عين على التاريخمقالات

الطوارق.. أسطورة الصحراء المنسية

على امتداد الهامش الصحراوي، وبعيدا عن تعقيدات الساحل وصراعاته، واتساقا مع البنية المكانية ومعطياتها الجغرافية والبشرية، عاش الطوارق ومازالوا في هذا النطاق الممتد من جنوبي ليبيا والجزائر حتى شمال مالي والنيجر، بالإضافة إلى مجموعات محدودة في بوركينا فاسو، يمارسون طقوسهم الاجتماعية ذات الصبغة الأمازيغية، ويحلمون بمستقبل يضعون فيه رحال اللجوء إلى دول الجوار، بحثا عن سلام بات بمثابة الأمنيات المستحيلة.

الطوارق من تاركة أم نسبة لطارق بن زياد أو لطرقهم أبواب الصحراء؟

يعيش الطوارق على الهامش، هامش الجغرافيا حيث الصحراء المترامية بلا نهاية، وهامش الحدود حيث التقسيمات البشرية التي شتتهم بين دول مختلفة، وربما الهامش الأخير هو هامش الحلم، حلم الاستقلال والحكم الذاتي.

من هم الطوارق ؟

الطوارق هم المجموعة الأمازيغية الأكثر انتشارا جنوبا حيث الصحراء الواسعة، وينحدر الطوارق من الجرمنتيين سكان الصحراء الكبرى، وينقسمون إلى قسمين كبيرين هم : البرانس (أبناء برنس بن بر)، والبتر (أبناء مادغيس بن بتر)، ويعتقد البعض أن أصل التسمية مأخوذ من لفظة «تاركة» أو «تارجة»، وتعني الأرض الغنية بالمياه، وهي مكان يقع في واحات فزان بليبيا.

وهو الرأي الأكثر ترجيحا، وهناك من يرى أن التسمية نسبة إلى طارق بن زياد، القائد العربي الشهير، أو بسبب طرقهم أبواب الصحراء الشاسعة.

رحلة الوجود

بالنسبة لأعداد الطوارق فلا توجد إحصائيات دقيقة يمكن أن ترصد أعدادهم، لكن هناك تقديرات إحصائية تذهب إلى أن عددهم يقارب نحو 3.5 مليون نسمة يعيش أكثر من %80 في شمالي مالي والنيجر، وهو ما يعني أننا أمام كتلة بشرية كبيرة وفاعلة على امتداد تواجدها، كتلة تعرضت للشتات والتقسيم بفعل الحدود التي خلفها الاستعمار الفرنسي، والترسيمات التي لم تراع حقوق ومصالح هؤلاء القوم الذين استوطنوا تلك المنطقة منذ القدم، وقبل أن يكون مصطلح الدولة القومية الحديثة المتعارف عليه قائما، حيث القبيلة هي الأصل والصحراء في الوطن والأمازيغية هي الهوية.

طوارق المغرب في الصحراء المغربية
طوارق المغرب في الصحراء المغربية

حيث الصحراء الممتدة بلا نهاية، واصل الطوارق عبر التاريخ رحلة الوجود، ومسيرة الحياة، في أكثر مناطق الصحراء الكبرى جفافا وقسوة، من الجنوب الليبي في فزان إلى الهكار في الجزائر، ومن أزواد في مالي إلى أيير في النيجر، صحراء يعرفون جيدا ممراتها ومسالكها الملتفة، ويتجنبون دروب التيه فيها وبحار رمالها القاتلة.

الطوارق.. بوتقة أمازيغية

عاش الطوارق في هذا الحزام الفاصل بين الشمال المغاربي بطبيعته المتوسطية، وثقافته الأمازيغية – العربية الإسلامية، وبين الجنوب الأفريقي بمكوناته ومعطياته، وسماته السوسيولوجية الخاصة، فراحت البوتقة الأمازيغية تعمل على صهر كل تلك المكونات، دون أن يفقد أصحابها هويتهم وخصوصيتهم التي حافظوا عليها لقرون طويلة، ربما بفضل الصحراء التي شكلت على براحها سياجا يحمي ثقافة الطوارق، ويمنحهم القدرة على البقاء في مواجهة كافة المؤثرات، وهو ما مكنهم من الحفاظ على ثقافتهم وعاداتهم، وكذلك على لغتهم الأمازيغية (تماشق) وكتابتها بأبجديتهم (تيفيناغ) التي يرجع تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد.

لعب الموقع المتوسط بين الشمال المغاربي والجنوب الأفريقي دورا في اشتغال الطوارق بالتجارة، وقد باتت حركة القوافل في صحراء يعرفون مسالكها جيدا وكأنها بلا انقطاع، تحمل شريان الحياة لسكان الصحراء، ليزدهر التبادل التجاري، وبخاصة تجارة الملح الذي كان يباع بوزنه ذهبا، كما اشتغل الملثمون بالرعي وتربية الماشية كغيرهم من سكان الصحراء.

الإسلام مصدر إلهام

وهكذا، كانت البنية المكانية للصحراء عامل حسم في الحفاظ على المكونات الرئيسة الموروثة لهوية مجتمع الطوارق، وكان الدين الإسلامي مصدر إلهام روحي وقيمي، لكنه أبدا لم يمح هوية الأمازيغي، أو يدفعه ليكون شخصا آخر غير ذلك الصحراوي القديم بخطاه الثقيلة الراسخة في صحراء قاسية، نسج عبرها ومن خلالها نضاله الطويل من أجل البقاء.

وتتحدد المكانة في مجتمع الطوارق بحسب الدور الذي يؤديه الفرد، ومع تنوع الأدوار نجد أنفسنا أمام مجتمع قبلي / طبقي، حيث تتوزع الكونفيدراليات القبلية وفق التقسيمات الجغرافية للمجموعات الكبرى السائدة في ليبيا والجزائر ومالي والنيجر، وتندرج وفق وحدات اجتماعية وظيفية، في هرم يحتل قمته السادة رؤوس القبائل والعشائر (إيماجغن)، يليهم طبقة رجال الدين والمعلمين (إينسلمن)، ثم الصناع وأصحاب الحرف (إينادن)، وفي أزمنة الرق كان هناك العتقاء (بزوس) ثم العبيد (إكلان).

سيدة المجتمع

وتحتل المرأة مكانة كبيرة في مجتمع الطوارق، وقد نجح هذا المجتمع الصحراوي في تحقيق نوع من المماهاة بين عقيدته الإسلامية السنية “المالكية” وبين موروثه الثقافي الأمومي القديم، فالمرأة صاحبة المشورة والرأي، ولها الحق في تزويج وتطليق نفسها، حيث تسمى المطلقة بال (حرة)، ولها الحق في ممارسة كافة الأدوار الاجتماعية.

Tuareg women
سيدة من المجتمع الطوارقي

والنساء من قبائل الطوارق حاسرات الرأس، ويمكن القول إن المرأة هي سيدة المجتمع بلا منازع، فهي التي تختار زوجها، ويعيش معها حيث تشاء، وفي الغالب يقيم الزوج معها في حي أهلها، وهي تملك البيت والماشية، وهي كذلك المسؤول عن العادات الاجتماعية من استقبال للضيوف وتقديم واجب العزاء والمجاملات، وممارسة كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد، فاحتلت عن جدارة المكانة الأولى في هذا المجتمع المسلم.

وربما يعود ذلك إلى غياب الرجل عن القبيلة لفترات طويلة، في رحلات تستغرق عدة أشهر سعيا إلى جلب المؤنة وبيع الملح وغيره من السلع وتوفير الطعام والكساء، وكذلك الخروج في مهام الحراسة والقتال، وبالتالي أصبحت المرأة هي المسؤول الأول عن شؤون القبيلة، والأكثر إلماما بترتيبات الحياة. وهذا الدور منحها بالضرورة المكانة الكبيرة التي صارت تتبوأها عن جدارة واستحقاق.

الملثمون.. طقوس موروثة

لماذا يتلثم رجال الطوارق ؟

من المعروف أن الرجل في قبائل الطوارق يضع اللثام، ولا يكاد يفارقه، ولعل العامل البيئي هو السبب في ذلك حيث يخرج الرجل إلى الصحراء فترات طويلة، فيحمية اللثام من العواصف والحر والبرد، ويقي رأسه من حرارة الشمس، ويبلغ طول اللثام حوالي خمسة أمتار، ويلازم الرجل متى حل، حيث يلفه بإحكام على جميع وجهه عدا العينين.

ومع الوقت بات لثام الرجل من العادات المستقرة في المجتمع الطوارقي، وهي ما يشترك فيه مع مجتمع صنهاجة، والذي يعرف رجاله بالملثمين. يقول ابن خلدون عن قبائل الطوارق في ذلك :

«واتخذوا اللثام خطاما تميزوا بشعاره بين الأمم»

وهناك رأي آخر يرجح أن عادة اللثام إنما تعود في الأصل إلى نوع من الطقس الموروث منذ آلاف السنين، لحماية مداخل الجسد (الأنف والفم) من تسرب الأرواح الشريرة، ويرتدي الرجل اللثام عند بلوغه الخامسة عشرة في حفل مخصوص يدرج من خلاله في قوائم الرجال.

أقدم حضارة في التاريخ

قبل آلاف السنين عاش الجرمنتيون (الجيتول)، أسلاف الطوارق، حيث أسسوا حضارة نسجت من حولها الأساطير، وقد تركوا خلفهم أحد أكثر ألغاز التاريخ غموضا، ففي كهوف طاسيلي الواقعة في جنوب شرق الجزائر حيث عاش أجداد الطوارق، تم العثور على نقوش غريبة تمثل تصویرا لحضارة قديمة يعود تاريخها لنحو 20 ألف عام وفقا لتقديرات المسح الذري الذي أجرى إبان زيارة الرحالة هنري لوت للمنطقة عام 1956م، وهو ما يجعلها الحضارة الأقدم في التاريخ، والتي تعود لما قبل العصور البدائية، وهو الأمر الذي أثار انتباه علماء الآثار والتاريخ، نظرا لطبيعة تلك النقوش التي تصور أشكالا من الحياة لم يكن متعارفا عليها آنذاك.

وعليه، نسجت الروايات والأساطير، وتناثرت حكايا السحر وأقاصيص الجنيات لتضفي على المكان رونقا، وتمنحه عمقا يضرب بجذوره إلى حيث الفجر الأول لضمير الإنسانية، وما زال تراث الطوارق وحكاياهم (تينوفسين) وأشعارهم (تيسيواي) تحمل هذا السحر، عبر أنغام آلات الإيقاع (التينداي)، وهو ما يؤكد أن حضارة ما غامضة وعظيمة في نفس الوقت مرت يوما من هنا

انعزال وهدوء

يمكن تمييز حالتين بينهما نوع من التباين في الوضع السياسي للطوارق، فبينما يسود نوع من الانعزال والهدوء الذي يخيم على وجودهم في ليبيا والجزائر، يسود نوع من الصراع الدامي في علاقتهم مع النظم الحاكمة المتعاقبة في مالي والنيجر منذ الاستقلال، وربما يعود ذلك إلى الوضعية الديموغرافية من حيث العدد، حيث يعيش نحو ثلثي الطوارق في مالي والنيجر.

وصل الأمر ذروته في مالي في الستينيات من القرن الماضي، حيث أعلن الطوارق رغبتهم في الاستقلال الذاتي (ثورة كيدال)، وفي المقابل اتخذ نظام الرئيس مودوبو كيتا إجراءات قمعية عنيفة ضدهم.

وهو ما دفع الطوارق إلى رفع السلاح وإعلان التمرد، وانضم إليهم إخوانهم في النيجر، والذين تعرضوا بالتبعية لسلسلة من المذابح وصلت ذروتها في الثمانينات، لكنها لم تفلح في قمع تمردهم، لتدور رحى معارك ضارية، أحدثت تغييرا ملموسا في البنية الديموغرافية للطوارق، حيث هاجرت مجموعات كبيرة منهم إلى دول الجوار (الجزائر، ليبيا، موريتانيا، بوركينا فاسو).

حلم الاستقلال

ومازال حلم الطوارق في الحصول على حق تقرير المصير يدفعهم إلى مواصلة النضال والتمرد، وفي هذا السياق تمكنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد عام 2012م من تحرير الإقليم، بعد مواجهات دامية مع المتشددين من الحركات الإسلامية التي كانت تسيطر على شمالي مالي، لكنها لم تحظ بتعاطف أو تأييد دولي مقنع، حتى أن أحد مواقعها تعرض للقصف العنيف من قبل طائرات تابعة للأمم المتحدة في مارس 2015م، وهو ما دفعها إلى تعليق تعاونها الأمني مع بعثة الأمم المتحدة.

tuareg mali conflict
طوارق ماليون من الحركة الوطنية لتحرير أزواد

وما زال المجتمع الدولي شبه غائب عن سيل الدماء النازف في صحراء مالي والنيجر في صراع مزودج مع نظم حاكمة ترفض الإقرار بحقوقهم التاريخية من ناحية، وجماعات إسلامية متشددة تسعى إلى السيطرة عليهم والقضاء على نضالهم، بل وتهديد وجودهم في المنطقة برمته.

ورغم المساعي الدبلوماسية التي يقوم بها المغرب والجزائر وبوركينا فاسو وبعض دول الجوار، إلا أن اتفاقات وقف إطلاق النار ما زالت حبرا على ورق، في وضع بات مشتعلا، وقابلا للانفجار في أي لحظة، وكأنه قدر لهذا الصحراوي الطوارقي المقاتل الذي حمل السلاح في مواجهة الاستعمار الفرنسي منذ أكثر من قرن من الزمان، ألا يضع سلاحه لينعم بالحياة في سلام لم تفلح الصحراء على اتساعها وسكونها أن تمنحه إياه.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق