الفن

الفن القوطي (Gothic Art).. تعرف على فن العمارة خلال العصور الوسطى

اقرأ في هذا المقال
  • مميزات الفن القوطي
  • ازدهار الفن القوطي
  • الكاتدرائيات الكبرى
  • ازدهار الفن القوطي في إنجلترا
  • فن العمارة القوطي في ألمانيا وبلجيكا وهولندا
  • فن العمارة القوطي في إيطاليا وإسبانيا
  • الهندسة المدنية

كان القدماء ينظرون إلى العمارة القوطية ذو أسلوب الأقواس القوطية على أنه أسلوب همجي. لكن هذا الفن القوطي قد بلغ الأوج مع ذلك، بحلول عصر الإيمان. تم استعمال مصطلح «قوطي»، لأول مرة، بطريقة قدحية، من قبل متنوري عصر النهضة، وكان الإيطالي رفائيل يستخدمه لتحديد مرحلة فنية من العصر الوسيط تمتد من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر.

كان أولئك الفنانون والكتاب مفتونين بالنموذج الكلاسيكي المثالي، وكانوا يعتبرون لفظة قوطي كمرادف لـ «همجي» ويعتقدون أن هذا الأسلوب ابتكر من طرف القوطيين، وقد كونوا مدرسة بقى تأثيرها حتى بداية القرن التاسع عشر.

واتضح الاستخفاف بـ فن المعمار القوطي من خلال هدم بعض الكنائس وتدمير بعض المنحوتات أو إزالتها وثقب الحيطان أو تهشيم الزجاج. وكان الرومانسيون من الأوائل الذين أبدوا إعجابهم بهذا الفن. ومنذ ذلك الحين فقدت الكلمة معناها الأول. ومازلنا نستعملها لتحديد ما يدعوه المعاصرون «عملا فرنسيا» أو «أسلوبا قوطيا». وربما كان هذا الاصطلاح الأخير، الذي يحيل على استعمال القبة المرفوعة فوق نوافذ مقوسة، هو الأنسب.

مميزات الفن القوطي

ويقر الأخصائيون بأن الأعمال القوطية الأولى ظهرت في منتصف القرن الثاني عشر واستمرت طيلة 200 سنة. وقد انتشر الفن القوطي في مجموع أوربا والشرق الأوسط والإمبراطوريات الاستعمارية التي أسسها الإسبان والبرتغاليون في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

هندسة أصيلة

يعتبر الخط المهيمن في الفن الجديد، الذي حل بالتدريج محل الفن الرومي، من أوليات فن العمارة، في حين يظل النحت زخرفيا يزين المباني، والزجاجية «تنعش» السطوح وتسهم في تخفيف حدة الضوء، فيما تحاكي المصوغات الأشكال الهندسية. وقد ساهم هذا الشكل التعبيري الأخير في التعريف بالفن القوطي ورسم حدوده الكرونولوجية.

اقرأ أيضا تاريخ الفن الإغريقي (اليوناني).. فن في مستوى الإنسان

وانطلاقا من عناصره الرئيسية: القوس الحاد، القبة القائمة على نوافذ مقوسة، الزافرة، اعتقد المؤرخون العقلانيون أنهم قادرون على ضبط خصائصه. غير أن التعريف الذي يحيل فقط على خصائص البناء هذه لا يبدو اليوم كافيا.

الفن القوطي قوس قوطي
نافدة مقوسة من الفن القوطي

فالقوس الحاد الذي اعتبر لمدة طويلة كأحد ثوابت هذا الأسلوب استعمل في الحقبة الرومية بكثرة. والقبة القائمة على أقواس قوطية لا يمكن اعتبارها معيارا مطلقا لتعريف هذا الفن، فهي في الواقع مشتقة من قبة الزوايا البارزة التي استخدمت فيما قبل، خلال المرحلة الرومية.

ولبناء هذه القبة كان المهندسون يبدأون بوضع أقواس تحت الزوايا، وكانوا يفكرون في جعل هذه الأقواس ثابتة ودائمة بتشكيلها من حجر، بحيث إنها كانت تمدد بشكل مائل من دعامة إلى أخرى وتتقاطع في ما بينها. وهكذا نشأت القبة القوطية.

والملاحظ أن أصلها مجهول. وقد استخدمت في إنجلترا منذ نهاية القرن الحادي عشر في كاتدرائية «دورهام». أما الزافرة (نصف قنطرة يدعم بها الجدار) التي كان عليها أن تلعب دورا أساسيا في تخفيف الضغط خارج المبنى، فلم تكتشف قبل عام 1180. وإذا كانت أهمية بعض عناصر البناء لا تقبل الجدل في ما يتعلق بتعريف الفن القوطي فإنه يبدو أن هذا الأخير مدين بالكثير لتفكير معين ينعكس على الأشكال وينشط الإنتاج في هذه الفترة.

وبالفعل كان المجتمع في فرنسا يخضع لتحولات عميقة في اللحظة التي ظهر فيها هذا الأسلوب. وكانت السلطة الملكية المركزية تتقوى، والطبقة البرجوازية تلعب دورا أهم، والمدن تعرف توسعا بارزا، وتزايدت رعاية الفنون، وهي ظاهرة لا يختص بها هذا البلد وحده. وظهرت نزعة إنسانية جديدة كان مقرها عاصمة فرنسا وأخيرا، حصل تغير عميق في الشعور الديني. وهو ما تم التعبير عنه بحماس، من خلال فن العمارة.

ازدهار الفن القوطي

لم تحل النماذج الجديدة التي تتميز بها المباني القوطية مباشرة محل تلك التي استعملت في البنائات الرومية. بل كانت تتحول باستمرار. ويمكن التمييز، بوجه عام، بين أربع مراحل رئيسية في سياق هذا التطور:

الفن القوطي البدائي: (1150 – 1230) الذي ساد في مرحلة انتقالية تلتها المرحلة التي تعتبر قمة الفن القوطي (حوالي 1230 – 1300) وهي فترة الإنجازات الكبرى التي لا يبدو فيها أي تأثر بالفن الرومي.

وتأتي بعد ذلك حقبة الفن القوطي الإشعاعي (القرن السادس عشر) الذي سيفسح المجال للفن القوطي المتموج (من بداية القرن الخامس عشر حتى عصر النهضة)، ويرجع أصل هذا الاصطلاح إلى الخطوط المتموجة في نوافذ البيوت والمتعرجة كاللهيب.

كما أن العودة إلى استلهام الطراز الإغريقي اللاتيني قد طبعت عصر النهضة الايطالية دون أن تمحو أسلوب الأقواس القوطية الذي سيستمر لمدة طويلة في بعض المناطق.

الفن القوطي البدائي: في غضون القرن الثاني عشر ظهرت المعالم التي تميز الكنائس القوطية، في المباني التي ظلت تحافظ على الطابع الرومي، من خلال بعض السمات (جدران سميكة، نوافذ صغيرة الحجم، أقواس واسعة مدعمة)، وكانت القبة القائمة على نوافذ مقوسة قد استخدمت منذ نهاية القرن الحادي عشر في إنجلترا. وكانت هناك عناصر أخرى من الفن الجديد تبرز في الهندسة الأنجلوروماندية خلال المرحلة الرومية.

وكان تعاقب الدعامات هو الذي ساهم في إيجاد القبة السداسية. كما أن حضور المنصات التي كانت تصلح كركائز قبل ظهور الزافرة. وتعتبر كاتدرائية «سونس»، ودير القديس «دونيس» من النماذج الأولى للبناء القوطي ومازال هيكل كنيسة القديس «دونيس» الذي أكمل بناؤه من أجل إقامة نذر 1144، يعتبر بمثابة نموذج حقيقي لهذا الشكل التعبيري.

أما جناح هذه الكنيسة فقد رمم في القرن الثالث عشر على يد بيير دو مونروي. ويعود تاريخ الكثير من الكنائس إلى هذه المرحلة التي تكثف فيها الخلق والإبداع مثل كنيسة «نويون» حوالي 1145 المصممة على الطراز الرومي. وفي سنة 1163 وضع البابا الحجر الأساسي لـ «النوتردام دوباري». وهي كنيسة تتسبب جدرانها السميكة، ونوافذها الضيقة وأضلاعها السفلى المزدوجة، في ظلمة داخلية.

الفن القوطي نموذج العمارة القوطي كاتدرائية روتردام باريس
واجهة كاتدرائية نوتردام بفرنسا نموذج الفن القوطي في العمارة

كان بناء الكنائس لا يزال عتيقا، عندئذ. وكان جناحها يتكون من أقباب سداسية تقوم على أعمدة لها نفس السمك. وهذا ما يشكل حالة استثنائية في هذه الحقبة وتتوزع كتل الواجهة المتناسقة بشكل لافت للنظر. وكانت الخصائص الأساسية للفن القوطي البدائي تتجلى في الخارج، كالوردة الكبرى المحاطة بقوس معقود. وتقوم قباب في الداخل على سطح مربع، أما السداسيات التي تغطي العارضتين، فقد كانت تحتوي على متتالية من الأعمدة الغليظة والرقيقة، وفوق الأضلاع الرفيقه، وفوق الأضلاع السفلى يوجد رواق مقبب.

الكاتدرائيات الكبرى

خلال المرحلة الثانية لـ الفن القوطي ظهرت في عاصمة فرنسا – المقر الحقيقي لفن الأقواس القوطية – خمس كاتدرائيات من أرقى النماذج التي تمثل الفن الفرنسي : كاتدرائية شارتر و أميين و كاتدرائية ريمس و بوفيه وبورج التي تتوفر على قبة سداسية فوق سطح مربع.

كاتدرائية شارتر Chartres Cathedral فرنسا

وقد لعبت كاتدرائية «شارتر» دورا أساسيا في تاريخ فن الأقواس لهذه الحقبة. حيث نجد لأول مرة الدعامات المحصورة بأعمدة متوارية، والقبة القائمة على سطح مستطيل لا تشتمل إلا على ضلع واحد، وليست لها سوى أربع مقصورات ويحتل الكورس والمصالب أكثر من نصف جناح الكنيسة. وتحتوي الكنيسة على زجاجيات رائعة، وقد زينت واجهتها بجرسين أحدهما وضع في القرن الثاني عشر والآخر في القرن الخامس عشر.

وتعد كاتدرائية «أميين» من أرحب كاتدرائيات فرنسا، فيما تعكس كاتدرائية «رانس» بنضارتها أوج الطراز القوطي.

كاتدرائية ريمس Reims Cathedral

وكانت المباني، في هذه الفترة، تكشف عن الخصائص التالية: الوردة الكبرى في الواجهة مكللة بقوس، والقباب فوق سطح مستطيل (أجزاؤه متفاوتة الحجم) وقد توارى الرواق تحت الأجنحة السفلى التي ترتفع عاليا، والدعامات مزينة بأعمدة راسخة.

وقد ازدهر الأسلوب القوطي الإشعاعي في القرن الرابع عشر. ورغم حرب المئة عام شهدت هذه المرحلة ظهور الكثير من المنشآت في «كليرمون فيران» و «ليموج» و «بايون» و «تور» و «أوكسير».

الأسلوب القوطي المتموج

لا يعزى آخر مظهر للهندسة القوطية إلى تحول في البنية، بل إلى استخدام أشكال زخرفية تشبه ألسنة اللهب، يكون فيها القوس المزدوج هو العنصر الآخر المتميز في القرن الخامس عشر. وتحاط الدعامة بأعمدة صغيرة كثيرة. ويختفي تاج العمود. وتكون أضلاع القبة في الدعامة التي ستستعيد شكلها الأسطواني الذي كانت عليه في القرن الثاني عشر.

ازدهار الفن القوطي في إنجلترا

انتشر التأثير الفرنسي في العديد من بلدان أوروبا. إلا أن عبقرية المكان في كل بلد عرفت كيف تنسق بين هذه العناصر الأجنبية والتقاليد وتبتكر أساليب محلية. وكانت إنجلترا هي مهد تشابك الأقواس القوطية التي استعملت في كاتدرائية «دور هام» حين فتحت ورشة «سان دونيس». وبعد أن كانت الهندسة القوسية البريطانية متقدمة على هندسة القارة فقد خطت خطوة مهمة على طريق التطور المستقل عن باقي البلدان الأوروبية.

وابتداءا من القرن الثالث عشر تم ابتداع طراز إنجليزي سيتسم بثلاثة أساليب مختلفة : الإنجليزي المبكر أو القوطي البدائي، والأسلوب المزخرف والأسلوب المتعامد.

وقد ظهر أولها (حوالي 1190 – 1300م) ويتميز بقباب قوطية ذات أقواس حادة، ومصالب مزدوج وارتفاع يناهز ثلاثة طوابق. وفي الخارج يسمو برج زجاجي عند ملتقى المصالب، والأبراج تحتل الواجهة.
وتعد كاتدرائية لينكولن و «ساليزيوري» و «يورك» أروع نماذج هذا البناء.

وخلال المرحلة الثانية (1300 – 1380م) صارت القباب ممهورة بأضلاع زخرفية. وتمثل هذه الحقبة كاتدرائية «إيكستر» و «لينكولن». في حين عرفت المرحلة الثالثة ( 1380 – 1450م) انبثاق فن إنجليزي صرف، حيث تنطبع المباني بأشكال مستقيمة متكررة : من أشهرها مصليات كوليج أوكسفورد، وكامبريدج وكاتدرائية نورويتش ومصلى كنيسة القديس جورج في قصر «ويندسور».

فن العمارة القوطي في ألمانيا وبلجيكا وهولندا

ظلت بنية الكنائس في ألمانيا، لأمد طويل، مطابقة للتقاليد الكارولنجية والرومية. وهكذا غطيت بعض الكنائس في كولونيا أو كاتدرائية «تريف» ذات الطابع الرومي بقباب مقوسة.
وكان المهندسون ينفرون من استخدام الزافرات، فيما جمعت الأجنحة الثلاثة تحت سقف واحد (الكنيسة المغطاة) المنتشرة على الأخص في «ويستفاليا» وفي مدن «هانزه» ومازال التأثير الفرنسي باديا على كاتدرائية كولونيا (1270 – 1332م) التي شيدت وفق نفس التصميم الذي بنيت به كاتدرائية «آميين».

وبجدرانها القرميدية وقبابها الصغيرة الكثيرة تحافظ ألمانيا الشمالية، (كاتدرائية لوبيك Libeck) كذلك، على طابع أصيل جدا، وتعكس الطراز القوطي القرميدي.
وقد انفتحت هولندا وبلجيكا على التأثير الفرنسي منذ بدايات المرحلة القوطية. وتعتبر كاتدرائية «أنفير» ببنائها الضخم المتموج ذي الأجنحة السبعة من أجمل المباني الدينية في البلاد. كما تعد كنيسة القديسة «غودول» ببروكسيل، وكاتدرائيات «بروج» و «إيبر» تمظهرات متألقة أخرى للفن القوطي.

كاتدرائية بورج Cathédrale Saint-Étienne de Bourges

الفن القوطي في إيطاليا

تتسم الحقبة القوطية في إيطاليا بإنتاج أصيل. لأن تشابك الأقواس والزافرات لم يستخدم إلا قليلا. كما أن المهندسين لم يتبنوا الأشكال الفارعة المنتشرة في شمال أروبا إلا في حالات نادرة. علاوة على أن الواجهة لم تكن في أغلب الأحيان تلتصق بالمجموع. ويعود تاريخ بناء قبة ميلانو إلى هذه الحقبة.

فن العمارة القوطي في اسبانيا

وقد انتشر أسلوب الفن القوطي بكثرة في إسبانيا. وكان نموذج الفن الناووسي بارزا بقوة في هذا البلد. ويبدو التأثير الفرنسي جليا في قشتالة، ويستشف في كاتدرائيات طليطلة وبورغوس. وبدءا من القرن الرابع عشر سيساهم الاتصال بالحضارة الإسلامية في إيجاد أسلوب صارم وأنيق يتجلى في عمارات «سرقسطة» وإشبيلية.

كاتدرائية إشبيلية وتظهر في الصورة مئدنة جامع خيرالدة الموحدي

ومن أبرز النماذج التي شيدت في هذه المرحلة كاتدرائيات لايون و بلنسية وبرشلونة.

الهندسة المدنية

في القرن الرابع عشر كانت السهول الفلاندرية من أكثر المناطق الأروبية رخاء وازدهارا، ولم تكن أية أمة، آنذاك، تمتلك مثل هذه المباني القوطية جمالا. وكانت أبهة المدينة تتبدى في مباني البلدية ببروكسيل وبروج و لوفان و غنت (بالهولندية Gent، بالفرنسية Gand)، وعبقرية المهندسين تظهر في الردهات : إذ تبقى أبهاء « إيبر» و «بروج» و «غاند» من أبرز روائع الفن القوطي في هذه المرحلة.

ومازالت مدينة بروج Bruges تتوفر حتى اليوم على طابع قروسطي متفرد في العالم. كما أبانت إيطاليا هي الأخرى عن أصالة عميقة في بناياتها غير الدينية. وتبقى قصور «البندقية» ومن بينها قصر «الدوج» الشهير، ومباني البلدية في «سييني» و «فلورنسا» من أقوى رموزها.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق