الصناعة التقليدية

الصناعات الحرفية المغربية في مصر

على امتداد التاريخ ظلت الأنشطة الحرفية مرآة الشعوب ومقياسا حقيقيا لرقيها الحضاري، وتعتبر الصناعات الحرفية التقليدية المغربية مرآة تعكس تراثا ضخما وقيما ثقافية وإنسانية مهمة مرتبطة بشكل مفصلي مع تاريخ وعادات الشعب المغربي، القائمة أساسا على التمازج المتبادل بين مكوناته البشرية، ولعل هذا ما يزيدها تنوعا وغني، فالصناعة التقليدية المغربية تعبر عن إبداعها بمجموعة من الأشكال والمواد المتنوعة من الخشب والجلد، إلى المعادن والنحاس، إلى النسيج والفخار وغيرها.

وقد قُدر لأبناء الجالية المغربية الذين استقروا في المدن المصرية، خلال العهد العثماني، أن يكون لهم دور المشاركة الفعالة في مجمل أنشطة الاقتصاد المصري المختلفة، سواء أكانت نشاطات تجارية داخلية أو خارجية، أم كانت نشاطات صناعية وحرفية، أو استثمارية.

وفي هذه المقالة سنحاول التركيز على الأنشطة والصناعات الحرفية للمغاربة في مصر من خلال الوثائق التاريخية لأرشيف المحاكم الشرعية المصرية، وقد أشار المؤرخ المصري عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم صاحب كتاب “المغاربة في مصر في العصر العثماني” أن الفرد المغربي يمارس المهنة التي كانت أسرته تمارسها في موطنها الأصلي بالمغرب، وهذا الأسلوب الذي كان يتماشى ومنطق نظام الطوائف الذي كان سائدا آنذاك، والذي كان يحرم دخول المهنة على غير أبنائها، إلا تحت شروط غاية في الصعوبة.

ولكن أبناء الجالية المغربية استطاعوا ومنذ مطلع العصر العثماني بمصر، أن يلجوا أبواب معظم الحرف المهنية والصناعية التي كانت سائدة بمصر آنذاك، وفي مختلف المدن المصرية، بل إنهم نقلوا إلى مصر حرفا جديدة، واحتكروا الاشتغال بها، واستطاعوا عن طريق احتكارهم لهذه الحرف التراثية، أن يكونوا رأسمال ضخم، وأن يلعبوا دورا هاما في حياة مصر الاقتصادية والاجتماعية.

الحرف الصناعية وارتباطها بالتجارة

حفلت سجلات المحاكم الشرعية في مصر بأسماء العديد من المغاربة الذين اقترنت أسماءهم بحرف معينة، وتتعدت الأمثلة في هذا الصدد.

حيث أشار المؤرخ المصري عبد الرحيم عبد الرحمن إلى دور المغاربة في تاريخ مصر الحديث وأورد العديد من الأسماء الذين اشتغلوا بحرفة الحياكة مثل لاثين مصطفى الخياط، أو بحرفة الدلالة مثل الحاج عبد القادر الدلال، والحلاقة حيث انتشر الحلاقون المغاربة في خط البندقيين، وتطريز الحرير مثل الحاج أحمد المغربي الحريري بخط التربيع، وعمل بعضهم بمهنة القبانة، وكذلك في عصر الزيتون، وصناعة الصابون، غزل وصناعة الأقمشة، صناعة الأحرمة، صناعة الشيلان والطرابيش المغربية، صناعة العطور، صناعة السكر، صناعة الأقفاص، صناعة الحصر، صناعة الأدوات الحديدية، دباغة الجلود، صناعة الأدوات الخشبية، النجارة، صباغة الملابس، صناعة المجوهرات والأحجار الكريمة، صناعة السروج، صناعة القزازة، صناعة المخلل، صناعة الملابس الصوفية والقطنية البلدي منها والرومي وحياكتها. وصناعة المنسوجات الكتانية بأنواعها، والسجاد.

تلك هي أهم الصناعات الحرفية التي اشتغل بها المغاربة، في القاهرة والإسكندرية والمدن المصرية الأخرى. وكان لهم الأوراش المتخصصة في هذه الصناعات وبخاصة في القاهرة، كما قاموا بتمويل بعض الصناعات التي كانت منتشرة بريف مصر لحسابهم الخاص، مثل غزل الصوف والقطن ونسجهما. حيث كانت النسوة في الريف يقمن بهذا العمل في وقت فراغهن من عمل البيت.

وقد كان المغاربة المتخصصون في هذه الصناعات الحرفية التقليدية، يتدرجون، في مراتب هذه المهن الطائفية طبقا لنظام الطوائف، من “صبى” في الصنعة إلى “أستا”، إلى “مْعْلّْمْ”، حتى وصل الكثير منهم إلى “مشيخة الطائفة”، سواء في الحي، أو في المدينة.

بل أن المغاربة نظرا لاحتكارهم بعض المهن، ولأهميتها الاقتصادية، أصبح لهم في بعض الأحيان، تنظيمهم الخاص بهم، فأبناء المهنة الواحدة من المغاربة، كان لهم شيخهم ونقيبهم، ووكيل لهذا الشيخ الذي يشرف على اشتغالهم بهذه المهنة، ويحصل الضريبة المفروضة على الطائفة، ويفض النزاعات التي بين أفرادها، ملتزما بقواعد المهنة:

أنه لا يحدث عليهم حادثة، ولا يجدد عليهم مظلمة وأنه لن يدخل في صناعتهم، أحدا أجنبيا

ويشير أرشيف المحكمة الشرعية بالقاهرة لاسم شيخ طائفة المغاربة بسوق طولون قرب منتصف القرن الثامن عشر وهو الحاج سْعيد، وكذا طائفة المغاربة بخط العدرية وشيخهم الحاج أحمد، بالإضافة إلى طوائفهم في أسواق الجملين والفحامين ووكالة الكحكيين وخطوط البندقية والأشرفية وباب الشعرية وقناطر السباع وبولاق القاهرة وطولون.

ومن الملاحظ من الوثائق أن الطائفة المهنية كانت تضم بين أعضائها أفرادا من معظم البلدان المغربية، فنجد منهم الفاسي، والجربي، والصفاقسى، الطرابلسي، التطاوني، المستغانمي، الجزائري، البنزرتي، والمراكشي، دون تفرقة، مادامت تجمعهم صفة المغربي، ولأن كثيرا من أصحاب المهن الصناعية من المغاربة كانوا يأتون بالصبية الذين يعملون في ورشهم من بلدان المغرب، ومع تنوع بلدانهم، إلا أنه عند اختيارهم للشيخ المتحدث باسمهم، كان يقوم على أساس اختيار الأفضل، دون التحيز لأبناء إقليم مغربي معين. مادام يبدي استعداده للالتزام بالشروط السالفة الذكر.

وبفحص سجلات المحكمة الشرعية، اتضح أن كثيرا من أصحاب هذه الصناعات الحرفية الإنتاجية وبخاصة المتخصصين في صناعات عصر الزيوت والصابون، والعطارة وصناعة الأسلحة والمجوهرات، التي أصبحت لها الوكالات المتخصصة في صنعها، قد أصبح لهم نفوذ اقتصادي قوي، وتمكنوا من تكوين ثروات ضخمة، لا تقل أهمية وضخامة عن ثروات فئة التجار، وذلك نتيجة لإدارتهم المحكمة وإشرافهم الدقيق على الصناعات، وتحكمهم في عمليات الإنتاج والتوزيع.

المغاربة و إدارة الصناعات الحرفية

إن النظرة في قائمة هذه الصناعات التي اشتغل بها المغاربة. واحتكروا بعضها، توضح أنها جميعها من السلع الاستهلاكية الضرورية، المرتبطة بحاجة الإنسان الأساسية من غذاء و كساء.

ولما كان إنتاج معظم هذه الصناعات، ملك لأبناء المغرب، فإنهم أحكموا إدارتها بصورة تحقق لهم الربح الوفير، ولا نعني بإدارة السلعة هنا التنظيم الطائفي، وإنما نعني به الإشراف والتحكم في الإنتاج والتوزيع، فالوثائق في كثير من نصوصها تطلعنا أن أصحاب هذه الصناعات من المغاربة، كان لهم أسلوبهم الخاص في تنمية هذه الصناعات وطرق توزيعها.

فمثلا صناعة عصر الزيوت. في وكالات عصر الزيوت بالقاهرة، كان صاحب المعصرة، يعمل على تحقيق أكبر ربح له، فهو إما يدير المعصرة بنفسه وبمساعدة أولاده، إذا كان له أولاد، أو يستعين ببعض الصبية والعمال الفنيين في هذه الصناعة.

وفي الغالب كانت هذه القوى العاملة من الأيدي المغربية الموجودة بالمدينة، وفي كثير من الأحيان، كانت تربطهم، رابطة الإقليم المغربي الواحد، فالفاسي كثيرا ما يستخدم أبناء بلدة فاس، و كذلك يفعل التطاوني وهكذا، والحرص على استخدام العنصر المغربي، رغبة في عدم تسرب أسرار المهنة إلى العناصر الأخرى ومن بينها المصرية، حتى لا تدخِل عنصرا منافسا لها في مهنتها.

و كان صاحب المهنة لا يلجأ إلى أفراد من خارج أسرته حتى من المغاربة إلا على نطاق ضيق، وعندما تعوزه الحاجة. وكان صاحب الصناعة ينتج من صناعته حسب طلب السوق المحلية، أو حسب طلبات التجار الكبار الذين كانوا يقومون بتصدير بعض هذه السلع المنتجة في مصر إلى بلاد المشرق العربي أو المغرب الكبير، أو البلاد الأوروبية، عندما اتسعت دائرة نشاطهم التجاري، وكان المنتج يقوم بتوريد إنتاجه إما إلى التجار الكبار ليقوموا بعملية التوزيع على تجار التجزئة أو لتصديره.

كما أن بعض هؤلاء المنتجين اتبع أسلوبا آخر إلى جانب الأسلوب السابق، يحقق له ربحا أوفر، وفي نفس الوقت فيه جانب تسهيل وتخفيف على المستهلك المحلي، وبخاصة أبناء الحي الذي توجد به ورشة الإنتاج. فكان المنتج يقوم بعمل تاجر التجزئة، فيفتح دكانا بجانب ورشته، يبيع فيه وتحت إشرافه كميات صغيرة لأبناء المنطقة.

كما وجد بعض أصحاب هذه السلع الذين كانوا يقومون بتوريد كميات كبيرة لقصور الأمراء والمماليك، ورجال الإدارة، وشيوخ العرب، ومن هنا كان هؤلاء المنتجون يقومون بنوع من الممارسة التجارية، أي قاموا بعملية الإنتاج و التسويق في نفس الوقت.

و بذلك أصبح الإشراف الفعلي على إنتاج السلعة وتسويقها، بيد صاحب الحرفة، منذ بداية المرحلة الأولى، من جلب المواد الخام. حتى إتمام تحويله على شكل منتجات سلعية، معدة للاستهلاك، والتصدير، فصاحب الحرفة هو مدير ورشة إنتاجه، وهو الرسام لخطة عملها، وهو المهيمن على تسويق سلعته.

وبناء على هذا الأسلوب ظلت الحرف المهنية تحتفظ بمستوى فني عال وبدقة مهنية راقية، حتى بدأ أسلوب إدارة الطائفة نفسه يتحلل، وتتسرب إلى طوائف المهن عناصر من خارج أبناء المهنة، فبدأ التدهور الفني يتسرب إلى منتجات السلع، منذ منتصف القرن التاسع عشر، فضلا عن منافسة المنتجات الأجنبية التي بدأت تتدفق على السوق المحلية، نتيجة لدخول الكثير من الدول الأوروبية عصر الثورة الصناعية، واستعمال الآلة في إنتاج كثير من السلع.

ومما  تجدر الإشارة إليه والتأكيد عليه، أن هذه المنتجات الحرفية في مصر خلال العصر العثماني نتيجة لمحافظتها على مستواها الفني، قد أصبحت لها شهرتها المحلية والخارجية في الأسواق العربية والأوروبية، حتى المنتجات التي كانت تجد منافسة كبيرة، من منتجات أجنبية أخرى، مثل صناعة الأقمشة التي كانت تجد منافسة من الأقمشة الهندية والرومية على حد تعبير الوثائق، التي تقصد المنتجات الآتية من المناطق الأوروبية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، فإن المنتج محليا من الأقمشة والملابس، كانت له شهرة واسعة، وبخاصة ما ينتجه المغاربة، مثل الأحرمة المغربية و الشيلان المغربية التي كانت لها آنذاك شهرة لا تعادلها شهرة.

جانب آخر يتعلق بإدارة وتسويق الإنتاج، هو جانب الدعاية، فقد وجد “دلالون متخصصون” لكل سلعة من السلع وكان هؤلاء يقومون بدور الدعاية للسلع التي يعملون على ترويجها وكان هؤلاء في نفس الوقت يحققون ربحا ذاتيا لأنفسهم، فهم في الغالب يقومون بتوزيع هذه المنتجات في الشوارع وعلى البيوت، ويعقدون علاقات تجارية مع الأسر، حيث كانوا في كثير من الأحيان يبيعون للأسر التي يتعاملون معها بنظام التقسيط، نظير رفع سعر هذه السلع بنسبة معينة تحقق لهم فائدة على رأسمالهم.

وتذكر لنا الوثائق التاريخية أن هناك دلالين في الأقمشة ودلالين في الأحرمة وآخرين في الشيلان، بل وجد دلالون لهم أماكنهم المعينة في أسواق القاهرة والإسكندرية، ماداموا يقومون بنفس العمل، أي التخصص في بيع سلع معينة، وبنظام الأقساط.

وقد اشتغلت بهذا العمل كذلك النسوة، ليقمن بتوزيع على النساء في البيوت وخاصة في ملابس النساء، والأدوات المنزلية.

ومع بداية القرن 19م أخذت هاته الفئة تعرف حيفا ومضايقات عن طريق الأمراء المماليك، الذين حاولوا بكل ما في جهدهم لامتصاص هاته العائلات، وذلك كما هو معلوم برفع الرسوم والضرائب عليهم، كما أن تحول النظام المصري من سياسة السوق المفتوحة إلى سياسية احتكار الدولة لدواليب الاقتصاد ساهم في تراجع دور هاته الأسر المغربية بشكل ملحوظ (خصوصا في فترة محمد علي باشا 1805-1848م) إلا أنها استطاعت أن تتكيف مع هاته التغيرات لتتلاءم مع الوضعية الجديدة.


المصدر
عبد الرحيم، عبد الرحمان عبد الرحيم، المغاربة في مصر في العصر العثماني.أرشيف المحاكم الشرعية : محكمة القسمة العسكرية، محكمة البولاق، محكمة الباب العالي، محكمة طولون، محكمة الصالحية النجمية.جيرار، بيير سيمون، موسوعة الحياة الاقتصادية في مصر في القرن 18م.
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق