بيوغرافيا

ماركو بولو: سيرة ورحلة مستكشف الشرق الأقصى..

سنة 1271، شد ماركو بولو الرحال إلى الصين، ولم يكن يعلم أنه سيمكث بها سبع عشرة سنة، وإذ عاد إلى فينيسيا، تحدث لمواطنيه عن العديد من العجائب… حد أنهم لم يصدقوه. ومع ذلك…

عائلة من التجار بفنيسيا

كان الزوار فينيسيا (البندقية) خلال العصر الوسيط أن يتملوا بجمال بيوت واقعة على حواف القنوات. وبعض تلك البيوت كانت قصورا بديعة. ولم تكن كلها في ملك أمراء أو عائلات أرستقراطية، بل كان يملكها في غالب الأحيان تجار أغنياء، إذ أن فينيسيا كانت، وقتها، بمثابة السوق الرئيسية لمنتوجات الشرق. وكانت عائلة ماركو بولو Marco Polo -وأصلها من دلماطية – تملك واحدا من هذه البيوت. وقد استقرت بفنيسيا سنة 1033.

الاخوة بولو

وفي بداية القرن الثالث عشر، رحل أندريا بول، أكبر الإخوة الثلاثة إلى القسطنطينية، ثم إلى القرم، حيث فتح متجرا، فقد كان يود أن تكون أسواق أرض التتر وبلاد فارس قريبة من مقر إقامته. وبقي آندريا على اتصال بأخويه ماتيو maffeo ونيكولو Nicolo، اللذين شدا الرحال بدورهما إلى بلاد الشرق لتعاطي التجارة، ثم الالتحاق بعدها بأخيهما الأكبر.

تمثال ماركو بولو Marco polo
تمثال الرحالة الايطالي ماركو بولو Marco polo

وعلى إثر نشوب حرب في روسيا الجنوبية، أغلق في وجههما سبيل العودة، فتوجها نحو الجنوب الشرقي. في طريقهما، التقى الأخوان بمبعوث الإمبراطور التتر، كوبيلاي خان أو قوبلاي خان (Kubilai Khan)، صاحب السلطة على إمبراطورية المغول mongol empire، التي كان قد أسسها جده جنكيز خان.

وكان ذلك الحاكم المستبد يود لو يعلم الكثير عن عادات الغربيين، فاستدعى الأخوين بولو للمثول بين يديه. وهكذا توجها على فرسيهما إلى قصر كوبيلاي الصيفي، وقد استقبلهما الإمبراطور بترحاب وحفاوة، وطرح عليهما أسئلة حول الملوك والأمراء والبابا.

العودة إلى فينيسيا

بعد عشر سنوات، عاد الأخوان إلى فينيسيا Venezia عام 1271. وقد علم نيكولو أن زوجته توفيت، وأن له ابنا في الخامسة عشرة يدعى ماركو، وهو فتى متين البنيان وجريء. كان الأخوان مكلفين بمهمة رسمية لدى البابا. وبالفعل، فإن قوبلاي خان كان قد بعث إليه برسالة ورد فيها :

«إذا بعثتم إلى بلاط بكين بمائة من رجال الكنيسة، وإذا تمكن هؤلاء من إقناع رهباني بمعتقداتهم، فسأعتنق المسيحية، أنا وكل التتر»

وكان والد ماركو وعمه قد قررا أن يؤديا مهمتهما. ولكن البابا توفي إثر وصولهما إلى بلاد الغرب. ولهذا عادا لفينيسيا Venice، علما منهما بأن انتخاب بابا جديد لم يكن بالأمر السهل. وكان عليهما أن ينتظرا سنتين لينتخب غريغوار العاشر في منصب البابا. وقد بلغاه رسالة إمبراطور التتر، ولكنه لم يبعث إليه إلا مطرانين، إذ بدا له من المبالغ فيه أن يرسل 100 راهب إلى بكين.

ماركو بولو والرحلة العجيبة

وعاد الأخوان إلى الصين، ليقوما بما كُلفا به، وليحملا قليلا من الزيت المقدسة من القدس إلى قوبلاي خان. واصطحبا معهما ماركو ومبعوثي البابا. وكانت بداية الرحلة سيئة، إذ هوجموا في بلاد العرب من قبل لصوص يبدو أنهم كانوا من المماليك. وقد توجس مبعوثا البابا شرا، فعادا على أعقابهما، تاركين لماركو وللأخوين بولو أن يحملوا رسائل البابا إلى كوبيلاي.

وقد وصل هؤلاء إلى تبريز، وقطعوا بلاد فارس، التي وصف ماركو بولو قراها ومهن أهلها :

«إنهم يصنعون في هذه البلاد عُدة الخيول، بشكل متقن وبديع، من لجم وسروج ومهاميز، كما يصنعون القسي أيضا والكنائن …»

كتاب عجائب العالم

ومروا بمدينة قرمان، ووصلوا إلى مدينة هرمز، الواقعة على بوابة الخليج العربي، عازمين على السفر عن طريق البحر حتى الصين الجنوبية، ولكنهم تراجعوا عن ذلك بعد أن أدركوا مخاطر السفر بحرا.

مغامرات ماركو بولو

انطلقوا، إذن، من جديد نحو الشمال الشرقي، متجهين إلى الصين. ثم إن الجماعة مرت بمحاذاة بلاد التيبت، وقطعت كشغار ويركند وخوتان. وبعد ذلك، واجه الأشخاص الثلاثة امتحانا عسيرا آخر، فقد كان عليهم أن ينطلقوا من كامبسيو (كان تشيو)، ويقطعوا صحراء غوبي المخيفة، التي كانت تسمى أيضا «بحر الرمال»، والتي توجد شمال غرب الصين.

هكذا وصل المسافرون الثلاثة إلى قصر كوبيلاي خان الصيفي الموجود بسياندو (شانغ تو)، والتحقوا بعدها بـ «كامبالوك» (بكين).

فنحن في سنة 1275، والرحلة دامت ثلاث سنوات ونصف السنة. وقد طال أمدها، حسب ماركو بولو، بسبب «الأحوال الجوية الرديئة وفترات القر الشديد». وقدم نيكولو ابنه إلى امبراطور التتر، قائلا :

«صاحب الجلالة، إنه ابني، والرجل الذي يلزمكم»

وسرعان ما ارتاح قوبلاي خان لوجود ماركو في البلاط، وقد تعلم هذا الأخير في فترة وجيزة، عدة لغات و أربعة أصناف من الكتابة، وتم تكليفه مهام مختلفة في العديد من مناطق الإمبراطورية، فأتيح له أن يطلع على عادات أهل البلاد، وأن يستكشف مناطق مجهولة.

وبعث بماركو سفيرا إلى الصين، فحل في بادئ الأمر، بشمال غرب البلاد. وتوقف بـ «يون نان»، التي بدا أنها أدهشته بثرواتها. فقد أشار إلى أنها تتوفر على الكثير من الذهب والحرير والمرجان.

اقرأ أيضا رحلة ابن بطوطة.. الرحالة المغربي العظيم الذي قضى 25 سنة من الترحال

وقد زار الرجل – الذي سيؤلف لاحقا «كتاب عجائب الدنيا» الصين الجنوبية، وكانت تتولى الحكم فيها سلالة سونغ، ثم حل في مهمة بالتيبت وبالهند بعدها، وبلغ حتى كوشينشين. وقد لبث في خدمة «الخان الأكبر» مدة سبع عشرة سنة، فيما كان والده وعمه منشغلين بأمور التجارة.

وحين غادروا الصين سنة 1291، كلفهم قوبلاي خان بمهمة أخيرة كانت تتطلب الاعتماد على أشخاص موثوق بهم. فقد طلب منهم أن يصطحبوا معهم أميرة صينية مخطوبة لملك بلاد فارس. ومضوا، أثناء عودتهم، عبر المحيط الهادئ ليتفادوا أعباء السفر برا، وقد انطلقوا من مرفأ لانعرفه جيدا (ولربما كان فوتشيو). ثم توجهت السفينة بماركو نحو بورنيو، وهي كما دكر:

«جزيرة تتميز بالثراء العظيم، فسكانها يملكون الفلفل الأسود، وجوز الطيب، وحب العروس، والقرنفل وسائر أنواع البهارات»

وهنالك جزيرة أخرى، هي سومطرة أثارت إعجاب الجماعة وخوفهم أيضا، فقد بدا أن سكانها من أكلة لحوم البشر!

بعدها أبحروا عبر خليج البنغال، ومحاذاة ساحل سيلان، الذي توجد به أجمل الأحجار الكريمة التي يمكن العثور عليها: الياقوت الأزرق والزبرجد والجمشت … وبعد أن مروا بساحل مالابار، توقفوا، فيما يبدو، بهرمز. ثم وصلوا إلى تبريز، والتحقوا بالقسطنطينية عبر طرابزون والبحر الأسود، ثم بلغوا، أخيرا، فينيسيا. وكانت الرحلة العجيبة قد انتهت.

خريطة رحلة ماركو بولو
خريطة رحلات ماركو بولو

حين وصل ماركو بولو إلى فينيسيا (1295)، كان قد بلغ الواحدة والأربعين. وكانت بلاده تخوض حربا ضد جنوى. وقد جهز من ماله الخاص سفينة شراعية حربية. وتولى الإشراف عليها بنفسه. ولكنه سرعان ما أسر، واقتيد إلى جنوة، وهنالك حكى مغامراته لأحد رفاقه في الأسر، وأملاها على كاتب يدعى روستبشيلو Rustichello، وقد استعاد حريته سنة 1299، وعين عضوا في المجلس الرئيس لفينيسيا. وعاش مع زوجته وبناته الثلاث حياة هادئة، إلى أن مات سنة 1324.

كتاب عجائب العالم

إنه لمؤكد، إلى حد بعيد، أن ماركو بولو ليس هو من اختار هذا العنوان للكتاب الأول الذي حرر بمدينة جنوى. فهذه التسمية قد أضيفت، بعد ذلك، من قبل الناسخين. وقد كانوا، في البداية، يضعون له عناوين مختلفة : «تصميم للعالم»، كتاب عجائب العالم» (Livres des merveilles du monde)، أو «كتاب ماركو بولو وعجائب آسيا». أما بالإيطالية فهو يُنعت بـ «المليون».

لم هذه التسمية ؟

لم يكن معاصرو ماركو بولو يثقون دائما بما يرويه الرحالة. وكانت الأرقام التي يوردها تبدو لهم مبالغا فيها. وقد أطلق بعضهم عليه اسم «السيد مليون»، من باب التهكم، وعلق هذا الإسم بعد ذلك بالكتاب.

فخلال القرن الثالث عشر، لم تكن الصين، على بعدها، مجهولة كلية من قبل معاصري الرحالة الإيطالي. وبالفعل، فهو لم يكن أول رجل من الغرب الأوربي يقوم بزيارة العالم الآسيوي ووصفه. فقبله، كان هنالك مستكشفون قد تغلغلوا في آسيا، مثل بلانكاربان وريبروك. ومع هذا، فإن ماركو بولو هو الذي جعل أهالي البلاد الغربية يتعرفون إلى الصين.

اقرأ أيضا فرناندو ماجلان.. كل ما تحتاج معرفته عن المستكشف البرتغالي

لقد اندهش ماركو بولو إذ لاحظ أن شؤون ذلك البلد مسيرة جيدا، ولاحظ أن ثمة طرقات تحفها الأشجار، تمتد من إقليم إلى آخر. وتلك الأشجار هي بمثابة صوى يهتدي بها المسافر عبر المناطق الصحراوية. وتفصل بينها مسافات معينة، كما أنها ترى من بعيد.

وقد وصف بولو البلاط ومدينة بكين بإسهاب. وعلى سبيل المثال، فقد لاحظ أن لكوبيلاي أربع نساء يوجد تحت إمرة كل منهن 10.000 شخص، أما كوبيلاي نفسه، فيحرسه 12.000 فارس.

والتجارة هي النشاط السائد في تلك العاصمة البعيدة . فهنالك 200 قرية تحيط ببكين. وسكان تلك القرى يجلبون مختلف المنتوجات إلى أسواق العاصمة. وقد لاحظ ماركو بولو باندهاش أن المشترين لم يكونوا يؤدون ثمن البضائع نقدا معدنيا، ولكن كانوا يقدمون مقابلها قطعا من الورق المقوى. ذلك أن «الخان الأكبر» كان قد فرض استعمال أوراق نقدية مصنوعة من لحاء أشجار التوت. وقيمة كل ورقة -تحمل الخاتم الامبراطوري- تتحدد حسب حجمها. واستعمال هذه الأوراق واجب في كل المناطق التابعة لإمبراطورية الخان الأكبر.

وفي بكين، كان هنالك نوع من بنك الدولة، يقدم للتجار تلك الأوراق النقدية مقابل الذهب والفضة واللآلئ والأحجار الكريمة. كان ماركو بولو ملاحظا ثاقب النظر للحياة الاقتصادية في الصين. وقد أدهشته المكانة الاقتصادية الراسخة للمدن، وكثافة السكان كذلك. وتحدث أيضا عن طرق عيش السكان وعن عاداتهم الدينية. ومن المحتمل أن يكون الغربيون قد تعرفوا إلى الفلسفة الهندية بفضله.

هذه إذن قصة ماركو بولو ولم يكن لكتابه تأثير كبير على الأذهان، فيما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، فقد اعتبره العلماء بمثابة رواية جيدة. ولم يشغف به القراء حقا إلا خلال عصر النهضة وكان أحد هؤلاء القراء يدعى كريستوف كولومبس. فقد انبهر بلألاء الذهب، من خلال قراءته للكتاب، ثم ملك عليه ذلك المعدن النفيس مشاعره. وفي إشبيلية، توجد نسخة «كتاب عجائب العالم» التي كان قد قرأها كولومبس. والملاحظ أنه كان يسطر كل مرة على كلمات «ذهب، فضة، لآلئ، أحجار كريمة».

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق