التاريخ الاقتصادي

تاريخ البنوك في العالم.. تعرف على نشأة البنوك وتطورها

لقد امتزج تاريخ البنوك في العالم بتاريخ التجارة، وذلك منذ الزمن الذي كان فيه الصرافون الأوائل يشتغلون على المصاطب، إلى حين ظهور الفروع البنكية الفخمة في القرن العشرين.

تاريخ نشأة البنوك في العالم

ظهر مصطلح بنكي (المشتق من كلمة “Banc” التي تعني “مصطبة”) حوالي القرن الثامن، وكان هذا المصطلح يدل، بصفة عامة على يهود كانوا ينتقلون من بلدة إلى أخرى لبيع بعض السلع، وللقيام بعمليات الصرف لصالح بلديات أو أمراء، على وجه الخصوص.

وقد بقيت هذه الممارسة بمثابة الشغل الرئيسي لرجال المال طوال قرون عديدة، لأن التبادل التجاري لم يكن يعرف نشاطا كبيرا. وذلك حتى الفترة التي بدأ فيها عهد اللومبارديين (Les Lombards) الذين كانوا تجارا ومرابين في نفس الوقت، وكانوا يستقرون في مدن عديدة، ويتحكمون في مجموع الأنشطة التجارية.

ولذلك تحولوا، بسرعة كبيرة، إلى أشخاص ذوي نفوذ، على الصعيد التجاري والمالي، ولهذا السبب منحهم الأمراء امتیازات عديدة كانوا يردون عليها، في المقابل، بمنح هؤلاء الأمراء قروضا نقدية هامة، وكثيرا ما كان يتم تكليفهم بتقويم حسابات المدينة أو حسابات الأعيان.

ويعتبر اللومباردیون، عن حق، أسلاف البنكيين المعاصرين، غير أن القرن الثاني عشر شهد حدثا آخر أعطى للمهنة ازدهارها الحقيقي، هذا الحدث هو الحروب الصليبية.

فبفضل هذه الحملات، والحاجات التي خلقتها في الغرب، وبفضل تدفق الذهب والفضة الناجم عن الغزو، ازدهرت التجارة والصناعة ازدهارا كبيرا. وبموازاة ذلك، تعددت الأبناك وتخصصت، وانتهت إلى السيطرة على مجموع الحياة الاقتصادية.

القرون الوسطى: نشأة البنوك

كانت المعارض تشكل في ذلك العصر أهم المراكز التجارية، ففيها يفسح المجال لتبادل العملات. وبالتالي لم يكن من المستغرب أن يتردد البنكيون على المعارض قصد تسهيل هذه العمليات المختلفة. وقد انتهى الأمر بهؤلاء البنكيين، إلى أن صاروا منظمين لجميع عمليات التبادل وكانوا، إضافة إلى ذلك، يقدمون للتجار المال الضروري لمشترياتهم.

هكذا كان البنكيون يشتغلون في البداية كلا على حدة، ثم تجمعوا بعد ذلك داخل تعاونيات حرفية قوية، وذلك بهدف التقليل من المخاطر، ولتغطية عمليات أكثر أهمية. ومع ذلك، فإن انحطاط المعارض في نهاية القرون الوسطى قد وضع حدا لهيمنتهم. ومنذ ذلك الحين بدأت الأبناك الخاصة تزدهر.

فرسان الهيكل وتطور البنوك

تجدر الإشارة، في البداية، إلى أن النشاط الأصلي لهذا النظام الديني والعسكري (فرسان المعبد)، الذي تأسس في القدس سنة 1108، كان يتمثل في حماية الحجاج المسيحيين. لكن بفضل العديد من الهبات والامتيازات، جمع الهيكليون أو فرسان الهيكل (Les Templiers)، بسرعة، ثروة ضخمة تم تكريسها بعد ذلك للأنشطة البنكية. فقد كانوا يقدمون الأموال للملوك للقيام بحملاتهم الصليبية، كما كانوا يؤجرون خزائن منيعة للأثرياء، ويتلقون ودائعهم.

إلى ذلك الوقت، كانت العمليات المالية تقيد في دفاتر الحسابات وقت إجرائها، لكن الهيكليين قاموا بالتجديد في هذا المجال، وذلك بتقييد کل مقبوضات اليوم في صفحة، وتسجيل جميع عمليات سحب الأموال في صفحة أخرى، وبذلك وضعوا أمامهم صورة دقيقة لحسابات اليوم.

لكن قوتهم المالية جلبت لهم حسادا عديدين. ففي سنة 1307 أقام ملك فرنسا، فيليب لوبيل، دعوى قضائية شهيرة ضدهم، فتم سجن رؤسائهم أو إعدامهم، وبعد ذلك ببضع سنوات، حل البابا نظامهم الرهباني.

أما أولى الأبناك الخاصة فقد ظهرت في إيطاليا، الواقعة عند بوابة التجارة مع الشرق. ففي سيان وفلورانسا شكل تجار الأجواخ ما يسمی بـ “شركات البنك”. وقد كانت هذه الشركات مكونة من أعضاء ينتمون لعائلة واحدة، مع إمكانية اشتراك بعض الأصدقاء معهم فيما بعد، وهي بذلك تحافظ دائما على أسماء المؤسسين لها. ومن بين هذه الأسماء نكتفي بذکر : آل باردي (Les Bardi)، وآل بيروزي (Les Peruzani)، وآل طولومي (Les Tolomei).

آنذاك، فتحت هذه الأبناك وكالات لها في جميع مدن أوربا، وفيها كانت تتلقى ودائع الأثرياء الأعيان وتستثمرها بمنح قروض بفوائد.

البنوك في عصر النهضة

نما هذا الشكل الجديد من النشاط خلال عصر النهضة. لكن بعد اكتشاف العالم الجديد وثرواته اللامحدودة، بلغت المعاملات التي قام بها البنكيون نسبا لم يصل إليها أحد من قبل، وأصبح رجال المال، بالتالي، بمثابة الملوك الحقيقيين لذلك العصر.

وهكذا لم يحصل شارل الخامس على تاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلا بفضل البنكي الألماني يعقوب فوجير الذي منح الناخبين مبلغا ماليا من أجل محاربة ترشيح فرانسوا الأول.

إضافة إلى ذلك، أفاد من هذا الإثراء جميع طبقات السكان تقريبا. وقد انتبه رجال الأعمال الألمان، بسرعة كبيرة، إلى إمكانية توسيع حجم زبنائهم وأرباحهم باستجلاب ودائع المدخرين الصغار، وهكذا دخلت الأبناك بواسطتهم مجال الممتلكات العمومية.

العملة الورقية

منذ القرون الوسطى، كان البنكيون يسلمون للمودعين إيصالات أو شهادات إيداع. وكانت هذه الوثائق تسمح لكل شخص يتوفر عليها أن يسترد أمواله في أي وقت.

وفي نهاية القرن السادس عشر، وخصوصا في القرن السابع عشر، اتسعت ممارسة “التظهير” التي تسمح للمعني بالأمر بتسديد ديونه بواسطة هذه الورقة. وسرعان ما أصبحت هذه الطريقة شائعة بين الناس لدرجة أن كثيرا من المعاملات التجارية باتت تتم بواسطة هذه الوثائق.

وكان لشهادات الإيداع هاته، مع ذلك، عيب كبير يمنعها من التداول بحرية أكبر. فقد كانت منتجة لفوائد، ومعنى ذلك أن المستفيد من هذه الكمبيالة كان له الحق، ليس فقط في المبلغ المقيد على الورقة، بل وكذلك في الحصول على علاوة صغيرة.

ولتدارك هذه الحالة الواقعية عمل “بالمستوش”، مؤسس بنك ستوكهولم، على إصدار شهادات إيداع لا تمنح فائدة. وكانت أبناك إنجلترا واسكتلندة في الأبناك الأولى التي استفادت من هذا التجديد، وأدخلت عليه تحسینا، بإصدارها أوراقا لها نفس القيمة وتساوي وزنا محددا من معدن ثمين، وبذلك ظهرت العملة الورقية إلى الوجود.

البنوك في العصر الحديث

في القرن التاسع عشر تضاعف عدد أبناك التداول في جميع البلدان، ولم يكن أي منها يتمتع باحتكار إصدار العملة، حتى أن عددا كبيرا جدا من الأوراق البنكية كان يتم تداوله داخل كل دولة. وهذه هي، تقريبا، نفس الظاهرة التي كانت سائدة في العصور الوسطى حينما كان الأمراء يسكون عملاتهم المعدنية الخاصة.

لكن حوالي القرن الخامس عشر أصبح هذا الامتياز حكرا على الدولة. واستمر الأمر على هذه الحال إلى حدود النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين تم الاحتفاظ بسلطة الإصدار في كل بلد، لبنك واحد هو البنك المركزي.

ومع ذلك فإن «استبناك» المجتمع هذا يثير المشاعر، خصوصا بعد أن تكاثرت شبابيك الأبناك، خلال العقدين الأخيرين، في المدن الكبری ففي سنة 1970 كان يوجد 1200 شباك أتوماتيكي في فرنسا، والآن في المغرب مثلا يوجد أزيد من 8000 شباك أتوماتيكي في ربوع المملكة. كما يوجد اليوم 28 مليون حساب بنكي حسب ما أفاد به بنك المغرب.

وهكذا فإن البنك لم يعد مرتبطا بشكل خاص بالصناعة والتجار، بل يعود تدخل البنك في شؤون الخواص إلى تعميم الأجرة بصفتها نوعا من الدخل. فهناك، من جهة، العامل الذي يبحث عن طريقة سهلة لتدبير کسبه أكثر مما يبحث عن الادخار.

وهناك، من جهة أخرى، البنكي الذي يقدم خدمة سريعة، مقابل حصوله على حصة من هذه النقود التي هي أشد ما تطمح إليه النفوس:

“نقودك تهمني”

إن عدد الشيكات الضخم اليوم، كان من الممكن أن يؤدي إلى الاكتظاظ، لولا أن المعلوميات والتكنولوجيا قد سهلت معالجة هذه الكتلة الكبيرة من الورق.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق