التاريخ الإسلامي

جذور القضية الفلسطينية.. كيف تسرب الصهاينة إلى فلسطين

بقيت فلسطين كجزء من بلاد الشام تابعة للحكم العثماني إلى الحرب العالمية الأولى. ومنذئذ خضعت للانتداب البريطاني الذي تحالف مع الحركة الصهيونية، وعملا معا على إنشاء «الوطن القومي اليهودي» فوق أرض فلسطين. فعارضت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ البداية التسرب والتمركز الصهيوني بالمنطقة، كما نددت بالغزو الاستعماري للبلاد.

تسربت الصهيونية إلى فلسطين منذ نهاية القرن 19

دعا منظرو الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر إلى جمع شتات اليهود، وإحياء اللغة العبرية والعودة إلى أرض فلسطين للاستيطان بها. كما آمنوا بأن اليهود شعب واحد، دائم الوجود. وساعد كبار الرأسماليين اليهود المتفرقين في عدة دول أوروبية على إحياء الحركة الصهيونية، وتموينها بالأموال الكافية لتغلب على الصعوبات، ولتفرض نفسها فوق «أرض الميعاد».

وتحالفت الحركة الصهيونية الناشئة مع حكومات الدول الكبرى الاستعمارية، والتي تداخلت مصالحها مع مصالح الرأسمال الصهيوني، فسمحت بريطانيا لليهود وللمصالح الصهيونية بالاستيطان في فلسطين، في إطار تدخلاتها الاستعمارية في أراضي الامبراطورية العثمانية.

فأنشيء «المصرف الاستعماري اليهودي» بلندن، و «الصندوق القومي اليهودي» لشراء الأراضي وتسجيلها كملكية أبدية للشعب اليهودي. وفي مطلع القرن العشرين أقيمت «الشركة اليهودية» لتصفية أموال اليهود غير المنقولة والعمل على نقلها، مع رؤوس الأموال السائلة لبناء المساكن وشراء الأراضي وتنظيم التجارة بفلسطين. ورصد للشركة عند تأسيسها ما قدره 200 مليون دولار، واستقرت بلندن لتكون تحت الحماية القانونية لبريطانيا .

كما فتحت فروع للبنك «أنجلو-فلسيطني» في المدن الفلسطينية الرئيسية وفي كل من بيروت واستانبول، وأقيمت مدارس استعملت فيها العبرية لأول مرة. وسهر «مكتب فلسطين» التابع للمنظمة الصهيونية على عمليات الاستيلاء على الأراضي، واستيطان اليهود في مزارع تعاونية تحمل اسم «كيبوتزات».

وانتقل عدد اليهود المقيمين بفلسطين من 50 ألف نسمة عند نهاية القرن التاسع عشر إلى 150 ألف نسمة مع نهاية الحرب العالمية الأولى. كما انتقلت مساحة الملكيات الزراعية اليهودية من 25.000 دونم إلى قرابة 200 ألف دونم (دونم يعادل 1000 m2) . ومع ذلك لم يشكل اليهود المستوطنون لفلسطين سوي % 8 من مجموع سكانها، ولم يملكوا سوى % 2.5 من أراضيها. وقد اشترت المنظمات اليهودية الأراضي من الملاكين الغائبين ومن الحكومة العثمانية، التي كانت تبيع أراضي العاجزين عن أداء الضرائب من الفلاحين، وكذا من الملاكين الفلسطينين المسيحيين وبعض العائلات العربية المسلمة والمعدمة.

وساعدت الحرب العالمية الأولى الحركة الصهيونية، بوقوف معظم الأطراف المشاركة في الحرب إلى جانبها وتقديمهم الوعود لها مقابل دعم الاحتكارات الرأسمالية اليهودية لهذا الطرف أو ذاك، فانفردت بريطانيا بالمبادرة، وانساقت وراء ممكنات البرنامج الصهيوني في توطيد استراتيجيتها بالشرق العربي وإجهاض الحركة القومية العربية، ووراء السعي في الحيلولة دون احتواء الحركة الصهيونية من طرف الامبريالية الألمانية، ثم الاستفادة ممن استمالتهم من اليهود لنصرة قضية الحلفاء وخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ فأصدرت وعد بلفور في خضم الحرب وذلك يوم 2 نونبر سنة 1917.

إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وستبذل أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليا أنه لن يُسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى.

التوقيع : بلفور وزير خارجية بريطانيا

تعددت وسائل التمركز الصهيوني في ظل الانتداب البريطاني

توصلت الحركة الصهيونية منذ نهاية سنة 1918 إلى فرض قبول وعد بلفور من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وايطاليا واليابان. وخلال مؤتمر الصلح المنعقد في باريس طالب الصهاينة بأن يوافق الانتداب البريطاني في فلسطين على خلق دولة يهودية، فتضمن صك الانتداب ومعاهدة «سيفر» نص تصريح بلفور.

وبعد ثلاثة أيام من مؤتمر «سان ريمو» 1920، أعلنت بريطانيا انتدابها على فلسطين، وتعهدت في مقرراته بنهج سياسة إنشاء «وطن قومي لليهود» مقابل تعاون ودعم الصهاينة لها بفلسطين.

نورد هنا بعضا من بنود صك الانتداب، المقتبسة من كتاب «تطور القضية الفلسطينية 1976 / 1964»، لزياد الصغير:

المادة الثانية : تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وفقا لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك، وترقية مؤسسات الحكم الذاتي. وتكون مسؤولة أيضا عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس والدين.

المادة الرابعة : يُعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعا دوما لمراقبة الإدارة..

المادة السادسة : على إدارة فلسطين، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى، أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة؛ حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المعنوية للمقاصد العمومية.

المادة السابعة : تتولى إدارة فلسطين مسؤولية سن قانون الجنسية. ويجب أن يشتمل ذلك القانون على نصوص تسهل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقاما دائما لهم ..».

وتميزت السياسية الصهيونية – في ظل الانتداب البريطاني – بتوسيع مهام «الوكالة اليهودية». فقد تم استقطاب المنظمات اليهودية غير الصهيونية إلى الوكالة، وركز على المنظمات المتواجدة بالولايات المتحدة الأمريكية.

ونظمت الهجرة العمالية اليهودية نحو فلسطين، وتكلفت المنظمة الصهيونية بإعالة العمال المهاجرين خلال السنة الموالية من إقامتهم. كما تكفل «الاتحاد العام لليهود» (الهستدروت) بتشغيلهم. وتزايدت الهجرات اليهودية.

ومثل الاستيطان الزراعي الدعامة الأساسية للوجود الصهيوني بفلسطين، ومع ذلك لم تبلغ الملكيات الزراعية اليهودية سوى %7 من أراضي فلسطين عند نهاية عهد الانتداب.

ودخل الصهاينة في حركة تصنيع البلاد – على مستوى المستوطنات – حينها منحتهم سلطات الانتداب امتياز مد الكهرباء والبحث عن المناجم والمعادن والحصول على مشروع استغلال أملاح البحر الميت. وهكذا تمكنت، الصناديق القومية اليهودية فيما بين 1918 و 1936 من استثمار ما يقارب 40 مليون دولار.

كما تمكنت الشركات المحلية والأجنبية من توظيف قرابة 200 مليون دولار، استثمر نصفها في النشاطين الفلاحي والصناعي، حيث أنشئت أزيد من 4000 وحدة صناعية ارتفع معها عدد العمال اليهود ليصبح حوالي 3200 عامل.

وللتعجيل بقيام «الوطن القومي اليهودي» استغل الصهاينة تدهور الأوضاع في أوروبا بسبب الاضطهاد والتوسع النازي، وسعوا إلى المزيد من تأييد الرأي العام الدولي لهم بتشجيع هجرتهم والإسراع بتأسيس دولتهم. كما استفادوا من هذا الوضع لتسليح فرقهم (حراس المستوطنات) التي شاركت في الحرب الكبرى إلى جانب الحلفاء تحت اسم «فيلق اليهود». فعجلت كل هذه الظروف بتهييء الجو لقيام كيانهم فوق أرض فلسطين.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق