التاريخ العالمي

قصة تاريخ العبودية

“إن العبودية مناقضة للحق الطبيعي الذي يولد بموجبه سائر الناس أحرارا ومستقلين” ذلك ما كتبه مونتسكيو، سنة 1748، في الوقت الذي كانت فيه نخاسة زنوج إفريقيا تضمن الازدهار الاقتصادي لجزء من أوروبا.

إن عبارة مونتسكيو هاته سوف تشتهر في فرنسا وإنجلترا، وسوف تساهم في تحسيس الرأي العام من أجل إدانة العبودية في العالم الغربي.

أقدم من التاريخ

في زمن سحيق، يعود إلى ما قبل الكتابة، لم يكن المحاربون يترددون في قتل أعدائهم، بعد التنكيل بهم. ثم «تهذبت الطبائع» تدريجيا، وفطن المنتصرون إلى أن بإمكانهم ان يتخلصوا من الأشغال الوضيعة إذا هم أناطوها بالمهزومين، مقابل شيء من القوت.

العبودية عند السومريين

وقد تمركزت المدن السومرية الأولى، ذات النزعة الفلاحية على سواحل الخليج العربي، وفي دلتا دجلة والفرات. وبعد أن استتب الاستقرار تطلب استغلال الأراضي يدا عاملة كثيرة ورخيصة لبناء منشآت السقي، وصيانتها، والقيام بأشغال الحقول.

وبعد ظهور الكتابة وصلتنا، من الألف الثالثة قبل الميلاد، قوائم لبضائع، وأدوات، وثروات مدرجة في حسابات المعابد. وتمكن إحدى العلامات المنقوشة على لوحات الطين من إحصاء العبيد. فببلاد سومر كان الأسرى يُجَّرون إلى العبودية بحبال مشدودة إلى حلقات مثبتة في أنوفهم…

صورة اليهود يعانون من العبودية في عهد الفراعنة

ومع اختفاء العادة القديمة المتمثلة في أكل اللحوم البشرية اكتسبت العبودية قواعدها. ومع ذلك فقد كانت أحيانا هي الحظ الوحيد للمستعبد كي يبقى على قيد الحياة، فكأنما يتعلق الأمر بقطعان بشرية في ملك سيد لا يتورع عن استغلالها بكل الطرق الممكنة.

العبودية عند الإغريق

يكمن السر الحقيقي في ازدهار أثينا، خلال القرن الخامس قبل الميلاد، وفي رواج تجارتها، في كدح عبيدها الكثيرين؟ لقد كان هؤلاء يصنعون الأثواب، والجرار، والعطور، ويشكلون اليد العاملة لأوراش المراكب، وللميناء والمناجم، ومع ذلك، فإن هؤلاء العبيد كانوا يعاملون كما تعامل الماشية.

وحين أدرك أرسطو أن اختراع الآلات سيؤدي إلى إلغاء العبودية، كتب في مؤلفه «السياسة» أن:

«فائدة الحيوانات والعبيد هي، تقريبا، متماثلة. فكلا هاتين الفئتين تساعدنا بقوتها العضلية على تلبية حاجاتنا في الوجود… ولهذا تعتبر الحرب، نوعا ما، وسيلة طبيعية، ما دامت تفرض علينا أن نقوم بمطاردة الحيوانات المتوحشة والعبيد الذين يرفضون الخنوع، مع أنهم ولدوا لكي يخدموا السادة…»

العبودية عند الرومان

أما في روما فإن العبودية كانت مدروسة وممارسة بعناية. فقد أشتهر كاتون بنصائحه، وشيشرون بكتاباته في الموضوع، كما أن الرومان الذين لم يقتنعوا بتضاعف أعداد الجماهير المستعبدة قد ابتدعوا سلوكا آخر، وذلك بتربية أجود عناصر العبيد بهدف استخدامهم في ألعاب السرك حيث كانت مباريات المصارعين تلقى إقبالا بالغا طوال ثلاثة قرون.

المسيحية والعصور الوسطى

انتشرت المسيحية، في البداية، بين الطبقات الدنيا، غير أن كنيسة القرون الأولى لم تقم، بالرغم من ذلك، بإدانة العبودية، وحسب القديس أغسطين فإن المساواة بين البشر قد حال دونها الموقف الآثم المتمثل في استعباد الإنسان. أما في سنة 630م فقد حرم المجمع الديني لمدينة ريمس بيع العبيد لغير المسيحيين، كما أمر مجمع طليطلة، سنة 655م، بأن يصبح الأبناء المنحدرون من الرهبان عبيدا للكنيسة. وحينما وسع اكتشاف كرستوف كولومبس تاج الكنيسة منح البابا إلى الإسبانيين القارة الجديدة بأسرها، لأن “الأرض التي هي تراث مشترك، يملكها الله وحده».

وبالنسبة إلى المسيحيين، كان العبد الأمثل هو الزنجي، ويحكى أنه حين قام رهبان الصحراء: أنطوان، وباكوم، وبول الطيبي باجتياز النيل، اعتقدوا، عندما رأوا الأحباش، أن هؤلاء هم التجسيد المادي للشيطان. أليس السواد (في اعتقادهم) هو لون إبليس؟

وفي الحال تحول هؤلاء الزنوج، في نظر الرهبان، إلى شياطين جديرة بكل أصناف اللعنة. وبالتالي، فقد بدا أن العبودية وحدها، هي التي تستطيع أن تمنحهم الخلاص، وتعطيهم الوسيلة المادية للتكفير عن الخطيئة الأصلية!

العبودية في العصر الحديث

إن تعطش الفاتحين الأوربيين إلى الذهب جعلهم يحكمون بالأشغال الشاقة في المناجم على هنود الكرايبي الذين ماتوا بأعداد غفيرة، كما أخليت كوبا وهايتي من سكانهما. أما المعمرون الفرنسيون الذين قدموا في رحلات جاك كارتيي، والسيد دو روبير فال فقد فرضوا الأشغال على الأهالي الذين سرعان ما هلكوا بسبب ذلك. ولم يقم الاستعمار الإنجليزي بأحسن مما قام به الإسبانيون والبرتغاليون في العالم الأمريكي، وكانت اليد العاملة، نظرا لقلتها، تستورد من إفريقيا دون إعارة الاهتمام إلى أن المنطقة الممتدة من السينغال إلى أنغولا كانت تخلو من السكان.

استعباد الأوربيون للأفارقة

أما المتاجرة فقد كانت تتم بعناية أكبر مما تحدثت عنه الحملات المناهضة للعبودية. إضافة إلى ذلك، كانت التجارة الثلاثية التبادل تعرف نشاطا للسفن المحملة بقطع قماش هندية الصنع (كانت تُستخدم كوحدة حساب لقيمة زنجي واحد)، وبالمصنوعات الزجاجية (كأس النخاسة)، وبالبنادق الرديئة التي يتم استبدالها في إفريقيا مقابل عدد العبيد، الذين ستتم مقايضتهم في الأنتيل مقابل توابل سوف تبيعها السفينة في فرنسا.

وهكذا، فإن أوروبا، باستثناء ما تم إنزاله بالبرتغال سنة 1444م، لم تر أبدا هؤلاء الزنوج الذين تسببت نخاستهم في إنشاء ونمو شركات الأسهم الأولى والنظام البنكي الحالي. وإذا كانت أوربا قد أنجزت أكبر تنقيل للبشر عرفه التاريخ، فقد أنشأت أيضا التأمين على الحياة، وهكذا دفع التأمين على الحمولة – هل كانت بشرا هذه القطعان؟ – إلى طرح أسئلة تسببت في إلغاء العبودية على مستوى العقول، والنصوص، والأفعال.

واليوم، ما زالت النخاسة شائعة في بعض مناطق الشرق الأقصى، وربما تكون العبودية المؤسساتية، شأنها في ذلك شأن أقدم مهنة في العالم، مترسخة في أعماق الإنسان الذي هو دائما على استعداد للاستغلال أخيه الإنسان، مهما كلف ذلك من ثمن.

في سنة 1851، ألفت بيشر ستاو Beecher-Stowe روايتها الشهيرة “كوخ العم توم”. وقد ساهمت هذه الرواية مساهمة كبرى في تطور الأفكار نحو إلغاء العبودية. صورت هذه الرائية، بدقة شديدة، الحياة اليومية للعبيد، الذين لم يكن أمامهم سوى خيارين اثنين: الفدية أو الموت!

ساعدت مزارع القطن في بعض الولايات الأمريكية – مثل الميسوري، وكارولينا الشمالية، وفيرجينيا، وتينسي- على استمرار العبودية لزمن طويل. وبعد أن منع القانون الفدرالي، لسنة 1808م، استيراد العبيد، انصرف بعض المزارعين، آنذاك، إلى التدجين البشري لتعويض هذا المنع!

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق