أعلام وشخصيات

هنري كسنجر.. الدبلوماسي العبقري

إن رهافة الحس الديبلوماسي لدى هنري كسنجر تذكرنا بشخصية تاريخية أخرى، تاليران. فكلاهما كان ينطلق من فرضيات على جانب كبير من الملائمة للوضع التاريخي.

اقرأ في هذا المقال
  • نجاح باهر.. وبدايات صعبة
  • خريج هارفارد اللامع
  • هنري كسنجر يجوب أرجاء العالم
  • وصفة مجربة

حصل هنري ألفريد كسنجر henry kissinger على جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع المفاوض الفيتنامي، لي دوك تو، سنة 1973. وكان كسنجر قد غير السياسة الخارجية الأميركية بشكل كبير، منذ أن تولي مهام كاتب الدولة.

تجلى ذلك أساسا، في الانفراج الذي عرفته العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وفي لجوء كل من الولايات المتحدة وعدوتها على المستوى الإيديولوجي، الصين الشعبية، إلى أسلوب الحوار، من جديد.

وقد لعب كسنجر دورا أساسيا في استتباب السلام في الفيتنام ( يناير 1973 )، كما أنه لعب دورا في مسألة التوصل إلى إعلان الهدنة بين أطراف حرب 67 في الشرق الأوسط، ثم انسحاب الجيوش.

ثم إن هينري كسنجر قام بأسفار عديدة، بهدف التفاوض، حد أنه تنقل عبر أربعة عشر مدينة في غضون أربعة عشر يوما، سنة 1973، وذلك من أجل إيجاد حل لأزمة البترول. كما كان يحدث، أثناء المفاوضات العربية – الإسرائيلية، أن يتنقل في يوم واحد بين القدس والقاهرة والعربية السعودية. وتل أبيب.

هنري كسنجر.. نجاح باهر وبدايات صعبة

ولد هنري كسنجر بمدينة فورث، في ألمانيا، يوم 27 ماي 1923. بعدها بعشر سنوات، ظهر أول منشور معاد للسامية. وقد طرد لويس كسنجر – والد هنري – الذي كان يدرس بإحدى الإعداديات، من عمله. وفي 1938، تمكنت عائلة كسنجر من الفرار إلى نيويورك. واستقرت بأحد الأحياء الراقية في منهاتن. وأصبح لويس محاسبا، فيما اشتغلت زوجته طباخة. ثم التحق هنري بجامعة واشنطن، التي سيحصل على دبلوم منها. بعد وصول العائلة إلى أميركا بخمس سنوات، استدعي هنري لأداء الخدمة العسكرية.

خريج هارفارد اللامع

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التحق هنري كسنجر بجامعة هارفرد. وقد أنجز أطروحة متميزة، وحصل، سنة 1954، على الدكتوراه في الفلسفة، وكانت الاختيارات أمامه عديدة ولكنه شاء أن يكون فعالا، فاتجه إلى مجال السياسة، زاهدا في البرج العاجي الذي كانت الأستاذية ستقوده إليه.

أصبح، في البداية، يعمل ضمن فريق إيزنهاور، ثم التحق بإدارة كيندي، باعتباره خبيرا، وقد بعث به جونسون إلى الفيتنام، وجعله تحت إمرة كلارك كليفورد، كاتب الدولة في الدفاع، وذلك لكي يقوم ( كسنجر ) بدراسة حول مدى النضج السياسي للزعماء الفيتناميين، ومحفزاتهم …

وبالموازاة مع اضطلاعه بتلك المهام، كان يقوم أيضا بأبحاث في جامعة هارفرد. وقد كتب عددا من الدراسات، من بينها : « الأسلحة النووية والسياسة الخارجية » ( 1957 ) ؛ « استعادة عالم قديم : « المحافظون خلال الحقبة الثورية » ( 1964 ).

هنري كسنجر يجوب أرجاء العالم

كان نلسون روكفيلر حاكما لنيويورك، وكان يطمح إلى الرئاسة، وقد عول، بالفعل، على هنري كسنجر، ليضع له برنامجا لسياسته الخارجية التي سيتبعها في المستقبل، ولكن الحزب الجمهوري اختار ترشيح نكسون. ونصح روكفيلر هذا الأخير بتقريب كسنجر إليه. وهكذا، فقد دخل كسنجر البيت الأبيض بفضل روكفيلر.

عين كسنجر مستشارا في شؤون السياسة الخارجية، وأصبح هو دماغ نكسون المفكر، بل إنه وجه السياسة الخارجية الأميركية توجيها جديدا.

وفي 30 يونيو 1971، أذاع البيت الأبيض نبأ يبدو غيرذي أهمية، مفاده أن هنري كسنجر سيرحل إلى الفيتنام في مهمة تستغرق عشرة أيام. كان ذلك منطلق سياسة خارجية جديدة. وفي 8 يوليوز، علم أن كسنجر يعاني من آلام في المعدة، وأنه سيقضي فترة استراحة في منطقة جبلية. ولكنه في الواقع، كان سيقوم برحلة إلى بكين، لهدف التهييء لزيارة نكسون للصين. وفي شهر ماي من نفس السنة، كان قد توصل إلى تنظيم لقاء قمة في موسكو، بهدف التخفيف من حدة التوتر الدولي.

وقد لزمته سنة أخرى – أقام خلالها عددا من اللقاءات السرية في باريس وسايغون وهانوي – ليتمكن من تهييء الأجواء الملائمة للتوقيع على اتفاقيات السلام في الفيتنام، في شهر يناير 1973. وبعد ذلك بسنة أيضا، استتب السلم في الشرق الأوسط، وكان قد لعب دورا في ذلك وكان يحلو له أن يردد أن :

« أحسن ضروب الاتفاق، هو الذي يترك الطرفين غير راضيين بالقدر نفسه”

وبعد استقالة روجرز، في شتنبر 1973، أصبح هنري كسنجر كاتبا للدولة بشكل رسمي، ولا شك أن ميزاته الشخصية قد أسهمت في إعادة الاعتبار للادارة الأميركية، بعد فضيحة واترغيت والدعوى التي رفعت على الرئيس نكسون. ذلك أن الديبلوماسي المتألق، كسنجر، كان يردد باستمرار مبدأه الذي هو التالي :

يتوجب العمل على أن تتم المصالحة، لا على أن تحدث المواجهة ».

وصفة مجربة

ولاشك أن ذلك المبدأ قد آتي أكله بالنسبة لكسنجر، على مر السنين : أثناء تهيئ أطروحته للدكتوراه في هارفرد ؛ وخلال تحريره لمؤلف عن الأسلحة النووية، بطلب من مجلس العلاقات الخارجية؛ وأثناء سعيه إلى الحصول على ثقة الأعضاء المهمين في ديوان رئيس الدولة، مثل وليام روجرز، رئيس مديرية شؤون الدولة، وملفين ليرد، رئيس مصالح البنتاغون.

وقد استطاع هنري كسنجر أن يقنع كلا من إيزنهاور وكيندي وجونسون وروكفيلر، بضرورة إدخال إصلاحات بنيوية، قصد الوصول إلى حالة سلم مبنية على أسس متينة، وبضرورة أخذ أمور معينة بعين الاعتبار، مثل تأثير المشكلات الداخلية على النظام العالمي، وأثر المفاوضات في الحد من الأسلحة ومراقبتها. كما أن كسنجر تمكن من خلال إشرافه على حلقات دراسية ذات طابع دولي، من تشكيل شبكة واسعة من العلاقات، تشمل علماء من هارفرد، وخبراء في المعلوميات، ومختصين في المذاهب الإستراتيجية، وفي المشكلات القائمة بين أميركا والاتحاد السوفياتي، على الصعيد العسكري.

وقد نشر هنري كسنجر مذكراته، وأثار فيها وقانع نشاطه السياسي… ووصفه صديقه ماكنمارا بأنه :

« يجمع، بشكل مثير بين الفكر التركيبي الذي عرف عن الألمان، ورهافة الحس التي تميز الفرنسيين، والعنفوان الذي هو سمة أميركية ».

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق