التاريخ الإسلامي

تدهور الامبراطوية العثمانية.. تعرف على أسباب سقوط الدولة العثمانية

واجهت الامبراطورية العثمانية منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر ظروف جديدة، حالت بينها وبين الاستمرار في عملية الفتح، مما انعكس بشكل سلبي على الأسس التي قامت عليها، وجعلها تدخل مرحلة من التدهور كان من نتائجها: تراجع حدود الامبراطورية وظهور حركات إنفصالية في المشرق العربي انتهت بسقوط الدولة العثمانية.

الدولة العثمانية من الصعود إلى الانهيار

نرشح لك قراءة تاريخ قيام الدولة العثمانية.. من إمارة إلى امبراطورية

التفوق الأوربي

عرفت البلدان الأوربية المواجهة للدولة العثمانية تطورات في سائر الميادين، أدت إلى تغيير ميزان القوى لصالحها، وعلى حساب الامبراطورية العثمانية :

في الميدانين السياسي والعسكري

تم حل معظم الصراعات التي شغلت أوربا طيلة النصف الأول من القرن السادس عشر، مما مكن النمسا من التفرغ لحرب الدولة العثمانية، وساعد على ظهور تحالفات بين الدول المسيحية لنفس الهدف، وأدى ظهور روسيا كقوة أوربية كبيرة منذ أوائل القرن السابع عشر إلى فتح جبهة جديدة ضد الدولة العثمانية في حدودها الشمالية الشرقية.

کما حققت الجيوش الأوربية تطورا كبيرا سواء في ميدان الأسلحة أو في ميدان التنظيم العسكري وأساليب التحصين، أدى إلى وضع حد لتفوق العثمانيين في هذا المجال.

في الميدان الاقتصادي

أدى التطور الذي حققته أوربا في ميدان التقنيات التجارية والمالية والصناعية، ووفرة المعادن الثمينة المتدفقة عليها من العالم الجديد (أمريكا)، إلى ربط مناطق شاسعة من المعمور بأسواقها بعلاقات تبادل مباشر وغير متكافيء، خاصة بعد التحول الذي عرفته الطرق التجارية العالمية منذ القرن الخاميس عشر.

تعثر حركة الفتوحات العثمانية

ارتبطت قوة الدولة العثمانية منذ البداية بالفتوحات، لما كانت تقدمه من فرص التعبئة وتأطير مختلف قوى الدولة وتدره من مكاسب، وعندما تعثر سير هذه الفتوحات، بعد أن أصبحت الدول الأوربية تكوِّن حاجزا قويا أمامها، بعد منتصف القرن السادس عشر، تضررت كل الأسس التي قامت عليها قوة هذه الدولة.

تفسخ ركائز الدولة العثمانية

الاقتصاد

أدى التطور الذي حققته أوربا في الميدان الاقتصادي إلى تحول التجارة العثمانية معها من تجارة عبور (ترانزیت) كانت تدر أرباحا طائلة على الامبراطورية، إلى تجارة تقوم على تبادل مباشر بين المواد الأولية العثمانية القليلة الثمن، والمواد الأوربية الغالية الثمن، وبالإضافة إلى ما نتج عن ذلك من تقليص الموارد الدولة، فقد أدى إلى الإضرار بالصناعة الحرفية للامبراطورية، وقد ساهم تعثر الفتوحات في استفحال هذا الوضع.

ونتيجة لنقص الموارد لجأت الدولة إلى إثقال كاهل السكان بالضرائب مما أضر بالتجار المحليين، كما أضر بالفلاحين الذين اضطر كثير منهم إلى هجر أراضيهم، فتحولت بسبب ذلك مساحات شاسعة من الامبراطورية إلى أراض موات فكان ذلك من أسباب حدوث مجاعات متكررة.

الجيش العثماني

أدى تلاشي أمل الحصول على الغنائم التي كانت توفرها الفتوحات إلى ميل السباهي إلى الاستقرار وتحويل إقطاعاتهم إلى أملاك وراثية دون أداء الخدمة العسكرية، مما عمل على تفكك نظام الإقطاع العسكري وعمل بالتالي على إضعاف الجيش.

كما أن نقص الرواتب التي كانت تقدمها الدولة للجيش الانكشاري أدى إلى السماح للانكشارية بالاشتغال بالتجارة وبامتهان حرف مختلفة وبالزواج، مما جعلهم يفقدون ما كانوا يمتازون به من انضباط وحيوية ويتحولون إلى عنصر شغب دائم داخل الدولة، ينظمون الانتفاضات ويتدخلون لعزل السلاطين والوزراء أو اغتيالهم.

إدراك وزراء السلطان لمدى الخطورة التي يمثلها وجود جيش متغطرس في العاصمة القديمة للامبراطورية.. جعلهم يحرصون بصفة أخص على الحطِّ تدريجيا من قوته .. لم يعودوا يرغمون أفراده على البقاء في ثكناتهم، بل بالعكس عملوا على تفريقهم، والسماح لهم بالعمل والاشتغال بأحط الأعمال مقابل دراهم معدودة، مما جعلهم يهملون استعمال الأسلحة وينسون كل الأفكار التي كانت لديهم عن الحرب…

مترجم عن بول ريكو Paul RICC0 تاريخ الوضعية الراهنة للامبراطورية العثمانية

الإدارة

بعد فترة التوسعات الكبری، ظهرت على الإدارة المركزية العثمانية بوادر الضعف. وقد استفحل هذا الضعف منذ القرن السابع عشر، حيث تعاقب على سدة الحكم سلسلة من السلاطين كان جلهم ضعيف الشخصية، فابتعدوا عن ممارسة السلطة الحقيقية، مما فتح المجال أمام تدخل الحريم في شؤون الدولة، وأدى إلى انتشار الفساد الإداري، من رشوة وبيع للمناصب؛ ونتيجة لذلك، أصبح للجيش الانكشاري دور كبير في عزل واختيار السلاطين.

غير أن الدولة العثمانية عرفت في هذه الفترة – مع ذلك – بعض الوزراء الكبار الذين استطاعوا أن يعيدوا إليها بعض هيبتها، وهم وزراء أسرة آل “كوبريلي”، التي استدعي رئيسها محمد کوبريلي لمنصب الصدر الأعظم لسنة 1656م.

نتائج تدهور الدولة العثمانية

تراجع حدود الامبراطورية العثمانية

رغم أن العثمانيين استمروا بعد سليمان القانوني في هجوماتهم على أراضي الدول الأوربية، إلا أن حملاتهم نادرا ما كانت تنتهي بانتصارات كبيرة، وانتهى بهم الأمر إلى التخلي عن قسم كبير من مكتسباتهم في مختلف الواجهات.

في الواجهة البحرية

مع أنهم أحرزوا انتصارات مكنتهم من انتزاع جزيرتي قبرص سنة (1570 م) وكریت (1668 م) من أيدي البندقية إلا أنهم تعرضوا أيضا لأول هزيمة كبرى في معركة ليبانتي Lepante البحرية سنة 1571م على يد أسطول أوربي كرد فعل لفتحهم قبرص.

في الواجهة القارية

تمكن العثمانيون من فرض الحصار على فيينا للمرة الثانية سنة 1683م، غير أنهم تعرضوا -إثر فشل هذا الحصار- لهزائم متتالية دفعتهم إلى توقيع معاهدة «کارلوفتز Karlowitz» سنة (1699) التي تشكل نقطة بداية تراجع العثمانين أمام الجيوش الأوربية المتحالفة، حيث تخلت بموجبها للنمسا عن معظم هنغاريا، کما تخلت عن أراضي أخرى لصالح روسيا وبولونيا والبندقية.

وبعد هزائم أخرى أمام روسيا منذ أواخر القرن السابع عشر، اضطرت إلى توقيع معاهدة «کوجك قينارجة» (1774م) التي حصلت روسيا بموجبها على الساحل الشمالي للبحر الأسود وعلى مكاسب تجارية وملاحية.

“قد تقرر لأجل منفعة الدولتين، سير سفنها وسفن تجارهما بلا مانع في جميع بحارهما، وتعطى الرخصة من جانب دولتي العلية إلى سفن روسيا وسفن تجارها بأن تتمتع بالتجارة في كل (المراسي) وكل محل بالوجه الذي أجازت دولتي العلية فيها لسائر الدول، وأن يمكثوا في المعابر والثغور المتصلة بالبحار المذكورة وفي عموم الموانيء والشطوط الساحلية من البحر الأبيض إلى البحر الأسود ومن البحر الأسود إلى البحر الأبيض”

مقتطف من معاهدة كوجك قينارجة عن محمد فريد بك “تاريخ الدولة العليه العثمانية”

وفضلا عن ذلك كله فرضت الدول الأوربية (فرنسا، انجلترا، هولندا وروسيا) على الامبراطورية العثمانية نظاما من الامتيازات مكنها من إقرار هيمنتها الاقتصادية على مختلف أقاليمها.

قيام حركات انفصالية في المشرق العربي

اقترن ضعف السلطة المركزية بظهور حركات انفصالية في البلاد العربية، ساعدت الأوضاع الداخلية في هذه البلاد على قيامها.

الأوضاع القائمة في البلاد العربية

اتسم الحكم العثماني في البلاد العربية بعدة سمات ساعدت على اضطراب الأحوال فيها بمجرد ظهور بوادر انحطاط الدولة، منها:

الاكتفاء بفرض سيادة إسمية على الولايات

من أهم مظاهرها تعيين وال عثماني، وسك العملة باسم السلطان، وإرسال الجزية السنوية، والدعاء للسلطان على المنابر، وقد اقتصرت سلطات الوالي (الباشا) على عدد محدود من المهام.

ونتيجة لذلك لعبت الطوائف التي تشكلت على مستوى الأقليات القومية والدينية دورا كبيرا في ميدان الخدمات الاجتماعية (التعليم، الصحة) والأنشطة الاقتصادية.

انتشار الفساد والظلم

لكون الولاة كانوا يشترون مناصبهم. فقد كان همهم الأساسي هو جمع أكبر قدر من المال قبل انتهاء فترة مـأموريتهم التي كانت لا تتعدى في الغالب سنة واحدة، مما طبع حكمهم بالفساد والظلم.

وبسبب ذلك كله ضعف التأثير السياسي للدولة العثمانية على أهالي الولايات العربية، مما ساعد على ظهور قوى محلية عرفت كيف تستغل ذلك، لتقود الثورة ضد السلطة المركزية وقد وجد بعضها التشجيع والمساندة من القوى الأجنبية

الحركات الانفصالية

ظهرت هذه الحركات في مناطق مختلفة من البلاد العربية وكان أهمها:

حركة فخر الدين المعْني الثاني: قامت في الشام وأدت إلى استقلال لبنان تحت حكمه وحكم عائلته ما بين 1585م و 1635م.

وددت أن أجعل (من لبنان) وحدة قومية لا انفصام لها، وكانت غايتي أن أراه عزیزا سیدا مستقلا له حدوده الطبيعية التي هی لسكانه أسباب العيش والتجارة والزراعة.

من رسالة لفخر الدين المعني

حركة الشيخ ظاهر العمر: وقد استطاع أن يبسط نفوذه على قسم كبير من فلسطين في أواخر القرن الثامن عشر.

وعندما قُضِيَ على هاتين الحركتين سقطت الشام تحت نفوذ الحاكم التركي أحمد الجزّار الذي عرف عهده بقسوة كبيرة في مواجهة الانتفاضات الشعبية المتعاقبة.

حركة علي بك الكبير في مصر: انتهز زعيم المماليك شیخ البلد علي بك الكبير فرصة اندلاع الحرب الروسية التركية ليعلن استقلاله سنة 1770م، وقد تحالف مع الشيخ ظاهر العمر، كما سعی بمعيته إلى الحصول على مساعدة روسيا، وعند انتهاء الحرب المذكورة، تم القضاء على هذه الحركة.

الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية: ظهرت هذه الحركة بزعامة محمد بن عبد الوهاب منذ أواسط القرن الثامن عشر في نجد، وكانت ترمي في البداية إلى إصلاح الشريعة ومحاربة البدع.

ثم تحولت الحركة إلى حركة سياسية تهدف إلى بسط نفوذها على الجزيرة العربية بعد تحالفها مع محمد بن سعود، شيخ إحدى القبائل النجدية، وقد تمكنت من السيطرة على بعض أجزاء الجزيرة العربية وامتد نفوذها شمالا لتهدد أراضي العراق والشام.

بسبب هذا التدهور الذي عرفته الدولة العثمانية، وبسبب النتائج التي تولدت عنه سيحتد الصراع والتنافس بين مختلف الدول الأوربية لاقتسام ممتلكاتها فيما يسمى في تاريخ الصراع الأوربي بالمسألة الشرقية والذي تمخض عن سقوط أجزاء من الامبراطورية تحت الهيمنة الاقتصادية، ثم السياسية لبعض هذه الدول.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق