بيوغرافيا

روبرت كوخ: العالم الألماني مكتشف لقاح السل والكوليرا والجمرة الخبيثة

في نهاية القرن التاسع عشر، وضع لويس باستور أسس الميكروبيولوجيا Microbiology والبكتيريولوجيا، إذ اكتشف وجود البكتيريا، وكشف عن عدد من أصنافها التي تسبب أمراضا للإنسان وللحيوانات. بقي أن تستغل تلك الاكتشافات في النشاط الطبي اليومي، وهذا مالم يكن يستطيع تحقيقه إلا طبيب ممارس. وكان ذلك الطبيب هو روبرت كوخ.

سيرة روبرت كوخ

ولد روبرت كوخ robert cock في 11 دحنبر سنة 1843 في كلاوستهال، بهانوفر (ألمانيا). وبدأ يهتم، في سن مبكرة، بأشياء الطبيعة. وقد درس الطب، وتزوج، واستقر بإحدى قرى سيليزيا. هو أحد مؤسسي علم الجراثيم. اكتشف دورة مرض الجمرة الخبيثة (1876) والبكتيريا المسؤولة عن مرض السل (1882) والكوليرا (1883). وبسبب اكتشافاته المتعلقة بمرض السل، حصل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب عام 1905.

robert cock روبرت كوخ
رويرت كوخ

الاكتشافات الأولى في القرية الألمانية

كان فضوله المعرفي کبيرا، فكرس أوقات فراغه للبحث. وقد أقام، بإمكانياته الشخصية، نوعا من المختبر في بيته الصغير ب «فولشتاین»، في سيليزيا (وهي اليوم منطقة بولونية).

وقد مكنه ذلك المختبر «البدائي» من اكتشاف الميكروب المسبب للجمرة الخبيثة، في 1876، أي سنة قبل قيام باستور بنفس الاكتشاف. ومرض الجمرة الخبيثة ذاك مرعب بالنسبة للفلاحين وأرباب الضيعات، لأنه يداهم الأغنام والأبقار، فتصاب بالنزيف والاختلاجات العنيفة، وتنفق منها قطعان بأكملها في أيام معدودة.

بل إن هذا المرض قد يصيب الإنسان أحيانا، فتنتشر دمامل قبيحة على وجهه أو قفاه، وتتحول إلى بقع ضاربة للسواد. ولكن أخطر نتائج هذا المرض خلال القرن التاسع عشر، ذات طابع اقتصادي : فأي حقل ظهرت فيه تلك الآفة يصير مصدرا للعدوى.

کان کوخ طبيب قرية، وكان على علم بوجود هذه الظاهرة المرضية الرهيبة، وقد فحص أعضاء الحيوانات المصابة، فعاین، من خلال المجهر، عصية بكتيرية جامدة، ومستطيلة الشكل : إنها البكتيريا الناقلة للجمرة، والتي كان قد عاينها دافين من قبل (سنة 1863). وقد فكر روبرت كوخ في «تربية» هذا الميكروب، الذي اتضح أنه ينمو بسهولة كبيرة في «أوساط» مألوفة. بعدها، کوخ بتجارب أكثر دقة، فوضع قطعا صغيرة من طحال حيوان مصاب في دم حیوان سليم.

وتبدي له، باستعمال المجهر، أن هنالك حبيبات دقيقة (تنكسر عليها الأشعة) قد ظهرت في تلك العينة من الدم : إنها الغبيرات التي عكف کوخ على دراسة خصائصها. والغبيرة هي ضرب من البكتيريا يتميز بالقدرة على المقاومة ويمكنه أن يستمر في الوجود بتلك الصورة زمنا طويلا، دون أن تنتج عنه ظاهرة مرضية. وفي ظل أوضاع معينة، فإن الغبيرة تتنامی فتنبثق عنها بكتيريا جديدة قادرة على التسبب في المرض.

الدراسة العلمية للبكتيريا

أثار ذلك الاكتشاف فضول کوخ، فانصرف إلى دراسة أشكال غبيرائية أخرى من البكتيريا، ثم إلى تفحص كل الجراثيم التي يمكن أن تتسبب في تعفن الجراح.

بهذا يكون روبرت كوخ قد تابع أعمال باستور. وباعتباره رجل علم حقيقيا، سعی کوخ أولا إلى تحديد القوانين العامة المتحكمة في البكتيريا التي يدرسها. كان دائما يبدأ بعزل الميكروب المسبب لمرض ما، ثم يجعله يتنامی ويحقن به حیوانات سليمة.

وإذ تصاب هذه الأخيرة بمرض الجمرة – بهذه الطريقة – فذلك يدل على أن الميكروب (الجرثومة) يحافظ على حيويته في الوسط الذي يُنَمَّى فيه. فدراسة الخصائص المورفولوجية (الشكلية) لبكتيريا معينة، وتحديد ظروف بقائها في الوسط الذي تنمي فيه، وإبراز مدى قدرتها على إصابة الحيوانات بمرض ما، هي الأمور الأساسية الثلاثة، فيما يتعلق بالدراسة العلمية لكل بكتيريا.

حين عرض کوخ تصوراته هاته بجامعة بریسلاو، أعلن البروفيسور الشهير يوليوس کونهایم، وهو في حال من الانفعال، أن «كوخ قد قام بأعظم اكتشاف، في مجال البكتيريولوجيا». وبعد ذلك بأربع سنوات، أي 1880، دعي كوخ إلى العاصمة برلين، حيث تم الاعتراف الرسمي بالأهمية الكبيرة لإنجازاته.

اكتشاف مرض السل

في غضون بضع سنوات، کان کوخ وفريقه قد أنجزوا عملا فذا، إذ اكتشفوا عددا من البكتيريات أو حددوا خصائصها (مثل تلك التي تتسبب في الدفتيريا (الخناق)، أو حمى التيفوئيد، أو الغنغرينة، إلخ). ولكن أشهر ما اكتشفه کوخ يبقى، طبعا، عصية داء السل، التي ستحمل اسمه.

في تلك الحقبة، كان مرض السل بمثابة وباء حقيقي، وقد انتشر بسبب الظروف الاجتماعية-الاقتصادية الجديدة الناتجة عن التطور الصناعي وهجرة أهل القرى. وبدأ روبرت كوخ يصارع هذا الداء الرهيب، متبعا طريقته المعهودة، فحاول، في المنطلق عزل الميكروب «المسؤول»، من خلال تفحص البصاق الدامي للمسلولين. وأخيرا عثر على الحل : إن رؤية هذا الميكروب تتطلب تلوينه بالأزرق البوتاسي!

وفي 1882، استطاع كوخ، للمرة الأولى، أن يرى تلك الجرثومة المسؤولة عن إصابة بني البشر بمرض السل! خلال السنوات الموالية، بدأ يعمل على تنمية الميكروب، ولاحظ أنه لايتنامي إلا في أوساط معينة. ثم قام بحقن حیوانات بالجرثومة المنماة، فأدى ذلك إلى إصابتها بالسل. هكذا أمكنه التحقق من کون البكتيريا التي نجح في عزلها هي، فعلا، التي تتسبب في ذلك المرض.

وفي 1890، تمكن كوخ من استخلاص «السلين» (وتسمى مصل كوخ) من عصيات السل التي تم قتلها. وتستعمل السلين لاستثارة «الارتكاس الجلدي». فإذا كانت نتيجة الاستثارة إيجابية، فذلك يعني الشخص الذي مورست عليه، إما مصاب بالسل أو أنه حقن باللقاح المضاد، فاكتسب مناعة.

روبرت كوخ.. الإشعاع العلمي

كان الكثير من تلامذة روبرت كوخ، في العديد من أرجاء العالم، يتابعون ما شرع فيه. أما هو، فقد توفي سنة 1910، وكان في السابعة والستين. إن أعمال علماء الميكروبيولوجيا (علماء الجراثيم الكبار)، مثل لويس باستور وكوخ، كانت عظيمة التأثير على الطب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد مكنته، في النصف الأول من القرن العشرين، من سلاح عظیم الفعالية : اللقاحات.

ويبقى اسم روبرت کوخ مرتبطا، أساسا، بالانتصار على تلك الآفة المروعة التي كان يشكلها مرض السل.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق