التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

تفاصيل مخاض استقلال المغرب

اقرأ في هذا المقال
  • 26 شتنبر 1954.. فكرة «مجلس العرش»
  • غشت 1955 ماذا حصل في إيكس ليبان ؟
  • 5 شتنبر 1955 عودة إلى أنتسيرابي
  • 1 أكتوبر 1955. جيش التحرير يفرض واقعا جديدا
  • جيش التحرير المغربي هاجس فرنسا الأكبر
  • مارس 1956-مارس 1962.. المخاض الأخير لـ استقلال المغرب

يمثل تاريخ 16 نونبر 1955م لدى المغاربة انطلاقة مخاض الاستقلال عن فرنسا، ففي هذا اليوم المجيد عاد الملك محمد الخامس إلى عرشه، معلنا بذلك نهاية مرحلة الحماية. يومها انتهى الاستعمار عمليا، دون أن يبدأ الاستقلال الفعلي. ذلك أن استقلال المغرب واسترجاعه لسيادته، في منطقة الحماية الفرنسية، مر عبر سلسلة من المفاوضات الصعبة التي انطلقت قبل 16 نونبر 1955، ولم تنته يوم 2 مارس 1956 تاريخ إلغاء معاهدة الحماية لسنة 1912.

ظلت فرنسا طيلة هذه المدة متمسكة إلى النهاية بكل ما يمكنها من ضمان مصالحها في المغرب. فاقترحت صيغة جديدة للاستقلال المغرب الذي أطلقت عليه مفهوم “الترابط”، والذي كانت تروم من خلاله الحفاظ وحماية مصالحها الاستراتيجية بالمملكة الشريفة.

فما المقصور بهذا “الترابط” المقترن بـ استقلال المغرب ؟ لماذا يبدو واضحا وغامضا في نفس الآن ؟ ثم كيف صار تحديد مضمونه رهينا بجولات من الصراع الدبلوماسي بين المغاربة والفرنسيين طيلة المفاوضات التي تلت إعلان الاستقلال في 2 مارس 1956م ؟ وكيف اضطرت فرنسا للوصول إلى هذه الصيغة التي تمثل تنازلا عن تشبثها الأكيد، حتى النهاية، بمعاهدة الحماية ؟ وأي دور لجيش التحرير في الاستقلال؟

26 شتنبر 1954.. فكرة «مجلس العرش»

قبل أن يوثق تفاصيل هذه المرحلة في مؤلفه المرجعي Le Maroc face aux Imperialismes كان شارل أندري جوليان مشاركا في الأحداث من موقعه في صف الليبراليين الفرنسيين الذين ناضلوا ودعموا استقلال المغرب، استنادا على ما يورده جوليان:

نبعت فكرة «مجلس العرش» من خلال مبادرة مجموعة جون فيدرين، أحد هؤلاء الليبراليين الفرنسيين، في ماي 1954، فتعمق النقاش حولها لتتنبناها مجموعة France Maghreb «فرانس ماغريب» في اجتماعها ليوم 16 يونيو من نفس السنة. تكلف أعضاء هذه المجموعة الداعمة لـ استقلال المغرب بإقناع محمد الخامس في منفاه بأنتسيرابي، والوطنيين في حزب الاستقلال والشورى والاستقلال، بقبول هذه الصيغة للتقدم على طريق حل الأزمة.

رهن الوطنيون في حزب الاستقلال، يضيف جوليان، قبولهم هذا المشروع، بأن يوافق عليه محمد الخامس، وأن لا يشارك الكلاوي والكتاني في مجلس العرش المرتقب. أما محمد الخامس فاشترط لقبوله أن يكون مقدمة لحل سياسي شامل، وأن يوافق عليه حزب الاستقلال، مؤكدا عدم تنازله عن العرش.

يورد هيرفي بلوشو، في مؤلفه – Les liberaux Franais Au Maroc، الرسالة التي بعث بها محمد الخامس عن طريق محاميه جورج إيزار، بتاريخ 26 شتنبر 1954 معبرا فيها عن موقفه من مقترح مجلس العرش. في هذه الوثيقة التي يسميها بلوشو «اتفاقية أنتسيرابي» يكشف محمد بن يوسف أنه رفض عرضا «غير معلن» من الحكومة الفرنسية، وصله عن طريق طبيبه الدكتور دوبوا روكبير، يقترح تخليه عن العرش وتزكية «رجل ثالث» تعينه فرنسا، وحكومة إصلاحات تضطلع بحل الأزمة.

مقابل ذلك، يؤكد محمد بن يوسف، وفق ما تنسبه إليه الوثيقة، رضاه عن مقترح مجلس العرش، وذلك على أساس مرحلتين من المفاوضات، الأولى «سرية» و «غير رسمية» في مدغشقر، والثانية مفتوحة وعلنية في فرنسا. يشترط الملك أن يعين، شخصيا، أحد أعضاء مجلس حفظة العرش المنتظر، ثم يشكل الأخير حكومة مؤقتة تكون مهمتها التفاوض مع فرنسا حول قواعد اتفاق جديد. هذا الاتفاق يجب أن يضمن :

“وحدة المغرب الترابية، وسيادته، مقرا ترابط المغرب وفرنسا على المستويات الاقتصادية، الاستراتيجية، الثقافية، والسياسية. إن مفهوم الاستقلال الضيق صار متجاوزا اليوم، والمغرب لا يمكنه أن يدعي العيش معزولا، فضلا عن أنه ما يزال بحاجة إلى مساعدة فرنسا لتأهيل إمكانياته الاقتصادية، وتنظيمه الإداري، وتحسين سير مؤسساته الثقافية والعلمية، ومساعدتها في إرساء دواليب الديمقراطية”.

الأرجح أن مفهوم الترابط يرد، هنا، من منطلق براغماتي باعتباره حلا وسطا واقعيا وممكنا في تلك الظروف، خاصة أن الوثيقة تتصور حل الأزمة على مستويين:

  1. مستوى أزمة العلاقات المغربية الفرنسية منذ 1950.
  2. مستوى أزمة العرش منذ نفي محمد الخامس.

وحل الأزمة الأولى سيقود لحل الثانية. هكذا يقترح محمد بن يوسف، وفق ما تنسبه إليه هذه الوثيقة، أن تتوافق الحكومة الفرنسية، وحكومة المفاوضات المغربية المفترض تشكيلها بعد تعيين مجلس العرش، مع ممثلي الفرنسيين في المغرب، على معاهدة جديدة «ترتقي بالمغاربة إلى مرتبة مواطنين أحرار في دولة ذات سيادة»، و «تضمن مصالح وممتلكات الفرنسيين في المغرب، حاضرا ومستقبلا»، وهو ما من شأنه أن يخلق «صدمة نفسية كبيرة تعيد الهدوء إلى المغرب»، و «تجعل النفوس تترفع عن مشاعر الانتقام، حينها، وحينها فقط، يمكن للمغاربة بكل حرية أن يختاروا لحكمهم، السلطان الذي يريدون».

يظهر أن صيغة «الترابط» ليست بديلا عن «حرية المغاربة» و «سيادة الدولة»، ولعلها كانت وسيلة لطمأنة الفرنسيين على مصالحهم، أكثر من كونها خيارا ثالثا بين استقلال المغرب التام واستمرار الحماية.

كما يظهر أن الحكومة الفرنسية كانت مستعدة لإبعاد بن عرفة وتعيين «رجل ثالث»، كما كشفت ذلك رسالة الدكتور دوبوا روكبير لمحمد الخامس، بيد أن رفض محمد الخامس فضلا عن ضغط «اللوبي المغربي»، أي الأوساط الاستعمارية المتشددة في باريس، أفشل هذا المسعى. تحت تأثير هذه الضغوط، أعرضت الحكومة الفرنسية عن مقترحات محمد بن يوسف، ليظل «اتفاق أنتسيرابي» هذا حبرا على ورق.

بيد أن قيمة هذه الوثيقة تتمثل في كونها تضمنت، لأول مرة، مفهوم «الترابط»، كما يلاحظ شارل أندري جوليان، وستستعمل نفس العبارات الواردة فيها، على لسان الفرنسيين في العديد من وثائق المفاوضات اللاحقة. كذلك كان شأن إدغارفور، رئيس الحكومة الفرنسية، بمناسبة خطابه أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) في 21 يونيو 1955، فقد أكد عدم تفريط فرنسا بأي شكل من الأشكال في وجودها بالمغرب، لكنه دعا إلى التفكير في «بناء كيان فرنسي مغربي Communauté وتنظيم ترابط فعلى على أسس صلبة».

غشت 1955 ماذا حصل في إيكس ليبان ؟

لم يكن الصراع حول مصير المغرب محتدما بين الوطنيين والسلطات الاستعمارية فقط، بل كان يخترق الأوساط الفرنسية نفسها. ففي 1 غشت 1955 بعث جيلبر كرانفال، المقيم العام الفرنسي بالرباط، ببرقية مطولة لباريس يقترح فيها إحياء مشروع مجلس العرش، أي رحيل محمد بن عرفة ليحل محله مجلس للعرش يشكل حكومة للتفاوض، وتمكين محمد الخامس من الانتقال من مدغشقر إلى فرنسا، مقابل حمله على أن يتنازل علنيا عن العرش، ويدين الإرهاب (أي المقاومة الوطنية)، ويدعو للتعاون الفرنسي المغربي.

لاقي هذا المشروع رفضا تاما من المعكسر الاستعماري المتشدد، وفي طليعته الماريشال جوان والباشا الكلاوي وأنطوان بيناي وزير الخارجية الفرنسي وبيير ماري كيونغ وزير الدفاع. للخروج من النفق، شكل إدغارفور «لجنة التنسيق لشمال إفريقيا» من خمسة وزراء يمثلون التوجهات المتشددة والمعتدلة في الأوساط الفرنسية، وعن هذه اللجنة نشأ مشروع مؤتمر إيكس ليبان المنعقد بين 22 و 27 غشت 1955.

عشية انطلاق هذه المباحثات، وصل خبر مفاجئ لباريس ففي 17 غشت أبلغ بن عرفة الرئيس الفرنسي نيته مغادرة العرش. وتحت تأثير هذه المفاجأة جرت المباحثات في أجواء مرتبكة، كما يوضح شارل أندري جوليان، إذ كان على الحكومة الفرنسية إقناعه بالبقاء في منصبه حتى يتم الاتفاق على صيغة جديدة تمكن من تفادي شغور العرش. لم يتراجع بن عرفة عن قراره سوى يوم 16 شتنبر، وفقا لما أورده جوليان دائما.

دعت الحكومة الفرنسية لإيكس ليبان تيارات متناقضة، فقد كان هناك ممثلون عن المعمرين الفرنسيين في المغرب، بل ومنظمة «الوجود الفرنسي» المتشددة، وممثلو تيار بن عرفة، وتيار وصف بـ «الوطني المعتدل»، أي شخصيات رفضت خلع محمد الخامس لكنها لم تطالب بالاستقلال، وأخيرا التيار الذي طالب بـ استقلال المغرب منذ 1944، على الأقل، ممثلا بحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال.

لم تسفر هذه المحطة عن أي اتفاق مكتوب بين مختلف هذه الأطراف، أو بينها وبين الحكومة الفرنسية، لكنها أظهرت أن «ثمة حلا ممكنا»، على حد تعبير بيير جولي، وزير الشؤون المغربية والتونسية في مذكراته Une République Pour Un Roi. حيث قال:

“كان يمكن أن نستخلص خمس نقاط اتفاق بين مختلف الوفود : رحيل بن عرفة في شروط مشرفة ودون تنازله عن العرش، تشكيل مجلس للعرش، تشكيل حكومة وحدة وطنية للتدبير والتفاوض مع فرنسا، ضرورة أخذ موافقة محمد بن يوسف، وعودته إلى فرنسا”

كما كتب جولي، مؤكدا اختلاف وجهات نظر الوفود المشاركة في المباحثات حول أولوية هذه النقطة أو تلك. كانت وجهة نظر الحركة الوطنية هي الأكثر أهمية، لكونها حاملة مطلب الاستقلال، أساس الأزمة التي أدت لنفي محمد الخامس. بالنسبة لحزب الاستقلال، كما يؤكد عبد الرحيم بوعبيد، أحد ممثليه في هذه المباحثات، في مذكراته: لم يكن مجلس العرش مقبولا إلا إذا وافق عليه محمد الخامس، إذ هو السلطان الشرعي، والهدف الأساسي يبقى هو استقلال المغرب وتحوله إلى «دولة حرة ذات سيادة».

في حين أعرضت قيادة جيش التحرير، الذي كان قيد التشكيل حينها، عن هذه المباحثات رافضة مبدأ التفاوض، في حد ذاته، في سياق استراتيجية أخرى تطمح لتحقيق استقلال بلدان المغرب الثلاثة بالقوة.

ارتبطت مباحثات إيكس ليبان، في الأذهان، بمفاوضات الاستقلال وحظيت لذلك بأهمية بالغة، وكان الموقف منها من أسباب الخلافات السياسية وسط الحركة الوطنية، بينما الواقع أن فشلها هو الذي فتح الباب أمام مسار آخر للمفاوضات جرى مباشرة بين الفرنسيين ومحمد الخامس، يمكن اعتباره الأساس الفعلي لمفاوضات الاستقلال. عندما عرضت خلاصات إيكس ليبان على مجلس الوزراء الفرنسي يوم 29 غشت 1955، لقيت معارضة تامة من الوزراء المتشددين وخاصة وزير الخارجية والدفاع، حتى أن إدغارفور هدد بالاستقالة من منصبه، كما يوضح شارل أندري جوليان.

5 شتنبر 1955 عودة إلى أنتسيرابي

في أعقاب هذا الفشل انطلقت المفاوضات المباشرة مع محمد الخامس يوم 5 شتنبر 1955 بأنتسيرابي، حيث بعثت الحكومة الفرنسية كلا من هنري إيغيسو، مدير ديوان وزير الخارجية، والجنرال جورج كاترو، بعد ثلاثة أيام وصل ممثلون عن الوطنيين «المعتدلين»، ثم ممثلون عن حزب الشورى وأخيرا مفاوضون من حزب الاستقلال الذين سبق لهم أن قدموا عريضة استقلال المغرب سنة 1944م، فتحولت المفاوضات عمليا إلى تفاوض مع الملك والوطنيين، ما عزز موقعه إزاء الفرنسيين.

هكذا، تراجع الفرنسيون عن مقترحهم المبدئي بتمكين محمد الخامس من الانتقال للعيش في فرنسا مقابل إعلانه التخلي عن أي نشاط سياسي. كما رفض السلطان صيغة «الإدماج على النمط الفيدرالي»، وصيغة «وحدة الشعبين» (Communauté des Peuples) التي سعى المفاوضون الفرنسيون لجعلها إطارا للحل.

حوالي سنة على فشل المحاولة التي انطلقت من نفس هذه القرية المالغاشية، من خلال رسالة 26 شتنبر 1954 شهدت أنتسيرابي بداية المسار الجديد، وذلك من خلال تبادل رسائل بين محمد الخامس والجنرال كاترو توثق ما تم الاتفاق عليه. يتعلق الأمر بإحياء مشروع مجلس العرش، مجددا، يليه تشكيل حكومة تفاوض حول وضع جديد للعلاقات الفرنسية المغربية. وضع حدد إطاره في أن «سياسة فرنسا تنبني على احترام سيادة المغرب، وتهدف إلى قيادته نحو وضعية دولة عصرية حرة ذات سيادة، متحدة مع فرنسا بصلات دائمة الترابط الحر» ، ما يمثل «نواة المغرب المعاصر»، على حد تعبير بيير جولي في مذكراته.

كان واضحا أن هذه الصيغة لا تتحدث صراحة عن إلغاء معاهدة الحماية، وأنها تظل مفتوحة على تأويلات مختلفة. فوفق ما يوضح عبد الرحيم بوعبيد في مذكراته:

“قدم مولاي الحسن عرضا لمختلف المراحل التي مرت منها المحادثات بين الملك والجنرال كاترو وإيريسو (…) وقد استقر اتفاقنا على أن ليس هنالك تأويل ممكن لتلك الوثيقة (الصيغة) غير صفة الدولة الحديثة، الحرة وذات سيادة هي دولة مستقلة”.

في المقابل، عبرت الأوساط الاستعمارية عن رفضها الشديد لهذا المشروع، وتشكلت معارضة قوية في البرلمان والإقامة العامة بالرباط والجيش الفرنسي، كما يشرح شارل أندري جوليان، بلغت حد تهديد الكلاوي بالثورة إذا أبعد بن عرفة.

أصبح تنفيذ اتفاقية أنتسيرابي إذن موضوع صراع سياسي حاد، خاصة ما يتعلق بتشكيلة مجلس العرش. رغم تلقيه أوامر من الحكومة الفرنسية في 20 شتنبر 1955، بالإشراف على رحيل بن عرفة، تلكأ الجنرال بويي دولاتور المعين حديثا مقيما عاما بالرباط، متواطئا مع الحجوي والكلاوي، ولم ينفذ القرار إلا في ساعة متأخرة من ليلة 30 شتنبر – 1 أكتوبر 1955، حين اقتحم القصر بالقوة فهرب الحجوي، وأعلن بن عرفة تنازله عن العرش مفوضا توقيع الظهائر لابن عمه عبد الله بن مولاي عبد الحفيظ، كما يعيد جوليان تركيب تفاصيل تلك الليلة «المجنونة».

1 أكتوبر 1955 جيش التحرير يفرض واقعا جديدا

صادف وصول بن عرفة إلى طنجة، بعد مغادرته العرش، مع انطلاق عمليات جيش التحرير، خلق واقع جديد عزز كفة المعتدلين في الحكومة الفرنسية إذ صار الحل السياسي للأزمة بديلا لجبهة حرب أخرى تنضاف للجبهة الجزائرية. لعل هذا ما يفسر نجاح إدغار فور في تمرير مشروعه بالبرلمان الذي صوت يوم 8 أكتوبر 1955 بأغلبية 470 صوتا مقابل 151 لصالح تشكيل مجلس للعرش تنفيذا لاتفاقية أنتسيرابي.

هكذا، عين مجلس حفظة العرش في 15 أكتوبر مشكلا من امبارك البكاي، ومحمد بن الصبيحي، والمقري، ثم عضو رابع من تيار الكلاوي هو الطاهر أوعسو، ثم تشكلت حكومة مفاوضات برئاسة الفاطمي بنسليمان بعد أربعة أيام، رفض حزب الاستقلال المشاركة فيها، كما رفض تعيين العضو الرابع في مجلس العرش. مع ذلك، لم يشتد الصراع حول هذا الأمر، إذ كان واضحا أن انطلاق عمليات جيش التحرير غير تماما ميزان القوى. تأكد هذا الواقع الجديد، على نحو مفاجئ، يوم 25 أكتوبر حين باغت الباشا الكلاوي الجميع معلنا مبايعة محمد الخامس.

يوضح امحمد بوستة، في أحد حواراته حول هذه المرحلة، أن بلاغ الكلاوي هذا كان حاسما، إذ أزال «العائق» الذي كانت تتذرع به الحكومة الفرنسية لرفض عودة محمد الخامس إلى العرش.

في فاتح نونبر، غادر محمد الخامس، أخيرا، منفاه بمدغشقر نحو سان جرمان أون لي في فرنسا، فبدأت مرحلة جديدة من مسار المفاوضات تركز الصراع خلالها على مصير معاهدة الحماية، هل يعلن إلغاؤها رسميا كما أصر على ذلك المغاربة، أم يجري التفاوض حول وضعية جديدة للعلاقات بين البلدين في إطار هذه المعاهدة، كما كان يريد الفرنسيون ؟

استأنفت المباحثات يوم 5 نونبر 1955، بلقاء السلطان مع أنطوان بيناي، وزير الخارجية الفرنسي، صدر إثره بلاغ «لا سيل سان كلو»، نسبة للقصر الذي جرت فيه المحادثات، جدد البلاغ التأكيد على التفاوض والعمل من أجل تمكين المغرب من أن يصبح «في إطار الترابط مع فرنسا دولة عصرية حرة وذات سيادة وفق اتفاقية أنتسيرابي»، لكنه لم يعلن إلغاء معاهدة الحماية. كما كلف مجلس حفظة العرش، المستقيل من مهامه، وحكومة الفاطمي بنسليمان بتسيير الأمور الجارية.

عندما عاد محمد الخامس إلى المغرب يوم 16 نونبر 1955، كانت معاهدة الحماية ما تزال قائمة، رسميا، وكانت مواصلة المفاوضات لإلغائها المهمة الأساسية لأول حكومة يشكلها الملك بعد عودته للمغرب، يوم 7 دجنبر برئاسة امبارك البكاي، بقيت هذه الحكومة، عمليا، بدون صلاحيات إلى غاية 11 يناير من السنة الموالية، تاريخ توقيع بروتوكول تُنقل بموجبه الإقامة العامة بالرباط جملة من صلاحياتها للحكومة المغربية.

صلاحيات استثنى منها الفرنسيون، وفق ما يذكره شارل أندري جوليان، ما يتعلق بالوظيفة العمومية والأمن وإدارة السجون والمالية والطيران المدني، بعد محادثات أنتسيرابي، وسان جرمان أون لاي، ها هي جولة ثالثة من المفاوضات تنطلق أخيرا بين حكومة مغربية تحت قيادة محمد الخامس، والحكومة الفرنسية في باريس ابتداء من 15 فبراير 1956. جولة جديدة حرص روني كوتي، الرئيس الفرنسي، أثناء افتتاحها على وضعها في نطاق إعلان لا سيل سان كلو، أي عدم إلغاء معاهدة الحماية، في حين أكد محمد الخامس أن إلغاء هذه المعاهدة ووحدة البلاد شرط مبدئي قبل أي تفاوض.

في 2 مارس 1956، أسفرت هذه المفاوضات عن الاعتراف الرسمي بـ استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية.

“إن حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة جلالة الملك تؤكدان إرادتهما على إعطاء مفعول تام لتصريح لا سيل سان كلو. وتشهدان أنه إثر التطور الذي حصل بالمغرب، فإن معاهدة فاس لسنة 1912 لم تعد مطابقة لمقتضيات الحياة العصرية ولا يمكن أن تكون أساسا لأن تتحكم في العلاقات الفرنسية المغربية. وعلى هذا فإن حكومة الجمهورية الفرنسية تؤكد رسميا اعترافها بـ “استقلال المغرب” مع ما يقتضيه من وجود جيش وتمثيل خارجي”

فتحت إذن صفحة جديدة، ولم يكن أمام فرنسا خيار آخر. «يلزمنا مابين 400 ألف إلى 500 ألف جندي إذا أردنا نهج سياسة القوة»، كما أوضح ألان سافاري، الوزير المكلف بالشؤون المغربية والتونسية للبرلمانيين الفرنسيين في يونيو 1956، مذكرا بالجهود التي تطلبتها حرب الريف قبل ذلك بثلاثين سنة.

مع ذلك، احتفظ إعلان الاستقلال بفرصة أخيرة يمكن من خلالها الحفاظ على مصالح فرنسا في المغرب. إذ نص على أن الدولتين «متساويتان تتمتعان بسيادتهما، غايتهما إبرام اتفاقات جديدة تحدد الترابط بين البلدين في الميادين ذات المصالح المشتركة»، ويخص الإعلان بالذكر مجالات «الدفاع والعلاقات الخارجية والاقتصادية والثقافية».

جيش التحرير المغربي هاجس فرنسا الأكبر

ابتداء من يونيو 1956، أصبحت فرنسا ممثلة في المغرب عن طريق سفير حل محل «المندوب السامي» الذي عوض بدوره «المقيم العام». تظهر بعض البرقيات السرية التي كانت توجهها السفارة الفرنسية إلى وزارة الشؤون الخارجية بباريس، أن تحركات جيش التحرير كانت الهاجس الأساسي للسياسة الفرنسية في المغرب.

رغم إعلان استقلال المغرب في 2 مارس 1956، وحل جيش التحرير صيف تلك السنة تحركت مجموعة من عناصره نحو الجنوب والشرق لاستهداف الوجود الفرنسي في موريطانيا، ودعم الثورة الجزائرية. على سبيل المثال، تفيد وثيقة مؤرخة في 26 مارس 1956 أن المسؤولين الفرنسيين يعارضون تشكيل نواة الجيش الملكي من عناصر جيش التحرير، معبرين عن قلقهم إزاء تحركاته.

اقرأ أيضا.. لماذا ضاعت الصحراء؟ تاريخ كفاح جيش التحرير المغربي بعد الاستقلال

في وثيقة سرية مؤرخة في 8 مارس 1956 يتوقع المندوب السامي (قبل أن يحمل صفة سفير) أن السلطان وحكومته سيواجهان متاعب بسبب قوة جيش التحرير، مقترحا أن تقدم فرنسا دعما واسعا وعلنيا للسلطان والحكومة في مواجهة ذلك، مذكرا أن إعلان الاستقلال في 2 مارس يجد تفسيره في محاولة قطع الطريق على هذا الجيش وعلي «دعاة الوحدة العربية في القاهرة».

على الصعيد الأمني دائما، تحمل وثيقة مؤرخة في 26 أبريل 1956 تعليمات من باريس إلى ممثلها في الرباط، تقضي بعدم حل جهاز المخابرات «ديستي» قبل التفاوض مع المغاربة حول الموضوع «في شموليته»، ما يوضح حرص الفرنسيين على التحكم في الأوضاع الأمنية بالمغرب، وهو ما يظهر كذلك من خلال مشاركة الجيش الفرنسي في السياسة الداخلية المغربية كما حصل أثناء دعمه تمرد عدي وبيهي سنة 1958.

مارس 1956-مارس 1962.. المخاض الأخير لـ استقلال المغرب

عاش امحمد بوستة، من خلال موقعه مديرا لديوان أحمد بلافريج أول وزير خارجية في المغرب المستقل ابتداء من 26 أبريل 1956، تفاصيل المرحلة الطويلة التي سبقت الجلاء التام للقوات الفرنسية من المغرب في 2 مارس 1961. فقد أورد في أحد حواراته أن قضية الجلاء هاته كانت من أصعب النقاط المطروحة على جدول أعمال للمفاوضات المتواصلة بين المغرب وفرنسا، بعد الاستقلال.

“لم نتوقف عن المطالبة بجلاء القوات الفرنسية منذ 1956، فضلا عن المظاهرات والاحتجاجات المتواصلة على استمرار الوجود العسكري الفرنسي في المغرب”

علقت المفاوضات بسبب قرصنة طائرة الزعماء الجزائريين في أكتوبر من تلك السنة، ولما استأنفت أعاد المسؤولون المغاربة الإلحاح على مسألة الجلاء.

«كان الفرنسيون متشددين بهذا الخصوص، وأتذكر أن أحد مخاطبينا قال لنا إن القاعدة الجوية في مراكش تضمن لهم 300 يوم من الطيران، وهو ما لم يكن متاحا لهم آنئذ في أي قاعدة أخرى في العالم. عندما توفي محمد الخامس، وأثناء تشييع جثمانه، اتصل بي الحسن الثاني إذ كنت مكلفا بالشؤون الخارجية، مؤقتا، ليسألني عمن سيمثل فرنسا في الجنازة، أخبرته أن الجنرال دوغول سيحضر مراسيم التشييع، فقال لي أن أطلب منه تقديم خدمة لذكرى رفيقه في التحرير، وللعلاقات المغربية الفرنسية، بأن يوافق على جلاء القوات الفرنسية من المغرب. أخبرت السفير الفرنسي بهذا الطلب، ليجيبني بعدها أن الجنرال دوغول موافق وأن بلاغا رسميا سيعلن ذلك».

فضلا عن جلاء القوات الفرنسية تحفظ المغرب أثناء توقيع المعاهدة الدبلوماسية مع فرنسا في 22 ماي 1956، على الاتفاقية التي سمحت بموجبها فرنسا، أثناء الحماية، بتمكين الجيش الأمريكي من قواعد في المغرب، وكذا موضوع الحدود.

ثمة موضوع أخر كان يوليه الفرنسيون أهمية بالغة أثناء هذه المرحلة من التفاوض بعد استقلال المغرب يتمثل في مصير الأراضي الفلاحية التي كان يملكها المعمرون الفرنسيون.

«كانوا يطالبون بتعويض المعمرين عن هذه الأراضي مقابل استرجاعها منهم، بقي المشكل معلقا على مدى 8 سنوات، في ما أذكر، إلى أن بدأ يحل نسبيا من خلال مساعدات مالية تلقاها المغرب من الحكومة الفرنسية، وجهت لتعويض المعمرين عن الأراضي الفلاحية المسترجعة في تلك الفترة»، وفق ما يورده بوستة.

توضح بعض وثائق وزارة الخارجية الفرنسية المتعلقة بهذه المرحلة أن تصور الفرنسيين لـ “الترابط” بين المغرب ومستعمريه السابقين، يتركز أساسا حول قضيتي الجيش والعلاقات التجارية. فلم يكن متصورا بالنسبة للسياسة الفرنسية أن يخرج المغرب عن نطاق النفوذ الفرنسي في تكوين وتسليح جيشه، وفي قراراته الخارجية التي تمس المصالح الفرنسية، كما لم يكن واردا أن تفتح سوقه تماما أمام المنافسين من القوى الدولية الأخرى ، ويستعيد حرية التحكم في حدوده التجارية من خلال تحديد التعريفة الجمركية، بما يمس الامتيازات التي راكمتها فرنسا طيلة العقود الماضية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق