التراثالصناعة التقليدية

دباغة الجلود.. ماذا تعرف عن عمليات صناعة الجلود

اقرأ في هذا المقال
  • تاريخ صناعة الجلود
  • ماهي دباغة الجلود ؟
  • أنواع الجلود واستخداماتها
  • العمليات الأولية لدباغة الجلود
  • الدباغة
  • الجلود المصنوعة ومشتقاتها

إن الاشتغال على دباغة جلود الحيوانات، بقصد الحصول على هذا الشيء المتين الذي هو “الجلد”، يعد من أعرق الفنون التي عرفتها البشرية. فالأمر يتعلق ولا شك بفن، وما علينا إلا أن نتأمل مدى تعقد التفاعلات الكيماوية والعناصر المتفاعلة، لندرك أن العمليات التي ينتج عنها هذا “الشيء” تبقى لها جوانبها الغامضة حتى اليوم.

تاريخ صناعة الجلود

إن الجلد من بين المنتوجات التي استعملت منذ أقدم العصور، وهنالك منحوتات مصرية أبدعها فنانون قبل ميلاد المسيح بثلاثة آلاف سنة، وهي تجسد حرفيين بصدد تهييء الجلود.

كما أنه تم اكتشاف بقايا جلود تعود إلى ما قبل حوالي 6000 سنة. وإنه لأمر مثير أن نلاحظ أن الأشخاص الذين اشتغلوا في البداية على الجلد، باتباع تقنية خاصة، لم يكونوا على دراية بالأسس المعرفية (الكيماوية) الضرورية لذلك.

ومما لا شك فيه أنهم تلمسوا طريقهم في هذا المجال، وأن الحظ كان إلى جانبهم، فتمكنوا في نهاية المطاف من اكتشاف التقنية الملائمة. ولاشك، أيضا، أن حفظ جلود الحيوانات (مهما يكن حجمها) كان يتم في البداية عن طريق تعريضها للشمس والهواء. وبعد ذلك، اكتشفت ايجابيات مختلف أنواع الزيوت في هذا المجال، ثم لوحظ أيضا أن إلصاق مواد معينة (أوراق الشجر، أغصان، قطع لحاء نقعت من قبل في الماء على الجلود يمكن من حفظها بصورة أحسن. وقد مكنت التجارب العلمية، بعد ذلك بكثير، من تحديد أساليب كيماوية وعملية لتهييء مادة الجلد.

جلود الحيوانات، مادة الجلد، والمواد المشتقة منها

يتم تحويل الجلود عبر مراحل، أولاها الدبغ. والجلود، إذ تدبغ، تصبح أكثر ليونة، بحيث يمكن استعمالها بصورة مختلفة. فالدبغ يغير من طبيعة وخصائص الجلود نفسها، إذ يجعلها تقاوم عوامل التحلل الطبيعية كما يضعف قابليتها للإنفاذ وللتحلل في الماء. وهكذا، فأغلب الجلود، في حالتها الخام، تبدأ في التحلل بداخل الماء إذا بلغت درجته الحرارية الستين، فيما «يصمد الجلد المدبوغ بداخل مياه تشارف درجتها المائة.

دباغة الجلود دار الدباغة الدار البيضاء
دباغة الجلود: وضع الجلود في حفر المياه الساخنة بدار الدباغة
الدار البيضاء المغرب

ماهي دباغة الجلود ؟

من أجل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن تكون لنا معرفة بـ “بنية” الجلود الحيوانية. فظاهر هذه الأخيرة طبقة واقية مكونة من الماء والبروتينات والدهون وأنواع من هيدرات الكربون وعدد من المواد المعدنية.

ثم إن بالجلود الحيوانية أربع طبقات أخرى متمايزة. فالطبقة الخارجية رقيقة وهي تشكل %1 من المجموع. وتحتها، هنالك طبقة غير سميكة بدورها، وتتكون أساسا من الشحم. أما الطبقة الثالثة (وهي الأدمة) التي تصنع منها مادة الجلد، فهي مكونة من أنسجة ضامة وأخرى عضلية وثالثة شحمية، بنسب متغيرة بحسب سن البهيمة وجنسها وحالتها العامة، ولهذه النسب أهمية كبرى فيما يتعلق بنوعية مادة الجلد المستخلصة من الجلد الخام، فإذا كان هذا الأخير يحتوي نسبة كبيرة من الشحم، يكون الجلد المصنوع منه رخوا وشبيها نوعا ما، بالاسفنج أما اذا كانت نسبة الأنسجة الضامة أكبر في الجلد الخام. وكانت هذه الأخيرة متلازمة جيدا، فإن الجلد المصنوع منه يكون متينا ولينا.

أنواع الجلود واستخداماتها

وأخيرا، فإن ثمة طبقة من اللحم تبقى لصيقة بجلد البهيمة بعد سلخها. ورغم أن كل الجلود متماثلة، من حيث المكونات، فإن منها ما هو قابل أكثر من غيره لأن يهيأ منه جلد مصنوع صالح للاستعمال في مجالات محددة. وهكذا، فإن جلود الخرفان والحملان والماعز والعجول هي التي يستخلص منها اليوم %90 من الإنتاج العالمي من الجلد المصنوع.

أما بعض الجلود الأخرى، فنطاق استعمالها محدود، وهذا هو حال الخنزير والقنغر والأيل والفنية وفيل البحر والجاموس، وكذا جلود الزواحف.

ويعتمد الجلد المصنوع لإنتاج العديد من الأشياء (صناعيا، أو من قبل الحرفيين) الأحذية، والرحال والسروج والحقائب والقفافين كما أنه يستعمل لتجليد الكتب، ولصنع الكرات، وقطع من آلات موسيقية كالبيانو والرقاق، وغير ذلك..

العمليات الأولية لدباغة الجلود

إن معالجة الجلود من أجل الحصول على جلد على مصنوع تتطلب مستوى عاليا من الإتقان لكي يكون الانتاج على جانب من الجودة، وغير متنافر الأجزاء طبعا. فالتهييء للتفاعلات الكيماوية التي يجب أن تتم في هذا الإطار، وإنجاز سائر العمليات الأخرى، أمران يتطلبان تدقيقا شديدا، بحيث يمكن أن يستعصيا حتى على العمال المحنكين.

المرحلة الأولى

ثمة أمور أولية يجب أن تتم قبل مباشرة دبغ الجلود. بادىء ذي بدء، يجب أن تقطع الجلود، ويتم تفحصها وقص أطرافها. بعدها، تنقع في الماء لمدة تتراوح بين ثلاث ساعات وأربع وعشرين ساعة، فتنظف من الأوساخ والشوائب، ثم تملح لتحفظ في حالة جيدة أثناء النقل والتخزين، بهذا تكتسب الجلود ليونة طبيعية.

المرحلة الثانية في دباغة الجلود

يجب أن يحتوي الجلد المهيأ جيدا على نسبة %65 من الماء، وفي مرحلة ثانية، يزال عن الجلد اللحم العالق به، بآلة ذاة شفرة حلزونية، بعدها ينقع الجلد في سائل محتو أساسا على الجير الكلس لمدة تتراوح بين ثلاثة وسبعة أيام، حتى يسقط عنه الوبر والأدم، وما يتبقى منهما يقتلع يدويا أو باستعمال آلة ما. إثر ذلك، يدهن بسائل لزج مهيأ من إفرازات الأفراس والأبقار، يتم تسخينه مسبقا، بهدف تليينه (أي الجلد) وإزالة بقايا الجير العالقة به.

دباغة الجلود في المغرب
إزالة الشوائب من الجلود في دار الدباغة بـ فاس – المغرب

وهذه الطريقة المقرفة حقا – بالنظر إلى الروائح التي تتصاعد من السائل – وقد أحلت محلها طريقة كيميائية تعتمد، بشكل مباشر، مفعول خمائر اتضح أنها المادة الفعالة التي تحتويها تلك الإفرازات.

الدباغة

تعتمد في هذا الصدد، في وقتنا الحاضر، طريقتان: الدبغ بالأعشاب، من جهة، والدبغ بأملاح مادة الكروم، من جهة ثانية.

1 دباغة الجلود بالأعشاب

تعالج الجلود بالأحماض العضوية، كي يزال عنها كل أثر للجير، بعدها تنقع في محلول يحتوي دباغا، ثم في آخر به دباغ أكثر (وهكذا دواليك)، وذلك بداخل عدد من الحفائر ذات «جدران» خشبية.

إن هذه الطريقة تعتمد التدرج حتى لا تقع تفاعلات قوية تفسد العملية بأكملها. ويتم الإبقاء على الجلود منقوعة في الحفيرة المحتوية على المحلول الأكثر كثافة (باعتبار ما يحتويه من الدباغ) مدة شهر تقريبا. والتفاعل الكيماوي الذي يحدث إذاك شديد التعقيد، ويمكننا أن نختزله في المعادلة التالية:

جلد + دباغ = جلد مصنوع + سكر

ويستخلص الدباغ من مواد شديدة التنوع وخاصة من ثمرة العفص، ومن لحاء أشجار البلوط والسنط والكستناء والدردار والصفصاف والأوكالبتوس والترام، ومن أوراق بعض الأشجار، ومن بعض مكونات الفواكه والكاشو والسماق. ونظرا لكون هذه المواد النباتية أصبحت نادرة أكثر فأكثر، تتم الاستعاضة عنها، أحيانا بمواد صناعية. وأول مادة استعملت لهذا الهدف تحمل اسم أوروتان ت. ف، وقد اكتشفت سنة 1945 من طرف كيميائيين أمريكيين.

ويتم تسريع عملية الدباغة من أجل التخفيض من قيمة تكاليف الإنتاج. ويعتمد الدبغ بالأعشاب لإنتاج جلد مصنوع متين.

2- الدبغ بأملاح الكروم

أما المعالجة بمادة ملح الكروم، فملائمة للحصول على جلد مصنوع خفيف. وفي هذه الحالة الأخيرة يعوم الجلد في محلول من الملح وحمض الكبريتيك، قبل أن ينقع في محاليل عديدة تتضمن الصوديوم بالأساس، ويدعك، في نهاية المطاف، في ماء أضيف إليه البورق (حمض البوريق). والهدف من هذه العملية هو أن تترابط البروتينات التي تحتويها الجلود بتلك التي توجد في الكروم.

وبعد أن يدبغ الجلد، يتوجب تسوية سطحه باستعمال آلة مجهزة بمجموعة من النصال، ويمكن أن تزال عنه الألوان أو أن ينظف ثانية. ثم يسرب إلى داخله شيء من الشحم، لتزداد ليونته ومرونته. وفي النهاية، يتم تعطير الجلد المصنوع وصقله وتلميعه (بالبرنيق) ويكسى سطحه بأشكال معينة ثم يشتغل عليه آليا ليتغير مظهره وخصائصه.

بعد دبغ الجلود الذي يجعلها لينة وغير قابلة للتعفن، يخضع الجلد لعمليات متعددة.

الجلود المصنوعة ومشتقاتها

تعتبر الجلود بمثابة منتوج ثانوي لقطاعات الصناعة المختصة في الصوف واللحوم. ومع هذا، فقد اتضح أنه من الممكن استعمال الثفل، الناتج عن عملية دباغة الجلود والمحتوي على بروتينات، لتغذية الدجاج، أو اعتماده، بعد تحويله، ضمن العناصر التي يصنع منها آجر شديد الصلابة.

ويبقى أن أهم الانتاجات الثانوية لعملية دباغة الجلود هي الجيلاتين من جهة، والمواد اللاصقة من جهة ثانية، فالجيلاتين المشتقة من البروتينات الحيوانية تعتمد في الصناعات الغذائية، وفي صناعة النسيج، وفي مجال الصيدلة (لاستقطار الأدوية)، وتستعمل كذلك لـ حماية أشرطة التصوير.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق