدت 20 مليار دولار بلدان أوروبا غير الشيوعية على الخروج من الأزمة.

غير أن بؤس العالم الثالث عوض أن تخف حدته، أصبح، على العكس، مأساويا. وهكذا تحولت المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي، سنة بعد ذلك، إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (O. C. D. E) التي تهدف إلى زيادة وتنسيق معونة الدول الفقيرة. لكنها لم تبق وحيدة في هذا المضمار. إذ قامت مؤسسات أخرى بالتصدي لهذا المشكل، ومن بينها:

  • لجنة المعونة للتنمية (CAD) المكلفة بإعانة وتنوير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وكانت الدول الست عشرة الأغنى في العالم غير الشيوعي آنذاك، تشارك في هذه اللجنة، كما أن لجنة السوق المشتركة التي كان إنشاؤها حديثا (1958)، كانت ممثلة فيها بصفتها مؤسسة أوروبية.  
  • الرابطة المشتركة بين الحكومات لإعانة الهند، والباكستان، واليونان، وتركيا.
  • البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية، والذي يمنح القروض للدول أو للمؤسسات الخاصة التي تضمنها هذه الدول.
  • أبناك أخرى مختلفة، بعضها تابع للبنك الدولي لإعادة البناء والتنمية، والأخرى تقوم بأنشطة «جهوية»، أي تشمل جهات واسعة من العالم. ويمتد سعر فائدة السلف من %0,75 على خمس سنوات إلى %7 في السنة. وتجدر الإشارة إلى أن وكالة التنمية الدولية (A. I. D) تقرض بفائدة %2,5.
  • البنك الدولي للتعاون الاقتصادي، المنبثق عن دول الشرق الأوربي.
  • هيئة الأمم المتحدة ومختلف برامج المساعدة التابعة لها، ومنها اليونسكو.
  • الدول الصناعية نفسها، وقد أبرمت عدة اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف.
  • الدول الأوربية الست التي كونت فيما بعد المجموعة الاقتصادية الأوربية (C. E. E) مع الامتيازات التي منحتها لثماني عشرة دولة إفريقية ناطقة باللغة الفرنسية، ومنها مدغشقر (اتفاقية ياوندي الموقعة في عاصمة الكاميرون…)
  • الاستثمارات الخاصة، العديدة والمهمة، والتي نادرا ما تكون غير مغرضة. وهي تحت أشكال وصيغ مختلفة: معونات، معونات مشروطة، (ضرورة شراء منتجات “المحسن” بمال القروض أو الهبات)، هبات مساعدة تقنية، وهي استثمارات اعتبرت على ما يبدو، كمصدر متنوع للثروة بالنسبة إلى بلدان العالم الثالث، أو البلدان السائرة في طريق النمو.

مالم يتم القيام به

بالرغم من كل ذلك، بقي العالم الثالث في وضعية يرثى لها. وهي وضعية يمكن تلخيصها باقتضاب على الشكل التالي:

  • كانت القروض المالية التي تبلغ مقادير خيالية، أي نحو 60 مليار دولار، قد أغرقت البلدان الفقيرة في الديون. ففي سنة 1966، كان سداد الفوائد قد بلغ، آنذاك، 4 مليار دولار في السنة. ومنذ ذلك الحين، كانت كل معونة جديدة، تمتصها، في الغالب، فوائد وفواتير الديون التي تم الحصول عليها في السنوات السابقة.
  • أما في مجال محاربة الأمية، فقد كان الفشل مأساويا. إذ بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها اليونسكو، على وجه الخصوص، فإن 25 مليون راشد ينضافون كل سنة إلى صفوف الأميين.
  • في مجال التجارة الدولية تراجعت حصة البلدان الفقيرة بشكل كبير. وما زلنا نتذكر المطلب، المعقول جدا، الذي رفعه المشاركون في مؤتمر باندونغ، والذي يطالب بالعمل على استقرار أسعار المواد الأولية. بيد أن العكس هو الذي حدث. ففي سنة 1913 كانت حصة البلدان المتخلفة في المبادلات العالمية، بالنسبة إلى القيمة، تبلغ نسبة %21، وفي سنة 1948، ارتفعت النسبة إلى %31 وبعد ذلك تدهور كل شيء، ففي سنة 1953 انخفضت هذه النسبة إلى %21 لتنزل إلى %19 سنة 1966..
  • كان التطور المتسارع للدول المصنعة قد جعل المنتوجات الصناعية أكثر جودة، وبالتالي أكثر غلاء. بينما تفقد المادة الأولية الطبيعية قيمتها، لتحل محلها، عموما، منتجات تعويضية، مثل المطاط التوليفي أو الألياف الاصطناعية. وبذلك أصبحت مقاومة العالم الثالث تتقلص نتيجة المنافسة الهائلة وأضحت التجارة العالمية بين أيدي البلدان المصنعة بنسبة مهمة بلغت ثلاثة أرباع.

ما يجب القيام به

يتبين بوضوح مما سبق، أن برنامجا أدني من الإجراءات والجهود قد بات ضروريا حتى لا تتجه الوضعية نحو كارثة أعظم. وفي هذا الصدد، كان من المفروض على الولايات المتحدة أن تقدم للبلدان العالم الثالث الفقيرة معونة دون مقابل، وفي جميع المجالات، وهذا ما كانت تقوم به جزئيا المجموعة الاقتصادية الأوربية سابقا والاتحاد الأوربي حاليا.

وبإمكان الولايات المتحدة، على الخصوص، أن تشجع سياسة تحديد النسل. إضافة إلى ذلك، على الدول المتقدمة أن تشجع نظاما اقتصاديا جديدا مبنيا على توزيع الثروات العالمية توزيعا أكثر عدلا. وفي هذا الإطار، فإن مؤتمر “الشمال والجنوب” الذي جمع، سنة 1976، ممثلين عن الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو، قد شكل خطوة أولى، بالرغم من أن حصيلته المباشرة وحصيلة المؤتمرات اللاحقة تبقى مخيبة للآمال.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق